Tag » Kajian Islam

Catatan Ilmiah : "Diantara Keajaiban Perintah Sujud Terhadap Tubuh"

Apabila anda sedang mengalami stress, atau tensi anda naik, atau pusing yang berkepanjangan, atau mengalami nervous (salah satu jenis penyakit penyimpangan perilaku berupa uring-uringan, gelisah, takut, dll). 348 kata lagi

Tak Berkategori

Catatan Ilmiah : "Pengaruh Qur'an Terhadap Organ Tubuh"


Dr. Ahmad Al-Qadhiy (United States of America)

Ada menyeruak perhatian yang begitu besar terhadap kekuatan membaca Al-Qur’an, dan yang terlansir di dalam Al-Qur’an, dan pengajaran Rasulullah.

1.534 kata lagi
Tak Berkategori

Catatan Ilmiah : "Wudhu Mencegah Terjadinya Berbagai Penyakit Kulit"

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره )) رواه مسلم.

Rasulullah bersabda, “Barangsiapa berwudhu dengan membaguskan wudhu’nya, maka keluarlah dosa-dosanya dari kulitnya sampai dari kuku jari-jemarinya”. 715 kata lagi

Tak Berkategori

Pola Sistematika Wahyu

Sistematika  Wahyu

Sistematika  wahyu –yang kemudian kami singkat SW- adalah pola gerakan, menggerakkan dan digerakkan, yang dilaksanakan di Hidayatullah. SW adalah hasil ijtihadiyah dari Ustadz Abdullah Said yang berasal dari perenungan ruhaniyah yang sangat panjang yang telah beliau mulai dari masa mudanya. 2.068 kata lagi

Tak Berkategori

Serial Tokoh : Ustadz Abdullah Said

Laman ini berisi penggalan kisah perjalanan dan pemikiran dari  Allahuyarham Ustadz Abdullah Said, Pendiri dari Hidayatullah di Balikpapan, Kalimantan Timur di mana para kader dan cabang Pesantren Hidayatullah tersebar di seluruh Tanah Air.

4.062 kata lagi
Tak Berkategori

Kekhalifan Bani Umayyah

Sejarah Keluarga Bani Umayyah

Istilah Umayyah berasal dari bahasa Arab yang bermakna anak turun Umayyah, yaitu Umayyah bin Abdul Syams, ia adalah salah satu pemimpin dari kabilah suku Qurays, Abdul Syams sendiri merupakan saudara Bani Hasyim yang merupakan keturunan dari Abdul Manaf, dari Bani Hasyim inilah lahir Nabi Muhammad SAW . 4.561 kata lagi

Tak Berkategori

(سبل السلام - شرح بلوغ المرام (للصنعاني كتاب الصلاة

باب المواقيت

الصلاة لغة: الدعاء، سميت هذه العبادة الشرعية باسم الدعاء؛ لاشتمالها عليه. والمواقيت: جمع ميقات، والمراد به: الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان.

عَنْ عبدِ الله بن عَمْرو رضي الله عنهما، أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “وَقْتُ الظّهْرِ إذا زَالَتِ الشّمْسُ، وكانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كطولِهِ ما لَمْ يحضُرْ وقْتُ العصرِ، ووقت العصر ما لمْ تصْفَرَّ الشّمْسُ، ووقتُ صلاةِ المَغْرِبِ مَا لمْ يغب الشّفقُ، ووقتُ صلاةِ العِشاءِ إلى نصفِ اللّيْلِ الأوْسَطِ، ووقتُ صلاةِ الصُّبحِ مِنْ طُلوعِ الفجر ما لمْ تطلعِ الشّمس” رواه مسلم.

(عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: ــــ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واله قال: ــــ وقت الظهْر إذا زالت الشمْسُ) أي مالت إلى جهة المغرب، وهو: الدلوك الذي أراده تعالى بقوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} ، (وكان ظلُّ الرَّجل كطوله) أي ويستمر وقتها حتى يصير ظل كل شيء مثله، فهذا تعريف لأول وقت الظهر واخره. فقوله “وكان” عطف على زالت، كما قررناه: أي ويستمر وقت الظهر إلى صيرورة ظل الرجل مثله (ما لم يحضُر وقت العصر) وحضوره بمصير ظل كل شيء مثله، كما يفيده مفهوم هذا، وصريح غيره (ووقْتُ) العَصْر يستمر (ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ) وقد عين اخره في غيره: بمصير ظل الشيء مثليه (ووقت صَلاة المغْرب) من عند سقوط قرص الشمس، ويستمر (ما لم يَغب الشفَقُ) الأحمر، وتفسيره بالحمرة سيأتي نصاً. (ووَقْتُ صلاة العشاء) من غيبوبة الشفق، ويستمر (إلى نصْف الليْل الأوسَط) المراد به الأول، (ووقْتُ صلاة الصُّبْح) أوله (منْ طُلُوع الفجْر) ، ويستمر ما لم تَطْلُع الشمْسُ. رواه مسلم) تمامه في مسلم: “فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني الشيطان”.

الحديث أفاد تعيين أكثر الأوقات الخمسة: أولاً، واخراً، فأول الظهر زوال الشمس واخره مصير ظل الشيء مثله، وذكر الرجل في الحديث تمثيلاً، وإذا صار كذلك فهو أول العصر، ولكنه يشاركه الظهر في قدر يتسع لأربع ركعات فإنه يكون وقتاً لهما، كما يفيده حديث جبريل فإنه صلى بالنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الظهر في اليوم الأول بعد الزوال، وصلى به العصر عند مصير ظل الشيء مثله، وفي اليوم الثاني صلى به الظهر عند مصير ظل الشيء مثله: في الوقت الذي صلى فيه العصر اليوم الأول، فدل ذلك على أن ذلك وقت يشترك فيه الظهر والعصر، وهذا هو الوقت المشترك، وفيه خلاف، فمن أثبته، فحجته ما سمعته، ومن نفاه تأول قوله: “وصلى به الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثله”. بأن معناه فرغ من صلاة الظهر في ذلك الوقت، وهو بعيد. ثم يستمر وقت العصر إلى اصفرار الشمس، وبعد الاصفرار ليس بوقت للأداء، بل وقت قضاء، كما قاله أبو حنيفة. وقيل: بل أداء إلى بقية تسع ركعة؛ لحديث: “من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر”.

وأول وقت المغرب إذا وجبت الشمس: أي غربت، كما ورد عند الشيخين، وغيرهما، وفي لفظ: “إذا غربت”، واخره ما لم يغب الشفق، وفيه دليل على اتساع وقت الغروب، وعارضه حديث جبريل؛ فإنه صلى به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المغرب في وقت واحد في اليومين، وذلك بعد غروب الشمس، والجمع بينهما: أنه ليس في حديث جبريل حصر لوقتها في ذلك، ولأن أحاديث تأخير المغرب إلى غروب الشفق متأخرة، فإنها في المدينة، وإمامة جبريل في مكة، فهي زيادة تفضل الله بها. وقيل: إن حديث جبريل دالٌ على أنه لا وقت لها إلا الذي صلى فيه.

وأول العشاء غيبوبة الشفق، ويستمر إلى نصف الليل، وقد ثبت في الحديث التحديد لآخره بثلث الليل، لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر، ويستمر إلى طلوع الشمس.

فهذا الحديث الذي في مسلم قد أفاد أول كل وقت من الخمسة واخره، وفيه دليل على أن لوقت كل صلاة أولاً واخراً، وهل يكون بعد الاصفرار وبعد نصف الليل وقت لأداء العصر والعشاء، أو لا؟ هذا الحديث يدل على أنه ليس بوقت لهما، ولكن حديث “من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر” يدل على أن بعد الاصفرار وقتاً للعصر، وإن كان في لفظ “أدرك” ما يشعر بأنه إذا كان تراخيه عن الوقت المعروف لعذر أو نحوه، وورد في الفجر مثله وسيأتي، ولم يرد مثله في العشاء، ولكنه ورد في مسلم: “وليس في النوم تفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى” فإنه دليل على امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى، إلا أنه مخصوص بالفجر، فإن اخر وقتها طلوع الشمس، وليس بوقت للتي بعدها، وبصلاة العشاء فإن اخره نصف الليل وليس وقتاً للتي بعدها. وقد قسم الوقت إلى اختياري واضطراري، ولم يقم دليل ناهض على غير ما سمعت، وقد استوفينا الكلام على المواقيت في رسالة بسيطة، سميناها اليواقيت في المواقيت.

ولَهُ مِنْ حديث بريدةَ في العصر: “والشمسُ بيضاءُ نَقِيّةٌ”.

(وله) أي لمسلم (من حديث بريدة) بضم الموحدة فراء فمثناة تحتية فدال مهملة فتاء تأنيث، هو أبو عبد الله، أو أبو سهل، أو أبو الحصيب، بريدة بن الحصيب بضم الحاء المهملة فصاد مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة، الأسلمي، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وبايع بيعة الرضوان سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج إلى خراسان غازياً فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين، أو ثلاث وستين (في العصر) أي في بيان وقتها: (والشمس بيضاءُ نقية) بالنون والقاف ومثناة تحتية مشددة، أي: لم يدخلها شيء من الصفرة.

ومن حديث أبي موسى: والشمس مرتفعة”.

(ومن حديث أبي موسى) أي ولمسلم من حديث أبي موسى، وهو عبد الله بن قيس الأشعري، أسلم قديماً بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وقيل: رجع إلى أرضه، ثم وصل إلى المدينة مع وصول مهاجري الحبشة، ولاه عمر بن الخطاب البصرة بعد عزل المغيرة سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر خلافة عثمان، فعزله، فانتقل إلى الكوفة وأقام بها، ثم أقره عثمان عاملاً على الكوفة، إلى أن قتل عثمان، ثم انتقل بعد أمر التحكيم إلى مكة، ولم يزل بها حتى مات سنة خمسين، وقيل: بعدها، وله نيف وستون سنة (والشمس مُرْتفعة) أي وصلى العصر، وهي مرتفعة لم تمل إلى الغروب.

وفي الأحاديث ما يدل على المسارعة بالعصر؛ وأصرح الأحاديث في تحديد أول وقتها حديث جبريل: “أنه صلاها بالنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وظل الرجل مثله” وغيره من الأحاديث: كحديث بريدة، وحديث أبي موسى، محمولة عليه.

وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنْهُ قالَ: كان رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي العصْرَ ثمَّ يَرْجعُ أحدُنا إلى رحْلهِ في أقصى المدينة والشّمس حَيّةٌ، وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يؤخّر من العِشاء، وكان يكرهُ النّومَ قَبْلَها، والحديثَ بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ من صلاةِ الْغَدَاةِ حين يَعْرفُ الرَّجُلُ جليسهُ، وكان يقرأ بالسِّتِّين إلى المائَةِ. متفقٌ عليهِ.

(وعن أبي برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء فزاي فهاء، اسمه: نضلة بفتح النون فضاد ساكنة معجمة، ابن عبيد، وقيل: ابن عبد الله، أسلم قديماً، وشهد الفتح، ولم يزل يغزو مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حتى توفي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فنزل البصرة، ثم غزا خراسان، وتوفي بمرو، وقيل: بغيرها سنة ستين (الأسلمي قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي العصر ثم يرجع أحدنا) بعد صلاته (إلى رحله) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة، وهو مسكنه (في أقصى المدينة حال من رحله، وقيل: صفة له (والشمس حيةٌ) أي يصل إلى رحله حال كون الشمس حية: أي بيضاء قوية الأثر حرارة ولوناً وإنارة.

(وكان يَسْتَحب أن يؤخر من العشاء) لم يبين إلى متى، وكأنه يريد مطلق التأخير، وقد بينه غيره من الأحاديث (وكان يكره النوم قبلها) لئلا يستغرق النائم فيه حتى يخرج اختيار وقتها (والحديث) التحادث مع الناس (بعدها) ، فينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة، فتكون خاتمة عمله، ولئلا يشتغل بالحديث عن قيام اخر الليل، إلا أنه قد ثبت: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يسمر مع أبي بكر في أمر المسلمين.

(وكان يَنْفَتِل) بالفاء فمثناة بعدها فوقية مكسورة أي: يلتفت إلى من خلفه، أو ينصرف (من صلاة الغداة) الفجر (حين يعرفُ الرجُلُ جليسهُ) أي بضوء الفجر، لأنه كان مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ليس فيه مصابيح، وهو يدل على أنه كان يدخل فيها والرجل لا يعرف جليسه، وهو دليل التبكير بها (وكانَ يقرأ بالستين إلى المائة) يريد: أنه إذا اختصر قرأ بالستين في صلاته في الفجر، وإذا طول فإلى المائة من الايات (متفق عليه).

فيه ذكر وقت صلاة العصر والعشاء، والفجر من دون تحديد للأوقات، وقد سبق في الذي مضى ما هو أصرح وأشمل.

وعندهُما مِنْ حديث جابرٍ: والعشاء أحْياناً يُقدمُها، وأحْياناً يؤخِّرُها: إذا راهُمُ اجْتَمَعوا عَجّل، وإذا راهم أبطأوا أخّر، والصُّبحُ: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلِّيها بِغَلَسٍ.

(وعندهما) أي: الشيخين المدلول عليهما بقوله: متفق عليه (من حديث جابر: والعشاء أحياناً يقدمها) أول وقتها “وأحياناً يؤخرها) عنه، كما فصله قوله (إذا راهُمْ) أي: الصحابة (اجتمعوا) في أول وقتها (عَجّلَ) رفقاً بهم (وإذا راهم أبطأوا) عن أوله (أخّرَ) مراعاة لما هو الأرفق بهم، وقد ثبت عنه: “أنه لولا خوف المشقة عليهم لأخرهم (والصُّبحُ كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصليها بغلس) الغلس محركة: ظلمة اخر الليل، كما في القاموس، وهو أول الفجر، ويأتي ما يعارضه: في حديث رافع بن خديج.

ولمسلمٍ مِنْ حديث أبي مُوسى: فأقامَ الفَجْرَ حين انشقَّ الفجْرُ، والنّاس لا يكادُ يعرفُ بعضُهُمْ بعْضاً.

(ولمسلم) وحده (من حديث أبي موسى: فأقام الفجر حين انشق الفجرُ والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً) وهو كما أفاده الحديث الأول.

وعنْ رافعِ بن خديج رضي الله عنه قالَ: كُنّا نُصَلي المغْربَ معَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيَنْصرفُ أحدُنا وإنه لَيُبصرُ مَوَاقعَ نَبْلِهِ. متفق عليه.

(وعن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، فمثناة تحتية فجيم، ورافع هو أبو عبد الله، ويقال: أبو خديج الخزرجي الأنصاري الأوسي من أهل المدينة. تأخر عن بدر لصغر سنه، وشهد أحداً وما بعدها، أصابه سهم يوم أحد، فقال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أنا أشهد لك يوم القيامة”، وعاش إلى زمان عبد الملك بن مروان، ثم انتقضت جراحته فمات سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، وله ست وثمانون سنة، وقيل: زمن يزيد بن معاوية (قال: كُنّا نصلي المغرب مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فينصرف أحدنا وإنه ليبْصرُ مواقع نَبْله) بفتح النون وسكون الموحدة، وهي: السهام العربية، لا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها نبلة كتمر وتمرة (متفق عليه).

والحديث فيه دليل على المبادرة بصلاة المغرب، بحيث ينصرف منها والضوء باق، وقد كثر الحث على المسارعة بها.

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: أعْتَمَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذاتَ ليْلَةٍ بالعشاء، حتى ذَهَب عامّةُ اللَّيْلِ، ثم خَرَجَ فصَلى، وقالَ: “إنهُ لَوَقْتُها لولا أن أشقَّ على أمّتي” رواه مسلمٌ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة فمثناة فوقية مفتوحة، يقال: أعتم إذا دخل في العتمة، والعتمة محركة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، كما في القاموس (رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذات ليلة بالعشاء) أي أخر صلاتها (حتى ذهب عامة الليل) كثير منه، لا أكثره (ثم خرج فصلى، وقال: إنّهُ لوَقْتها) أي: المختار والأفضل (لولا أن أشُقَّ على أُمَّتي) أي لأخرتها إليه (رواه مسلم).

وهو دليل على أن وقت العشاء ممتد، وأن آخره أفضله، وأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يراعي الأخف على الأمة، وأنه ترك الأفضل وقتاً. وهي بخلاف المغرب. فأفضله أوله، وكذلك غيره إلا الظهر أيام الحر، كما يفيد قوله.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا اشْتَدّ الحرُّ فأبْردوا بالصّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم”، متّفقٌ عليه.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا اشتد الحر فأبردوا) بهمزة مفتوحة مقطوعة وكسر الراء (بالصلاة) أي: صلاة الظهر (فإن شدة الحر من فَيْح جهنّم) بفتح الفاء وسكون المثناة التحتية فحاء مهملة، أي: سعة انتشارها وتنفسها (متفق عليه). يقال: أبرد إذا دخل في وقت البرد، كأظهر إذا دخل في الظهر، كما يقال أنجد وأتهم إذا بلغ نجداً وتهامة، ذلك في الزمان، وهذا في المكان.

والحديث دليل على وجوب الإبراد بالظهر عند شدة الحر؛ لأنه الأصل في الأمر، وقيل: إنه للاستحباب، وإليه ذهب الجمهور، وظاهره عام للمنفرد، والجماعة، والبلد الحار، وغيره، وفيه أقوال غير هذه. وقيل: الإبراد سنة، والتعجيل أفضل؛ لعموم أدلة فضيلة الوقت. وأجيب: بأنها عامة مخصوصة، بأحاديث الإبراد.

وعورض حديث الإبراد: بحديث خباب “شكونا إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا” أي: لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم.

وأجيب عنه بأجوبة: أحسنها: أن الذي شكوه شدة الرمضاء في الأكف والجباه، وهذه لا تذهب عن الأرض إلا اخر الوقت، أو بعد اخره، ولذا قال لهم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا الصلاة لوقتها” كما هو ثابت في رواية خباب هذه بلفظ: “فلم يشكنا. وقال: صلوا الصلاة لوقتها” رواها ابن المنذر؛ فإنه دال على أنهم طلبوا تأخيراً زائداً عن وقت الإبراد، فلا يعارض حديث الأمر بالإبراد.

وتعليل الإبراد بأن شدة الحر من فيح جهنم: يعني: وعند شدته يذهب الخشوع الذي هو روح الصلاة وأعظم المطلوب منها. قيل: وإذا كان العلة ذلك، فلا يشرع الإبراد في البلاد الباردة، وقال ابن العربي في القبس: “ليس في الإبراد تحديد، إلا ما ورد في حديث ابن مسعود: يعني الذي أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق الأسود عنه: “كان قدر صلاة رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الظهر في الصيف ثلاثة أقدام، إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام، إلى سبعة أقدام” ذكره المصنف في التلخيص، وقد بينا ما فيه، وأنه لا يتم به الاستدلال في المواقيت، وقد عرفت أن حديث الإبراد يخصص فضيلة صلاة الظهر في أول وقتها بزمان شدة الحر كما قيل: إنه مخصص بالفجر.

وعن رافِع بن خديج رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فإنّه أعظمُ لأجوركم” رواهُ الخمسة. وصححهُ التِّرمذي وابنُ حِبّانَ.

(وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أصبحوا بالصُّبح) وفي رواية: “أسفروا” (فإنه أعْظم لأجوركم”. رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان) ، وهذا لفظ أبي داود.

وبه احتجت الحنفية على تأخير الفجر إلى الإسفار. وأجيب عنه: بأن استمرار صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بغلس، وبما أخرج أبو داود من حديث أنس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أسفر بالصبح مرة، ثم كانت صلاته بعد بغلس، حتى مات”، يشعر بأن المراد: بأصبحوا غير ظاهره، فقيل: المراد به تحقق طلوع الفجر، وأن أعظم ليس للتفضيل، وقيل: المراد به إطالة القراءة في صلاة الصبح، حتى يخرج منها مسفراً. وقيل: المراد به الليالي المقمرة؛ فإنه لا يتضح أول الفجر معها؛ لغلبة نور القمر لنوره، أو أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فعله مرة واحدة لعذر، ثم استمر على خلافه، كما يفيده حديث أنس.

وأما الرد على حديث الإسفار بحديث عائشة عند ابن أبي شيبة، وغيره بلفظ: “ما صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الصلاة لوقتها الآخر، حتى قبضه الله” فليس بتام؛ لأن الإسفار ليس اخره وقت صلاة الفجر، بل اخر ما يفيده.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “مَنْ أَدرك من الصبح ركْعةً قَبْل أن تَطْلُعَ الشّمْسُ فقدْ أدرَك الصُّبْحَ، ومن أدرَكَ رَكْعةً من العصرِ قَبْلَ أن تَغْرُب الشمسُ فَقَدْ أدركَ الْعصْر” متفق عليه.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “من أدركَ من الصُّبح ركعة قبل أن تطلع الشمس) أي: وأضاف إليها أخرى بعد طلوعها، (فقد أدرك الصُّبح) ضرورة أنه ليس المراد: من صلى ركعة فقد. والمراد فقط أدرك صلاته أداء؛ لوقوع ركعة في الوقت (ومن أدرك ركعة من العصر”) ففعلها (قبلَ أنْ تغْرُب الشمس فقد أدرك العصر) ، وإن فعل الثلاث بعد الغروب (متفق عليه).

وإنما حملنا الحديث على ما ذكرناه من أن المراد: الإتيان بالركعة بعد الطلوع، وبالثلاث بعد الغروب؛ للإجماع على أنه ليس المراد: من أتى بركعة فقط من الصلاتين صار مدركاً لهما. وقد ورد في الفجر صريحاً في رواية البيهقي بلفظ: “من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة”، وفي رواية: “من أدرك في الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فليصل إليها أخرى”، وفي العصر من حديث أبي هريرة بلفظ: “من صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروبها لم يفته العصر”، والمراد من الركعة: الإتيان بواجباتها من الفاتحة واستكمال الركوع والسجود.

وظاهر الأحاديث أن الكل أداء، وأن الإتيان ببعضها قبل خروج الوقت ينسحب حكمه على ما بعد خروجه فضلاً من الله. ثم مفهوم ما ذكر: أنه من أدرك دون ركعة، لا يكون مدركاً للصلاة، إلا أن قوله:

ولمُسْلمٍ عن عائشةَ رضي الله عنهَا نَحْوَهُ، وقالَ “سَجْدةً” بدَلَ “رَكْعَةً”. ثمَّ قالَ: والسّجدة إنّما هي الرَّكْعةُ”

(ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وقال: سجدةً بدل ركعةً) فإنه ظاهر: أن من أدرك سجدة صار مدركاً للصلاة، إلا أن قوله: (ثم قال) أي الراوي، ويحتمل أنه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: (والسجْدةُ إنما هي الركعةُ): يدفع أن يراد بالسجدة نفسها، لأن هذا التفسير: إن كان من كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فلا إشكال، وإن كان من كلام الراوي، فهو أعرف بما روى.

وقال الخطابي: المراد بالسجدة: الركعة بسجودها وركوعها، والركعة إنما تكون تامة بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة اهـ، ولو بقيت السجدة على بابها لأفادت: أن من أدرك ركعة بإحدى سجدتيها صار مدركاً، وليس بمراد؛ لورود سائر الأحاديث بلفظ الركعة، فتحمل رواية السجدة عليها، فيبقى مفهوم من أدرك ركعة سالماً عما يعارضه. ويحتمل: أن من أدرك سجدة فقط، صار مدركاً للصلاة، كمن أدرك ركعة، ولا ينافي ذلك ورود من أدرك ركعة: لأن مفهومه غير مراد بدليل: “من أدرك سجدة” ويكون الله تعالى قد تفضل، فجعل من أدرك سجدة مدركاً، كمن أدرك ركعة، ويكون إخباره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإدراك الركعة قبل أن يعلمه الله جعل من أدرك السجدة مدركاً للصلاة، فلا يرد: أنه قد علم أن من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة بطريق الأولى.

وأما قوله: والسجدة إنما هي الركعة، فهو محتمل أنه من كلام الراوي، وليس بحجة، وقولهم تفسير الراوي مقدم: كلام أغلبي، وإلا فحديث: “فربّ مبلغ أوعى من سامع”، وفي لفظ: “أفقه” يدل على أنه يأتي بعد السلف من هو أفقه منهم. ثم ظاهر الحديث: أن من أدرك الركعة من صلاة الفجر، أو العصر: لا تكره الصلاة في حقه عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وإن كانا وقتي كراهة، ولكن في حق المتنفل فقط، وهو الذي أفاده قوله.

وعنْ أبي سعيد الخدريِّ رضي الله تعالى عنهُ قالَ: سمِعْتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “لا صلاةَ بَعْدَ الصُّبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ ولا صلاةَ بعد العصْرِ حتى تغيبَ الشّمسُ” متفق عليه. ولَفظُ مسلم: “لا صلاة بعد صلاة الفجْرِ”.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: لا صلاة) أي نافلة (بعد الصُّبح) أي صلاته، أو زمانه (حتى تطلُع الشّمس ولا صلاة بعد العصر) أي صلاته، أو وقته (حتى تغيب الشمس. متفق عليه. ولفظ مسلم: لا صلاة بعد صلاة الفجْر) فعينت المراد من قوله بعد الفجر، فإنه يحتمل ما ذكرناه، كما ورد في رواية: ــــ “لا صلاة بعد العصر” نسبها ابن الأثير إلى الشيخين، وفي رواية: “لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر” ستأتي فالنفي قد توجه إلى ما بعد فعل صلاة الفجر، وفعل صلاة العصر، ولكنه بعد طلوع الفجر لا صلاة إلا نافلته فقط، وأما بعد دخول العصر فالظاهر إباحة النافلة مطلقاً ما لم يصل العصر، وهذا نفي للصلاة الشرعية، وهو في معنى النهي، والأصل فيه التحريم. فدل على تحريم النفل في هذين الوقتين مطلقاً.

والقول: بأن ذات السبب تجوز، كتحية المسجد مثلاً، وما لا سبب لها لا تجوز، قد بينا أنه لا دليل عليه في حواشي شرح العمدة: وأما صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ركعتين بعد صلاة العصر في منزله، كما أخرجه البخاري من حديث عائشة: “ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط”: وفي لفظ: “لم يكن يدعهما سراً ولا علانية”. فقد أجيب عنه: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاهما قضاء لنافلة الظهر لما فاتته، ثم استمر عليهما، لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته، فدل على جواز قضاء الفائتة في وقت الكراهة، وبأنه من خصائصه جواز النفل في ذلك الوقت، كما دل له حديث أبي داود عن عائشة: “أنه كان يصلي بعد العصر، وينهي عنها، وكان يواصل، وينهي عن الوصال”.

وقد ذهب طائفة من العلماء: إلى أنه لا كراهة للنفل بعد صلاتي الفجر والعصر؛ لصلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم هذه بعد العصر، ولتقريره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لمن راه يصلي بعد صلاة الفجر نافلة الفجر، ولكنه يقال: هذان دليلان على جواز قضاء النافلة في وقت الكراهة، لا أنهما دليلان على أنه لا يكره النفل مطلقاً؛ إذ الأخص لا يدل على رفع الأعم، بل يخصصه، وهو من تخصيص الأقوال بالأفعال، على أنه يأتي النص على أن من فاتته نافلة الظهر، فلا يقضيها بعد العصر، ولأنه لو تعارض القول، والفعل، كان القول مقدماً عليه. فالصواب أن هذين الوقتين يحرم فيهما إذن النوافل، كما تحرم في الأوقات الثلاثة التي أفادها.

ولهُ عن عُقْبَةَ بن عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَنْهانا أن نُصلي فيهنَّ، وأن نقبر فيهن مَوْتانا: “حين تطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظّهيرةِ حتى تَزولَ الشمسُ، وحينَ تَتَضَيّفُ الشمسُ للغُروبِ”.

(وله) أي لمسلم (عن عقبة) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة مفتوحة (ابن عامر) هو أبو حماد، أو أبو عامر، عقبة بن عامر الجهني. كان عاملاً لمعاوية على مصر، وتوفي بها سنة ثمان وخمسين، وذكر خليفة: أنه قتل يوم النهروان مع علي عليه السلام، وغلطه ابن عبد البر.

(ثلاث ساعات كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نَقْبرَ) بضم الباء وكسرها (فيهنَّ موتانا: حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترفع) بين قدر ارتفاعها الذي عنده تزول الكراهة: حديث عمرو بن عبسة بلفظ: “وترتفع قيس رمح أو رمحين” وقيس بكسر القاف وسكون المثناة التحتية فسين مهملة: أي قدر، أخرجه أبو داود، والنسائي (وحين يقوم قائم الظّهيرة) في حديث ابن عبسة: “حتى يعدل الرمح ظله” (حتى تزول الشمس) أي تميل عن كبد السماء (وحين تتضيفُ) بفتح المثناة الفوقية فمثناة بعدها وفتح الضاد المعجمة وتشديد الياء وفاء: أي تميل (الشمس للغروب).

فهذه ثلاثة أوقات، إن انضافت إلى الأولين كانت خمسة، إلا أن الثلاثة تختص بكراهة أمرين: دفن الموتى، والصلاة، والوقتان الأولان يختصان بالنهي عن الثاني منهما، وقد ورد تعليل عن هذه الثلاثة في حديث ابن عبسة عند من ذكر: “بأن الشمس عند طلوعها تطلع بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وبأنه عند قيام قائم الظهيرة تسجر جهنم، وتفتح أبوابها، وبأنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها الكفار”: ومعنى قوله: “قائم الظهيرة” قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته: وقفت. والشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة.

والنهي عن هذه الأوقات الثلاثة: عام بلفظه لفرض الصلاة ونفلها. والنهي للتحريم، كما عرفت من أنه أصله. وكذا يحرم قبر الموتى فيها. ولكن فرض الصلاة أخرجه حديث: “من نام عن صلاته” الحديث، وفيه: “فوقتها حين يذكرها”، ففي أي وقت ذكرها، أو استيقظ من نومه أتى بها. وكذا من أدرك ركعة قبل غروب الشمس، وقبل طلوعها لا يحرم عليه، بل يجب عليه أداؤها في ذلك الوقت، فيخص النهي بالنوافل دون الفرائض.

وقيل: بل يعمها بدليل: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما نام في الوادي عن صلاة الفجر، ثم استيقظ لم يأت بالصلاة في ذلك الوقت، بل أخرها إلى أن خرج الوقت المكروه. وأجيب عنه، أولاً: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يستيقظ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس، كما ثبت في الحديث، ولم يوقظهم حرها، إلا وقد ارتفعت وزال وقت الكراهة. وثانياً: بأنه قد بين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تأخير أدائها عند الاستيقاظ: بأنهم في واد حضر فيه الشيطان، فخرج صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عنه وصلى في غيره، وهذا التعليل يشعر بأنه ليس التأخير لأجل وقت الكراهة: لو سلم أنهم استيقظوا ولم يكن قد خرج الوقت.

فتحصل من الأحاديث: أنها تحرم النوافل في الأوقات الخمسة، وأنه يجوز أن تقضي النوافل بعد صلاة الفجر، وصلاة العصر. أما صلاة العصر؛ فلما سلف من صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قاضياً لنافلة الظهر بعد العصر، إن لم نقل: إنه خاص به. وأما صلاة الفجر؛ فلتقريره لمن صلى نافلة الفجر بعد صلاته، وأنها تصلى الفرائض في أي الأوقات الخمسة لنائم، وناسٍ، ومؤخر عمداً، وإن كان اثماً بالتأخير. والصلاة أداء في الكل، ما لم يخرج وقت العامد، فهي قضاء في حقه. ويدل على تخصيص وقت الزوال يوم الجمعة من هذه الأوقات بجواز النفل فيه: الحديث الاتي. وهو قوله:

والْحُكمُ الثاني عِنْدَ الشافعي من حديثِ أبي هُريرة بسنَدٍ ضعيفٍ. وزادَ “إلَّا يومَ الجمعةِ”.

(والحكم الثاني) وهو النهي عن الصلاة وقت الزوال، والحكم الأول النهي عنها عند طلوع الشمس، إلا أنه تسامح المصنف في تسميته حكماً، فإن الحكم في الثلاثة الأوقات واحد، وهو النهي عن الصلاة فيها، وإنما هذا الثاني أحد محلات الحكم، لا أنه حكم ثان. وفسَّر الشارح الحكم الثاني: بالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، كما أفاده حديث أبي سعد، وحديث عقبة، لكن فيه أنه الحكم الأول، لأن الثاني هو النهي عن قبر الأموات، فإنه الثاني في حديث عقبة، وفيه: أنه يلزم أن زيادة استثناء يوم الجمعة يعم الثلاثة الأوقات في عدم الكراهة، وليس كذلك اتفاقاً، إنما الخلاف في ساعة الزوال يوم الجمعة (عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وزاد) فيه: (إلا يوم الجمعة).

والحديث المشار إليه أخرجه البيهقي في المعرفة: من حديث عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة”، وقال: إنما كان ضعيفاً؛ لأن فيه إبراهيم بن يحيى، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهما ضعيفان، ولكنه يشهد له قوله.

وكذا لأبي داودَ عنْ أبي قَتادَةَ نَحْوُهُ.

(وكذا لأبي داود عن أبي قتادة نحوه).

ولفظه: “وكره النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة”. قال أبو داود: “إنه مرسل، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. إلا أنه أيده فعل أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. ولأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حث على التبكير إليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص، ولا استثناء.

ثم أحاديث النهي عامة لكل محل يصلي فيه، إلا أنه خصها بغير مكة قوله:

وعن جُبير بن مُطْعمٍ قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يا بَني عَبْدِ منافٍ، لا تَمْنعُوا أحداً طافَ بهذا البَيْتِ وصلَّى أيّةَ ساعةٍ شاءَ من لَيْلٍ أو نهارٍ” رواهُ الخمسةُ. وصححهُ الترمذي وابن حبّان.

(وعن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية فراء (ابن مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة، وهو أبو محمد: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل: القرشي النوفلي، كنيته أبو أمية. أسلم قبل الفتح، ونزل المدينة، ومات بها سنة أربع، أو سبع، أو تسع وخمسين. وكان جبير عالماً بأنساب قريش، قيل: إنه أخذ ذلك من أبي بكر.

(قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طافَ بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار” رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان) ، وأخرجه الشافعي، وأحمد، والدارقطني، وابن خزيمة، والحاكم من حديث جبير أيضاً. وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس. وأخرجه غيرهم. وهو دال على أنه لا يكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه، في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، وقد عارض ما سلف.

فالجمهور: عملوا بأحاديث النهي؛ ترجيحاً لجانب الكراهة، ولأن أحاديث النهي ثابتة في الصحيحين، وغيرهما، وهي أرجح من غيرها. وذهب الشافعي وغيره: إلى العمل بهذا الحديث، قالوا: لأن أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة والمنوم عنها، والنافلة التي تقضى، فضعفوا جانب عمومها، فتخصص أيضاً بهذا الحديث. ولا تكره النافلة بمكة في أي ساعة من الساعات.

وليس هذا خاصاً بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة لرواية ابن حبان في صحيحه: “يا بني عبد المطلب: إن كان لكم من الأمر شيء، فلا أعرفن أحداً منكم يمنع من يصلي عند البيت، أي ساعة شاء من ليل أو نهار”. قال في النجم الوهاج: وإذا قلنا: بجواز النفل، يعني في المسجد الحرام في أوقات الكراهة، فهل يختص ذلك بالمسجد الحرام، أو يجوز في جميع بيوت حرم مكة؟ فيه وجهان، والصواب: أنه يعم جميع الحرم.

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهُما أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “الشّفقُ الحمْرةُ”، رواهُ الدارقطنيُّ، وصححهُ ابنُ خُزيمةَ، وغيرُهُ وقَفَهُ على ابن عُمَرَ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “الشفقُ الحُمْرَةُ” رواه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة. وغيره وقفه على ابن عمر).

وتمام الحديث: “فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة”، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر مرفوعاً: “ووقت صلاة المغرب: إلى أن تذهب حمرة الشفق”، وقال البيهقي: روى هذا الحديث عن علي، وعمر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، ولا يصح منها شيء: قلت: البحث لعوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة وقح الغرب، فكلامه حجة وإن كان موقوفاً عليه. وفي القاموس: الشفق محركة: الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلى قريبها، أو إلى قريب العتمة اهـ.

والشافعي يرى. أن وقت المغرب عقيب غروب الشمس بما يتسع لخمس ركعات، ومضى قدر الطهارة، وستر العورة، وأذان، وإقامة، لا غير، وحجته حديث جبريل: أنه صلى به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المغرب في اليومين معاً؛ في وقت واحد عقيب غروب الشمس. قال: فلو كان للمغرب وقت ممتد لأخره إليه، كما أخر الظهر إلى مصير ظل الشيء مثله في اليوم الثاني. وأجيب عنه: بأن حديث جبريل متقدم في أول فرض الصلاة بمكة اتفاقاً، وأحاديث: أن اخر وقت المغرب الشفق: متأخرة واقعة في المدينة أقوالاً وأفعالاً، فالحكم لها، وبأنها أصح إسناداً من حديث توقيت جبريل، فهي مقدمة عند التعارض.

وأما الجواب بأنها أقوال وخبر جبريل فعل فغير ناهض، فإن خبر جبريل فعل وقول، فإنه قال له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد أن صلى به الأوقات الخمسة: “ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك” نعم، لا بينية بين المغرب والعشاء على صلاة جبريل، فيتم الجواب: بأنه فعل بالنظر إلى وقت المغرب، والأقوال مقدمة على الأفعال عند التعارض على الأصح. وأما هنا، فما ثم تعارض، إنما الأقوال أفادت زيادة في الوقت للمغرب، من الله بها. قلت: لا يخفى أنه كان الأولى تقديم هذا الحديث في أول باب الأوقات عقب أول حديث فيه، وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

واعلم أن هذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وقوله القديم: إن لها وقتين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وصححه أئمة من أصحابه، كابن خزيمة، والخطابي، والبيهقي، وغيرهم. وقد ساق النووي في شرح المهذب الأدلة على امتداده إلى الشفق، فإذا عرفت الأحاديث الصحيحة تعين القول به جزماً؛ لأن الشافعي نص عليه في القديم، وعلق القول به في الإملاء على ثبوته، وقد ثبت الحديث، بالأحاديث.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “الفَجْرُ فَجْرَان: فَجْرٌ يحرِّمُ الطّعامَ وتحلُّ فيه الصَّلاةُ، وفَجْر تحْرمُ فيه الصَّلاةُ ــــ أي صلاةُ الصُّبحِ ــــ ويحلُّ فيه الطَّعامُ” رواهُ ابنُ خُزَيمَةَ والحاكِمُ وصَحّحاه.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: الفَجْرُ) أي لغة (فَجْران: فَجْرٌ يحرِّمُ الطّعام) يريد على الصائم (وتحلُّ فيه الصَّلاةُ) أي يدخل وقت وجوب صلاة الفجر (وفجرٌ تحرَمُ فيه الصلاةُ ــــ أي صلاة الصبح) ، فسره بها؛ لئلا يتوهم أنها تحرم فيه مطلق الصلاة، والتفسير يحتمل أنه منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو الأصل، ويحتمل أنه من الراوي (ويحلُّ فيه الطعام. رواه ابن خزيمة، والحاكم، وصححاه). لما كان الفجر لغة مشتركاً بين الوقتين، وقد أطلق في بعض أحاديث الأوقات: أن أول صلاة الصبح الفجر، بين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المراد به، وأنه: الذي له علامة ظاهرة واضحة؛ وهي التي أفاده قوله:

وللحاكم من حديث جابرٍ نَحْوُهُ، وزاد في الذي يُحرِّمُ الطّعام: “أنه يذهبُ مستطيلاً في الأفُق”. وفي الاخر: “إنّه كَذَنَبِ السِّرْحَانِ”.

(وللحاكم من حديث جابر: نحوه) نحو حديث ابن عباس ولفظه في المستدرك: “الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان، فلا يحل الصلاة، ويحل الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلاً في الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام”، وقد عرفت معنى قول المصنف: (وزاد في الذي يحرم الطعام أنه يذهب مستطيلاً) أي ممتداً (في الأفق) وفي رواية للبخاري: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مد يده عن يمينه ويساره”، (وفي الآخر) وهو الذي لا تحل فيه الصلاة ولا يحرم فيه الطعام: أي وقال في الاخر: (إنه) في صفته (كذنب السرحان) بكسر السين المهملة وسكون الراء فحاء مهملة وهو الذئب: والمراد أنه لا يذهب مستطيلاً ممتداً، بل يرتفع في السماء كالعمود، وبينهما ساعة، فإنه يظهر الأول، وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهوراً بيناً.

فهذا فيه بيان وقت الفجر: وهو أول وقته، واخره ما يتسع لركعة، كما عرفتَ. ولما كان لكل وقت أول واخر، بين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الأفضل منهما في الحديث الآتي وهو:

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أفضلُ الأعْمال الصَّلاةُ في أوَّل وقْتها” رواهُ الترمذي، والحاكم، وصحّحاه، وأصْلُهُ في الصَّحيحين.

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أفضلُ الأعْمال الصَّلاةُ في أوَّل وقْتها” رواهُ الترمذي، والحاكم، وصحّحاه، وأصْلُهُ في الصَّحيحين.

أخرجه البخاري عن ابن مسعود بلفظ: “سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أيُّ العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة لوقتها” وليس فيه لفظ أول.

فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول وقتها، على كل عمل من الأعمال، كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام. وقد عورض بحديث: “أفضل الأعمال إيمان بالله”، ولا يخفى أنه معلوم: أن المراد من الأعمال في حديث ابن مسعود: ما عدا الإيمان، فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال أهل الإيمان. فمراده: غير الإيمان، قال ابن دقيق العيد: الأعمال هنا. أي في حديث ابن مسعود محمولة على البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب، فلا تعارض حديث أبي هريرة: “أفضل الأعمال: الإيمان بالله عز وجل”.

ولكنها قد وردت أحاديث أخر في أنواع من أعمال البر، بأنها أفضل الأعمال، فهي التي تعارض حديث الباب ظاهراً. وقد أجيب: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أخبر كل مخاطب بما هو أليق به، وهو به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر. فالشجاع أفضل الأعمال في حقه: الجهاد؛ فإنه أفضل من تخليه للعبادة. والغني أفضل الأعمال في حقه: الصدقة، وغير ذلك، أو أن كلمة “من” مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة “أفضل” لم يرد بها الزيادة، بل الفضل المطلق. وعورض تفضيل الصلاة في أول وقتها، على ما كان منها في غيره بحديث العشاء؛ فإنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لولا أن أشق على أمتي لأخرتها” يعني: إلى النصف، أو قريب منه. وبحديث الإصباح، أو الإسفار بالفجر، وبأحاديث الإبراد بالظهر. والجواب: أن ذلك تخصيص لعموم أول الوقت، ولا معارضة بين عام وخاص.

وأما القول: بأن ذكر أول وقتها تفرد به علي بن حفص من بين أصحاب شعبة، وأنهم كلهم رووه بلفظ: “على وقتها” من دون ذكر أول. فقد أجيب عنه من حيث الرواية: بأن تفرده لا يضر؛ فإنه شيخ صدوق من رجال مسلم؛ ثم قد صحح هذه الرواية الترمذي، والحاكم، وأخرجها ابن خزيمة في صحيحه؛ ومن حيث الدراية أن رواية لفظ: على وقتها تفيد: معنى لفظ: أول؛ لأن كلمة “على” تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، ورواية: لوقتها باللام تفيد ذلك؛ لأن المراد استقبال وقتها؛ ومعلوم ضرورة شرعية: أنها لا تصح قبل دخوله، فتعين أن المراد لاستقبالكم الأكثر من وقتها، وذلك بالإتيان بها أول وقتها، ولقوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} ، ولأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان دأبه دائماً الإتيان بالصلاة في أول وقتها؛ ولا يفعل إلا الأفضل. إلا لما ذكرناه كالإسفار، ونحوه كالعشاء. ولحديث علي عند أبي داود: “ثلاث لا تؤخر، ثم ذكر منها الصلاة إذا حضر وقتها” والمراد: أن ذلك الأفضل، وإلا فإن تأخيرها بعد حضور وقتها جائز، ويدل له أيضاً قوله.

وعن أبي محْذورةَ أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “أوَّلُ الوَقتِ رضوان الله، وأَوْسَطُهُ رحْمَةُ الله، واخرُهُ عَفْوُ الله” أخْرَجهُ الدَّارقُطْني بسندٍ ضعيف جداً.

(وعن أبي محذورة) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الذال المعجمة بعد الواو راء. واختلفوا في اسمه على أقوال: أصحها أنه سمرة بن معين بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية، وقال ابن عبد البر: إنه اتفق العالمون بطريق أنساب قريش: أن اسم أبي محذورة: أوس، وأبو محذورة مؤذن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. أسلم عام الفتح، وأقام بمكة إلى أن مات وهو يؤذن بها للصلاة، مات سنة تسع وخمسين.

(أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: أول الوقت) أي للصلاة المفروضة (رضوان الله) أي: يحصل بأدائها فيه رضوان الله تعالى عن فاعلها. (وأوسطه رحمة الله) أي يحصل لفاعل الصلاة في رحمته، ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ (واخره عفو الله) ولا عفو إلا عن ذنب (أخرجه الدارقطني بسند ضعيف) ؛ لأنه من رواية يعقوب بن الوليد المدني. قال أحمد: كان من الكذابين الكبار، وكذبه ابن معين، وتركه النسائي، ونسبه ابن حبان إلى الوضع، كذا في حواشي القاضي. وفي الشرح: أن في إسناده: إبراهيم بن زكريا البجلي، وهو متهم، ولذا قال المصنف (جداً) مؤكداً لضعفه، وقدمنا إعراب جداً، ولا يقال: إنه يشهد له قوله.

وللترمذي من حديثِ ابن عُمرَ نَحْوُهُ، دون الأوْسَطِ، وَهُو ضعيفٌ أيضاً.

(وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه) في ذكر أول الوقت واخره (دون الأوسط وهو ضعيف أيضاً) ؛ لأن فيه يعقوب بن الوليد أيضاً، وفيه ما سمعت، وإنما قلنا لا يصح شاهداً؛ لأن الشاهد والمشهود له فيهما، من قال الأئمة فيه: إنه كذاب، فكيف يكون شاهداً ومشهوداً له؟ وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأنس، وكلها ضعيفة. وفيه عن علي عليه السلام: من رواية موسى بن محمد عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. قال البيهقي: إسناده فيما أظن أصح ما روي في هذا الباب، مع أنه معلول، فإن المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفاً. قال الحاكم. لا أعرف فيه حديثاً، يصح عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الرواية فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفاً.

قلت: إذا صح هذا الموقوف، فله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال في الفضائل بالرأي، وفيه احتمال. ولكن هذه الأحاديث، وإن لم تصح، فالمحافظة منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الصلاة أول الوقت: دالة على أفضليته، وغير ذلك من الشواهد التي قدمناها.

وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “لا صلاةَ بعْدَ الفجر إلا سجْدتَيْنِ، أخرجه الخمْسَةُ إلا النسائيَّ وفي رواية عبد الرزاق: “لا صلاة بعْدَ طلوع الفجْر إلا ركعتي الفَجْرِ”.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: ــــ أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: لا صلاةَ بعد الفَجْر إلا سجدتين) أي ركعتي الفجر، كما يفسره ما بعده (أخرجه الخمسة إلا النسائي) وأخرجه أحمد، والدارقطني، قال الترمذي: غريب، لا يعرف، إلا من حديث قدامة بن موسى.

والحديث: دليل على تحريم النافلة بعد طلوع الفجر قبل صلاته، إلا سنة الفجر. وذلك أنه، وإن كان لفظه نفياً، فهو في معنى النهي، وأصل النهي التحريم. قال الترمذي: أجمع أهل العلم على كراهة أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر. قال المصنف: دعوى الترمذي الإجماع عجيب. فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر، وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس بها، وكان مالك يرى: أن يفعل من فاتته الصلاة في الليل. والمراد ببعد الفجر: بعد طلوعه كما دل له قوله: (وفي رواية عبد الرزاق) أي عن ابن عمر: (لا صلاة بعد طلوع الفجْر إلا ركعتي الفَجْر) ، وكما يدل له قوله.

ومثلُهُ للدَّارقطني عن عَمْرو بن العاص، رضي الله عنهُ.

ومثلُهُ للدَّارقطني عن عَمْرو بن العاص، رضي الله عنهُ.

فإنهما فسرا المراد ببعد الفجر، وهذا وقت سادس من الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، وقد عرفت الخمسة الأوقات مما مضى، إلا أنه قد عارض النهي عن الصلاة بعد العصر الذي هو أحد الستة الأوقات:

وعن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها قالتْ: صلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الْعَصْرَ. ثمَّ دَخَلَ بيْتي، فصلَّى ركْعتين. فسأَلْتُهُ، فقالَ: “شُغِلْتُ عن ركعتين بعدَ الظُّهْرِ فصَلّيْتُهُمَا الان”، فقلتُ: أَفَنَقضيهما إذا فاتتا؟ قال: “لا” أخرجهُ أحمدُ.

(وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين فسألته) في سؤالها: ما يدل على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يصلهما قبل ذلك عندها، أو أنها قد كانت علمت بالنهي، فاستنكرت مخالفة الفعل له (فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر) قد بين الشاغل له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أنه أتاه ناس من عبد القيس”، وفي رواية عن ابن عباس عند الترمذي: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتاه ما شغله عن الركعتين بعد الظهر” (فصَلّيْتُهما الان) أي: قضاء عن ذلك، وقد فهمت أم سلمة أنهما قضاء، فلذا قالت: (قلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟) أي كما قضيتهما في هذا الوقت (قال: لا) أي لا تقضوهما في هذا الوقت، بقرينة السياق، وإن كان النفي غير مقيد (أخرجه أحمد) إلا أنه سكت عليه المصنف هنا. وقال بعد سياقه له في فتح الباري: إنها رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولم يبين هنالك وجه ضعفها، وما كان يحسن منه أن يسكت هنا عما قيل فيه.

والحديث: دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وقد دل على هذا حديث عائشة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال” أخرجه أبو داود، ولكن قال البيهقي: الذي اختص به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: المداومة على الركعتين بعد العصر، لا أصل القضاء اهـ. ولا يخفى أن حديث أم سلمة المذكور: يرد هذا القول، ويدل على أن القضاء خاص به أيضاً، وهذا الذي أخرجه أبو داود، هو الذي أشار إليه المصنف بقوله:

ولأبي داود عنْ عائشةَ رضي الله تعالى عَنْها بمعناهُ.

و (لأبي داود عنْ عائشةَ رضي الله عنهاا بمعناه).

تقدم الكلام فيه.

باب الأذان

الأذان لغة: الإعلام، قال الله تعالى: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. وشرعاً: الإعلام بوقت الصلاة: بألفاظ مخصوصة، وكان فرضه بالمدينة في السنة الأولى من الهجرة، ووردت أحاديث تدل على أنه شرع بمكة. والصحيح الأول.

عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه قال: طافَ بي ــــ وأنا نائمٌ ــــ رجلٌ فقالَ: تقولُ: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان ــــ بتربيع التكبير بغير ترجيع، والإقامة فُرَادَى، إلا قد قامت الصَّلاةُ ــــ قال: فلَمّا أصْبَحْتُ أتيتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقالَ: “إنّها لَرُؤيا حقَ ــــ الحديثَ” أخرجهُ أحمد وأبو داود. وصحّحهُ التِّرْمذي وابنُ خُزيمْةَ.

(عن عبد الله بن زيد) هو أبو محمد عبد الله بن زيد (بن عبد ربه) الأنصاري الخزرجي. شهد عبد الله العقبة، وبدراً، والمشاهد بعدها، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. (قال: طاف بي وأنا نائم رجل).

وللحديث سبب، هو ما في الروايات: أنه “لما كثر الناس، ذكروا: أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يجمعهم لها، فقالوا: لو اتخذنا ناقوساً؟ فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ذلك للنصارى، فقالوا: لو اتخذنا بوقاً؟ قال: ذلك لليهود، فقالوا: لو رفعنا ناراً؟ قال: ذلك للمجوس، فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقال: طاف بي” الحديث؛ وفي سنن أبي داود: “فطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى” (فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان) أي إلى اخره (بتربيع التكبير) تكريره أربعاً، ويأتي ما عاضده، وما عارضه (بغير ترجيع) أي في الشهادتين. قال في شرح مسلم: هو العود إلى الشهادتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، ويأتي قريباً (والإقامة فرادى) لا تكرير في شيء من ألفاظها (إلا قد قامت الصلاة) فإنها تكرر (قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: إنها لرؤيا حق. الحديث. أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه الترمذي، وابن خزيمة).

الحديث دليل على مشروعية الأذان للصلاة، دعاء للغائبين ليحضروا إليها، ولذا اهتم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في النظر في أمر يجمعهم للصلاة، وهو إعلام بدخول وقتها أيضاً، واختلف العلماء في وجوبه، ولا شك أنه من شعار أهل الإسلام، ومن محاسن ما شرعه الله. وأما وجوبه، فالأدلة فيه محتملة، وتأتي. وكمية ألفاظه قد اختلف فيها.

وهذا الحديث دل على أنه يكبر في أوله أربع مرات، وقد اختلفت الرواية، فوردت بالتثنية في حديث أبي محذورة في بعض رواياته، وفي بعضها بالتربيع أيضاً. فذهب الأكثر: إن العمل بالتربيع؛ لشهرة روايته؛ ولأنها زيادة عدل، فهي مقبولة، ودل الحديث على عدم مشروعية الترجيع، وقد اختلف في ذلك، فمن قال: إنه غير مشروع عمل بهذه الرواية؛ ومن قال: إنه مشروع: عمل بحديث أبي محذورة وسيأتي.

ودل على أن الإقامة تفرد ألفاظها، إلا لفظ الإقامة فإنه يكررها. وظاهر الحديث أنه يفرد التكبير في أولها، ولكن الجمهور على أن التكبير في أولها يكرر مرتين، قالوا: ولكنه بالنظر إلى تكريره في الأذان أربعاً، كأنه غير مكرر فيها، وكذلك يكرر في اخرها، ويكرر لفظ الإقامة، وتفرد بقية الألفاظ. وقد أخرج البخاري حديث: أمر بلال: “أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة” وسيأتي؛ وقد استدل به من قال: الأذان في كل كلماته مثنى مثنى، والإقامة ألفاظها مفردة، إلا قد قامت الصلاة، وقد أجاب أهل التربيع: بأن هذه الرواية صحيحة دالة على ما ذكر، لكن رواية التربيع قد صحت بلا مرية، وهي زيادة من عدل مقبولة، فالقائل بتربيع التكبير أول الأذان قد عمل بالحديثين، ويأتي أن رواية: “يشفع الأذان” لا تدل على عدم التربيع للتكبير. هذا، ولا يخفى أن لفظ: كلمة التوحيد في اخر الأذان، والإقامة مفردة بالاتفاق، فهو خارج عن الحكم بالأمر بشفع الأذان.

قال العلماء: والحكمة في تكرير الأذان وإفراد ألفاظ الإقامة هي: أن الأذان لإعلام الغائبين، فاحتيج إلى التكرير، ولذا يشرع فيه رفع الصوت، وأن يكون على محل مرتفع، بخلاف الإقامة، فإنها لإعلام الحاضرين، فلا حاجة إلى تكرير ألفاظها؛ ولذا شرع فيها خفض الصوت والحدر، وإنما كررت جملة “قد قامت الصلاة” لأنها مقصود الإقامة.

وزادَ أحمد في اخره قِصَّة قولِ بلال في أَذان الفَجْر: الصَّلاةُ خيرٌ من النوم.

(وزاد أحمد في اخره) ظاهره في حديث عبد الله بن زيد: (قصة قول بلال في أذان الفجر: الصَّلاة خيرٌ من النوم) روى الترمذي، وابن ماجه، وأحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: عن بلال قال: قال لي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا تثوبنَّ في شيء من الصلاة، إلا في صلاة الفجر”. إلا أن فيه ضعيفاً، وفيه انقطاع أيضاً. وكان على المصنف أن يذكر ذلك على عادته، ويقال: التثويب: مرتين كما في سنن أبي داود، وليس “الصلاة خير من النوم” في حديث عبد الله بن زيد، كما ربما توهمه عبارة المصنف حيث قال في اخره، وإنما يريد أن أحمد ساق رواية عبد الله بن زيد، ثم وصل بها رواية بلال.

ولابن خُزيمةَ عنْ أَنس رضي الله عنْهُ قال: منَ السُّنّة إذا قالَ المؤذِّنُ في الفَجْر: حيَّ على الفلاحِ، قالَ: الصَّلاةُ خيرٌ من النّوْم.

(ولابن خزيمة عن أنس رضي الله عنه قالَ: من السنة) أي طريقة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (إذا قال المؤذن في الفجر: حيَّ على الفلاح) الفلاح: هو الفوز والبقاء. أي هلموا إلى سبب ذلك (قال: الصَّلاة خيرٌ من النوْم) وصححه ابن السكن، وفي رواية النسائي: “الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح” وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن خزيمة.

قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر؛ لأنه لإيقاظ النائم؛ وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة. ولفظ النسائي في سننه الكبرى: من جهة سفيان عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة. قال: “كنت أؤذن لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فكنت أقول في أذان الفجر الأول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم” قال ابن حزم: وإسناده صحيح اهـ من تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي.

ومثل ذلك في سنن البيهقي الكبرى: من حديث أبي محذورة: “أنه كان يثوب في الأذان الأول من الصبح، بأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”. قلت: وعلى هذا، ليس “الصلاة خير من النوم” من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة، والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة: عوضاً: عن الأذان الأول.

وإذا عرفت هذا: هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب: هل هو من ألفاظ الأذان، أو لا؟ وهل هو بدعة، أو لا؟ ثم المراد من معناه: اليقظة للصلاة خير من النوم. أي من الراحة التي يعتاضونها في الآجل خير من النوم. ولنا كلام في هذه الكلمة أودعناه رسالة لطيفة.

وعن أبي محذورة رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم علّمه الأذان، فذَكَر فيهِ التّرجيع. أخرجهُ مسلمٌ. ولكن ذكرَ التّكبير في أوَّله مرَّتين فَقَطْ. وروَاهُ الخمْسةُ فذكروهُ مُربعاً.

(وعن أبي محذورة) تقدم ضبطه وبيان حاله (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عَلّمَهُ الأذَانَ) أي ألقاه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بنفسه، في قصة حاصلها:

“أنه خرج أبو محذورة بعد الفتح إلى حنين، هو وتسعة من أهل مكة، فلما سمعوا الأذان، أذنوا استهزاء بالمؤمنين، فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت، فأرسل إلينا فأذنّا رجلاً رجلاً، وكنت اخرهم؛ فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي، وبرّك عليّ ثلاث مرات. ثم قال: اذهب فأذّن عند المسجد الحرام، فقلت: يا رسول الله، فعلمني. الحديث (فذكر فيه التّرجيع) أي في الشهادتين، ولفظه عند أبي داود: “ثم تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك” قيل: المراد أن يسمع من بقربه. قيل: والحكمة في ذلك: أن يأتي بهما أولاً بتدبير وإخلاص، ولا يتأتى كمال ذلك إلا مع خفض الصوت. قال: “ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله”.

فهذا هو الترجيع، الذي ذهب جمهور العلماء: إلى أنه مشروع؛ لهذا الحديث الصحيح؛ وهو زيادة على حديث عبد الله بن زيد، وزيادة العدل مقبولة.

وإلى عدم القول به ذهب الهادي وأبو حنيفة، واخرون؛ عملاً منهم بحديث عبد الله بن زيد الذي تقدم (أخرجه مسلم، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط) لا كما ذكره عبد الله بن زيد انفاً. وبهذه الرواية عملت الهادوية، ومالك، وغيرهم (ورواه) أي حديث أبي محذورة هذا (الخمسة) هم أهل السنن الأربعة، وأحمد (فذكروه) أي التكبير في أول الأذان (مربعاً) كروايات حديث عبد الله بن زيد.

قال ابن عبد البر في الاستذكار: التكبير أربع مرات في أول الأذان محفوظ من رواية الثقات: من حديث أبي محذورة، ومن حديث عبد الله بن زيد، وهي زيادة يجب قبولها. واعلم أن ابن تيمية في المنتقى نسب التربيع في حديث أبي محذورة إلى رواية مسلم، والمصنف لم ينسبه إليه، بل نسبه إلى رواية الخمسة، فراجعت صحيح مسلم وشرحه فقال النووي: إن أكثر أصوله فيها التكبير مرتين في أوله. وقال القاضي عياض: إن في بعض طرق الفارسي لصحيح مسلم: ذكر التكبيع أربع مرات في أوله، وبه تعرف أن المصنف اعتبر أكثر الروايات، وابن تيمية اعتمد بعض طرقه، فلا يتوهم المنافاة بين كلام المصنف، وابن تيمية.

وعنْ أنس رضي الله عنه قال: أُمِرَ بلالٌ: أن يشْفع الأذان شَفْعاً، ويوترَ الإقامةَ، إلا الإقامةَ، يَعْني: إلا قدْ قامتِ الصَّلاة. متّفقٌ عليه، ولم يذكر مُسلمٌ الاستثناء.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: أُمر) بضم الهمزة مبني لما لم يسم: بنى كذلك للعلم بالفاعل؛ فإنه لا يأمر في الأصول الشرعية إلا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم؛ ويدل له الحديث الاتي قريباً (بلالٌ) نائب الفاعل (أنْ يشْفع) بفتح أوله (الأذان) يأتي بكلماته شفعاً (أي مثنى مثنى أو أربعاً أربعاً) ، فالكل يصدق عليه أنه شفع، وهذا إجمال، بينه حديث عبد الله بن زيد، وأبي محذورة، فشفع التكبير: أن يأتي به أربعاً أربعاً؛ وشفع غيره: أن يأتي به مرتين مرتين، وهذا بالنظر إلى الأكثر، وإلا، فإن كلمة التهليل في اخره مرة واحدة اتفاقاً. (ويوتر الإقامة) يفرد ألفاظها (إلا الإقامة) بين المراد بها بقوله: (يعني: قد قامت الصلاة) ، فإنه يشرع أن يأتي بها مرتين، ولا يوترها (متفق عليه ولم يذكر مسلم الاستثناء) ، أعني قوله: إلا الإقامة.

فاختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: الأول، للهادوية، فقالوا: تشرع تثنية ألفاظ الإقامة كلها؛ لحديث: “إن بلالاً كان يثني الأذان والإقامة” رواه عبد الرزاق، والدارقطني، والطحاوي، إلا أنه قد ادعى فيه الحاكم الانقطاع، وله طرق فيها ضعف، وبالجملة لا تعارض رواية التربيع في التكبير رواية الإفراد في الإقامة؛ لصحتها. فلا يقال: إن التثنية في ألفاظ الإقامة زيادة عدل، فيجب قبولها، لأنك قد عرفت أنها لم تصح، والثاني: لمالك، فقال: تفرد ألفاظ الإقامة حتى: قد قامت الصلاة. والثالث: للجمهور: أنها تفرد ألفاظها، إلا قد قامت الصلاة، فتكرر؛ عملاً بالأحاديث الثابتة بذلك.

وللنسائي: أمَرَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بلالاً.

(وللنسائي) أي عن أنس: (أمر) بالبناء للفاعل، وهو (النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بلالاً) ، وإنما أتى به المصنف ليفيد: أن الحديث الأول: متفق عليه، مرفوع، وإن ورد بصيغة البناء للمجهول. قال الخطابي: إسناد تثنية الأذان، وإفراد الإقامة أصحها. أي الروايات، وعليه أكثر علماء الأمصار، وجرى العمل به في الحرمين، والحجاز، والشام، واليمن، وديار مصر، ونواحي الغرب، إلى أقصى حجر من بلاد الإسلام، ثم عد من قاله من الأئمة.

قلت: وكأنه أراد باليمن من كان فيها شافعي المذهب. وإلا، فقد عرفت مذهب الهادوية وهم سكان غالب اليمن. وما أحسن ما قاله بعض المتأخرين ــــ وقد ذكر الخلاف في ألفاظ الأذان. هل هو مثنى، أو أربع؟ أي التكبير في أوله ــــ وهل فيه ترجيع الشهادتين، أو لا؟ والخلاف في الإقامة ــــ ما لفظه:

هذه المسألة من غرائب الواقعات، يقلّ نظيرها في الشريعة، بل وفي العادات، وذلك أن هذه الألفاظ في الأذان، والإقامة: قليلة محصورة معينة، يصاح بها في كل يوم دليلة خمس مرات، في أعلى مكان، وقد أمر كل سامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهم خير القرون في غرة الإسلام، شديدو المحافظة على الفضائل، مع هذا كله، لم يذكر خوض الصحابة، ولا التابعين، واختلافهم فيها؛ ثم جاء الخلاف الشديد في المتأخرين، ثم كل من المتفرقين أدلى بشيء صالح في الجملة، وإن تفاوت، وليس بين الروايات تناف؛ لعدم المانع من أن يكون كل سنة، كما نقوله، وقد قيل: في أمثاله، كألفاظ التشهد، وصورة صلاة الخوف.

وعن أبي جُحيفة رضي الله عنهُ قال: رأيْتُ بلالاً يؤذن وأَتَتَبّعُ فَاه ههنا وهَهُنا، وإصْبِعاهُ في أُذنيْه. رواهُ أحمدُ والترمذي وصححهُ.

ولابن ماجَهْ: وجعَلَ إصبَعَيْهِ في أُذُنيه.

ولأبي داود: لَوى عُنُقَهُ، لما بلغ حيَّ على الصلاة، يميناً وشمالاً ولم يستدرْ. وأصْلُه في الصَّحيحين.

(وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية ساكنة ففاء، هو وهب بن عبد الله، وقيل: ابن مسلم: السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وهمزة بعد الألف: العامري. نزل الكوفة وكان من صغار الصحابة، توفي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه. جعله عليّ على بيت المال، وشهد معه المشاهد كلها؛ توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين.

(قال: رأيت بلالاً يُؤذِّن، وأتتبع فاه) أي أنظر إلى فيه متتبعاً (ههنا) أي يمنة (وههنا) أي يسرة (وأُصبعاه) أي إبهاماه، ولم يرد تعيين الأصبعين، وقال النووي: هما المسبحتان (في أذنيه. رواه أحمد، والترمذي، وصححه، ولابن ماجه) أي من حديث أبي جحيفة أيضاً: (وجعل أصبعيه في أذنيه. ولأبي داود) من حديثه أيضاً: (لوى عُنُقه لما بلغ حيَّ على الصلاة يميناً وشمالاً) هو بيان لقوله: ههنا وههنا (ولم يستدر) بجملة بدنه (وأصله في الصحيحين).

الحديث دل على اداب للمؤذن وهي: الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة الشمال، وقد بين محل ذلك لفظ أبي داود حيث قال: “لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة”: وأصرح منه حديث مسلم بلفظ: (فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يميناً وشمالاً، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح) ، ففيه بيان أن الالتفات عند الحيعلتين. وبوَّب عليه ابن خزيمة بقوله: “انحراف المؤذن عند قوله حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح بفمه، لا ببدنه كله” قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساق من طريق وكيع: “فجعل يقول في أذانه: هكذا، وحرف رأسه يميناً وشمالاً” وأما رواية: “إن بلالاً استدار في أذانه”، فليست بصحيحة، وكذلك رواية: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمره أن يجعل أصبعيه في أذنيه” رواية ضعيفة. وعن أحمد بن حنبل: لا يدور إلا إذا كان على منارة قصداً لإسماع أهل الجهتين.

وذكر العلماء: أن فائدة التفاته أمران: أحدهما: أنه أرفع لصوته. وثانيهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف من يراه على بعد، أو من كان به صمم أنه يؤذن، وهذا في الأذان. وأما الإقامة فقال الترمذي: إنه استحسنه الأوزاعي.

وعن أبي مَحْذورة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أعجبهُ صَوْتُهُ، فَعَلّمهُ الأذان. رواه ابنُ خُزْيمة.

وعن أبي مَحْذورة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أعجبهُ صَوْتُهُ، فَعَلّمهُ الأذان، رواه ابنُ خُزْيمة.

وصححه، وقد قدمنا القصة، واستحسانه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لصوته، وأمره له بالأذان بمكة.

وفيه دلالة على أنه يستحب أن يكون صوت المؤذن حسناً.

وعن جابر بن سَمُرةَ قَالَ: صَلّيْت مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم العيدينِ، غَيْرَ مرَّة، ولا مرَّتين، بغير أذان، ولا إقامة. رَوَاهُ مُسْلمٌ.

(وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم العيدَيْن غير مرَّة ولا مرَّتين) أي: بل مرات كثيرة (بغير أذان، ولا إقامة) أي حال كون الصلاة غير مصحوبة بأذان، ولا إقامة (رواه مسلم).

فيه دليل: على أنه لا يشرع لصلاة العيدين أذان، ولا إقامة، وهو كالإجماع. وقد روى خلاف هذا عن ابن الزبير، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، قياساً منهم للعيدين على الجمعة، وهو قياس غير صحيح، بل فعل ذلك بدعة، إذ لم يؤثر عن الشارع، ولا عن خلفائه الراشدين، ويزيده تأكيداً قوله:

ونحوه في المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره.

(ونحوه) أي نحو حديث جابر بن سمرة (في المتفق عليه) أي الذي اتفق على إخراجه الشيخان (عن ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره) من الصحابة.

وأما القول بأنه يقال في العيد عوضاً عن الأذان: “الصلاة جامعة” فلم ترد به سنة في صلاة العيدين. قال في الهدي النبوي: وكان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة: أي صلاة العيد من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة: أن لا يفعل شيء من ذلك، وبه يعرف أن قوله في الشرح: ويستحب في الدعاء إلى الصلاة في العيدين، وغيرهما، مما لا يشرع فيه أذان، كالجنازة: الصلاة جامعة: غير صحيح؛ إذ لا دليل على الاستحباب، ولو كان مستحباً لما تركه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، والخلفاء الراشدون من بعده، نعم، ثبت ذلك في صلاة الكسوف لا غير، ولا يصح فيه القياس؛ لأن ما وجد سببه في عصره، ولم يفعله، ففعله بعد عصره بدعة، فلا يصح إثباته بقياس، ولا غيره.

وعن أبي قتادة رضي الله عنهُ ــــ في الحديث الطويل، في نوْمهم عن الصَّلاة ــــ ثمَّ أَذَّن بلالٌ، فصلى النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كما كان يصْنعُ كل يوم. رواه مسلم.

(وعن أبي قتادة: في الحديث الطويل في نومهم عن الصلاة) أي عن صلاة الفجر، وكان عند قفولهم من غزوة خيبر. قال ابن عبد البر: هو الصحيح: (ثم أذَّن بلالٌ) أي: بأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كما في سنن أبي داود: “ثم أمر بلالاً أن ينادي بالصلاة فنادى بها”، (فصلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كما كان يصنَع كُلَّ يوْم. رواه مسلم).

فيه دلالة على شرعية التأذين للصلاة الفائتة بنوم، ويلحق به المنسية؛ لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جمعهما في الحكم؛ حيث قال: “من نام عن صلاته، أو نسيها” الحديث. وقد روى مسلم من حديث أبي هريرة: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “أمر بلالاً بالإقامة، ولم يذكر الأذان، وبأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما فاتته الصلاة يوم الخندق، أمر لها بالإقامة، ولم يذكر الأذان” كما في حديث أبي سعيد عند الشافعي، وهذه لا تعارض رواية أبي قتادة؛ لأنه مثبت، وخبر أبي هريرة، وأبي سعيد ليس فيهما ذكر الأذان بنفي، ولا إثبات، فلا معارضة؛ إذ عدم الذكر لا يعارض الذكر.

ولهُ عن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتى المُزدلفةَ فصلى بها المغرب والعشاءَ، بأذان واحدٍ وإقامتين.

(وله) أي لمسلم (عن جابر: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتى المزْدَلفة) أي منصرفاً من عرفات (فصلى بها المغرب والعشاء) جمع بينهما (بأذان واحد وإقامتين). وقد روى البخاري من حديث ابن مسعود: “أنه صلى” أي: بالمزدلفة “المغرب بأذان، وإقامة، والعشاء بأذان، وإقامة، وقال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يفعله”، ويعارضهما معاً قوله:

ولهُ عن ابن عمرَ رضي الله عنهُما: جمعَ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بيْنَ المغربِ والعشاء بإقامة واحدةٍ. وزاد أبو داود: لكل صلاةٍ، وفي رواية لهُ: ولم يُناد في واحدة منهُما.

(وله) أي لمسلم (عن ابن عمر رضي الله عنهما، جمع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة) وظاهره: أنه لا أذان فيهما، وهو صريح في مسلم: أن ذلك بالمزدلفة، فإن فيه، قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر، حتى أتينا جَمْعاً. أي المزدلفة، فإنه اسم لها وهو بفتح الجيم وسكون الميم، فصلى بها المغرب والعشاء بإقامة واحدة، ثم انصرف وقال: “هكذا صلى بنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في هذا المكان”.

وقد دل: على أنه لا أذان بهما، وأنه لا إقامة إلا واحدة للصلاتين، وقد دل قوله: (وزاد أبو داود) أي من حديث ابن عمر (لكل صلاة) أي: أنه أقام لكل صلاة؛ لأنه زاد بعد قوله بإقامة واحدة: لكل صلاة، فدل على أن لكل صلاة إقامة، فرواية مسلم تقيد برواية أبي داود هذه.

(وفي رواية له) أي لأبي داود عن ابن عمر: (ولم يناد في واحدة منهما) وهو صريح في نفي الأذان، وقد تعارضت هذه الروايات، فجابر أثبت أذاناً واحداً، وإقامتين، وابن عمر نفى الأذان، وأثبت الإقامتين؛ وحديث ابن مسعود الذي ذكرناه: أثبت الأذانين، والإقامتين. فإن قلنا المثبت مقدم على النافي عملنا بخبر ابن مسعود. والشارح رحمه الله قال: يقدم خبر جابر. أي: لأنه مثبت للأذان على خبر ابن عمر؛ لأنه ناف له، ولكن نقول: بل نقدم خبر ابن مسعود؛ لأنه أكثر إثباتاً.

وعن ابْن عمرَ وعائشةَ رضي الله عنهمْ قالا: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنَّ بلالاً يؤذنُ بليْلٍ، فكُلوا واشْرَبوا حتى ينادي ابنُ أُمِّ مَكْتوم” وكانَ رجلاً أعمى لا يُنادي، حتى يقال له: أصبحْتَ. أَصْبحتَ، متفقٌ عليه، وفي آخره إدراجٌ.

(وعن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن بلالاً يؤذن بليل). قد بينت رواية البخاري: أن المراد به: قبيل الفجر، فإن فيها: “ولم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا” وعند الطحاوي بلفظ: “إلا أن يصعد هذا: وينزل هذا” (فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أمَ مَكْتُوم) واسمه عمرو (وكان) أي: ابن أم مكتوم (رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) أي دخلت في الصباح (متفق عليه، وفي اخره إدراج) أي كلام، ليس من كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، يريد به قوله: “وكان رجلاً أعمى إلى اخره”، ولفظ البخاري هكذا: “قال: وكان رجلاً أعمى” بزيادة لفظ قال، وبين الشارح فاعل قال أنه: ابن عمر، وقيل: الزهري، فهو كلام مدرج من كلام أحد الرجلين.

وفي الحديث: شرعية الأذان قبل الفجر، لا لما شرع له الأذان، فإن الأذان شرع، كما سلف للإعلام بدخول الوقت، ولدعاء السامعين لحضور الصلاة.

وهذا الأذان الذي قبل الفجر، قد أخبر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بوجه شرعيته بقوله: “ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم” رواه الجماعة إلا الترمذي. والقائم: هو الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه عوده إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان، فليس للإعلام بدخول وقت، ولا لحضور الصلاة. إنما هو كالتسبيحة الأخيرة التي تفعل في هذه الأعصار، غايته أنه كان بألفاظ الأذان، وهو مثل النداء الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة لصلاتها، فإنه كان يأمر بالنداء لها في محل، يقال له: الزوراء؛ ليجتمع الناس للصلاة، وكان ينادي لها بألفاظ الأذان المشروع، ثم جعله الناس من بعده تسبيحاً بالاية، والصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. فذكر الخلاف في المسألة، والاستدلال للمانع والمجيز، لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت.

وفي قوله: “كلوا واشربوا” أي أيها: المريدون للصيام “حتى يؤذن ابن أم مكتوم”: ما يدل على إباحة ذلك إلى أذانه.

وفي قوله: “إنه كان لا يؤذن” أي ابن أم مكتوم “حتى يقال له: أصبحت أصبحت”: ما يدل على جواز الأكل والشرب بعد دخول الفجر. وقال به جماعة. ومن منع من ذلك قال: معنى قوله: “أصبحت أصبحت” قاربت الصباح، وأنهم يقولون له ذلك، عند اخر جزء من أجزاء الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر.

وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين، في مسجد واحد، ويؤذن واحد بعد واحد. وأما أذان اثنين معاً، فمنعه قوم، وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية، وقيل: لا يكره، إلا أن يحصل بذلك تشويش. قلت: في هذا المأخذ نظر؛ لأن بلالاً لم يكن يؤذن للفريضة، كما عرفت، بل المؤذن لها واحد: هو ابن أم مكتوم.

واستدل بالحديث على جواز تقليد المؤذن الأعمى، والبصير، وعلى جواز تقليد الواحد، وعلى جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر؛ إذ الأصل بقاء الليل. وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا عرفه، وإن لم يشاهد الراوي، وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة، إذا كان القصد التعريف به ونحوه، وجواز نسبته إلى أمه إذا اشتهر بذلك.

وعن ابنِ عُمَر رضي الله عنهما أن بلالاً أذَّن قَبْل الفَجْر، فأمَرهُ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن يرجعَ، فيُناديَ “ألا إنَّ العَبْدَ نامَ” رواهُ أبو داودَ، وضعّفه.

وعن ابنِ عُمَر رضي الله عنهما أن بلالاً أذَّن قَبْل الفَجْر، فأمَرهُ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن يرجعَ، فيُناديَ “ألا إنَّ العَبْدَ نامَ” رواهُ أبو داودَ، وضعّفه.

فإنه قال عقب إخراجه: هذا حديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. وقال المنذري: قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ. وقال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة: هو غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة.

وقد استدل به من قال: لا يشرع الأذان قبل الفجر، ولا يخفى أنه لا يقاوم الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، ولو ثبت أنه صحيح لتؤول على: أنه قبل شرعية الأذان الأول؛ فإنه كان بلال هو المؤذن الأول، الذي أمر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عبد الله بن زيد أن يلقي عليه ألفاظ الأذان، ثم اتخذ ابن أم مكتوم بعد ذلك مؤذناً مع بلال، فكان بلال يؤذن الأذان الأول؛ لما ذكره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من فائدة أذانه، ثم إذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم.

وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا سمعتُم النِّداءَ فقُولوا مِثْل ما يقُولُ المؤذِّنُ” متفَقٌ عليه.

فيه شرعية القول لمن سمع المؤذن: أن يقول، كما يقول على أي حال كان من طهارة، وغيرها، ولو جنباً، أو حائضاً، إلا حال الجماع، وحال التخلي؛ لكراهة الذكر فيهما، وأما إذا كان السامع في حال الصلاة، ففيه أقوال: الأقرب: أنه يؤخر الإجابة إلى بعد خروجه منها. والأمر يدل على الوجوب على السامع، لا على من راه فوق المنارة ولم يسمعه، أو كان أصم.

وقد اختلف في وجوب الإجابة، فقال به الحنفية، وأهل الظاهر، واخرون. وقال الجمهور: لا يجب، واستدلوا: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سمع مؤذناً، فلما كبر قال: “على الفطرة”، فلما تشهد قال: (خرجت من النار) أخرجه مسلم. قالوا: فلو كانت الإجابة واجبة، لقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، كما قال المؤذن. فلما لم يقل: دل على أن الأمر في حديث أبي سعيد للاستحباب. وتعقب: بأنه ليس في كلام الراوي ما يدل على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يقل، كما قال. فيجوز أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال مثل قوله، ولم ينقله الراوي، اكتفاء بالعادة، ونقل الزائد، وقوله: “مثل ما يقول” يدل على أنه يتبع كل كلمة يسمعها، فيقول مثلها. وقد روت أم سلمة: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان يقول، كما يقول المؤذن حتى يسكت” أخرجه النسائي، فلو لم يجاوبه حتى فرغ من الأذان، استحب له التدارك إن لم يطل الفصل.

وظاهر قوله: “النداء” أنه: يجيب كل مؤذن أذن بعد الأول، وإجابة الأول أفضل. قال في الشرح: إلا في الفجر، والجمعة، فهما سواء؛ لأنهما مشروعان. قلت: يريد الأذان قبل الفجر، والأذان قبل حضور الجمعة، ولا يخفى أن الذي قبل الفجر قد صحت مشروعيته، وسماه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أذاناً في قوله: “إن بلالاً يؤذن بليل”، فيدخل تحت حديث أبي سعيد، وأما الأذان قبل الجمعة، فهو محدث بعد وفاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا يسمى أذاناً شرعياً. وليس المراد من المماثلة: أن يرفع صوته كالمؤذن؛ لأن رفعه لصوته لقصد الإعلام، بخلاف المجيب، ولا يكفي إمراره الإجابة؛ على خاطره فإنه ليس بقول:

وظاهر حديث أبي سعيد والحديث الاتي وهو:

وللبخاري عنْ معاوية رضي الله عنه مِثْلُهُ.

وللبخاري عنْ معاوية رضي الله عنه مِثْلُهُ.

أي مثل حديث أبي سعيد: أن السامع يقول كقول المؤذن في جميع ألفاظه، إلا في الحيعلتين، فيقول: ما أفاده قوله:

ولمسْلمٍ عن عُمرَ رضي الله عنه في فَضْل القوْل كما يقولُ المُؤذِّنُ كلمةً كلمةً، سوى الحَيْعلَتين، فيقولُ: “لا حوْل ولا قُوَّةَ إلا بالله”.

(ولمسلم عن عمر في فضل القول، كما يقول المؤذن كلمة كلمة، سوى الحيعلتين) حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يخصص ما قبله (فيقول) أي السامع: (لا حول ولا قوة إلا بالله) عند كل واحدة منهما.

وهذا المتن هو الذي رواه معاوية، كما في البخاري، وعمر كما في مسلم، وإنما اختصر المصنف فقال: وللبخاري عن معاوية. أي القول، كما يقول المؤذن إلى اخر ما ساقه في رواية مسلم عن عمر. إذا عرفت هذا فيقولها أربع مرات؛ ولفظه عند مسلم: “إذا قال المؤذن، الله أكبر الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، إلى أن قال: فإذا قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فيحتمل أنه يريد إذا قال: حيَّ على الصلاة حوقل؛ وإذا قالها ثانياً حوقل، ومثله حيَّ على الفلاح، فيكن أربعاً. ويحتمل أنها تكفي حوقلة واحدة عند الأولى من الحيعلين؛ وقد أخرج النسائي، وابن خزيمة حديث معاوية، وفيه “يقول ذلك، وقال المصنف: “في فضل القول” لأن اخر الحديث أنه قال: “إذا قال السامع: ذلك من قلبه دخل الجنة” والمصنف لم يأت بلفظ الحديث، بل بمعناه. هذا، والحول: هو الحركة: أي لا حركة، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى هذا عن ابن مسعود مرفوعاً.

واعلم أن هذا الحديث مقيد لإطلاق حديث أبي سعيد الذي فيه: “فقولوا مثل ما يقول” أي فيما عدا الحيعلة، وقيل: يجمع السامع بين الحيعلة والحوقلة؛ عملاً بالحديثين والأول أولى؛ لأنه تخصيص للحديث العام أو تقييد لمطلقه؛ ولأن المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة؛ فإنه لما دعي إلى ما فيه الفوز، والفلاح، والنجاة، وإصابة الخير، ناسب أن يقول: هذا أمر عظيم، لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته، ولأن ألفاظ الأذان ذكر الله، فناسب أن يجيب بها؛ إذ هو ذكر له تعالى. وأما الحيعلة: فإنما هي دعاء إلى الصلاة، والذي يدعو إليها هو المؤذن، وأما السامع، فإنما عليه الامتثال والإقبال على ما دعي إليه، وإجابته في ذكر الله لا فيما عداه.

والعمل بالحديثين، كما ذكرنا هو الطريقة المعروفة في حمل المطلق على المقيد، أو تقديم الخاص على العام، فهي أولى بالاتباع، وهل يجيب عند الترجيع أو لا يجيب؟ وعند التثويب؟ فيه خلاف. وقيل: يقول في جواب التثويب صدقت وبررت؛ وهذا استحسان من قائله؛ وإلا فليس فيه سنة تعتمد.

فائدة: أخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أقامها الله وأدامها” وقال في سائر الإقامة: بنحو حديث عمر في الأذان. يريد بحديث عمر: ما ذكره المصنف، وسقناه في الشرح: من متابعة المقيم في ألفاظ الإقامة كلها.

وعن عُثمانَ بنِ أبي العاص رضي الله عنه قال: يا رسول الله اجْعَلني إمام قَوْمي. فقال: “أَنْتَ إمامُهُمْ، واقْتدِ بأَضعفهمْ، واتّخِذْ مُؤذِّناً لا يأخذُ على أَذانِهِ أجراً” أخرجه الخمسة، وحسنهُ الترمذيُّ، وصحّحهُ الحاكِمُ.

(وعن عثمان بن أبي العاص) هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، استعمله النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الطائف، فلم يزل عليها مدة حياته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وخلافة أبي بكر وسنين من خلافة عمر، ثم عزله، وولاه عمان، والبحرين، وكان من الوافدين عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في وفد ثقيف، وكان أصغرهم سناً، له سبع وعشرون سنة، ولما توفي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عزمت ثقيف على الردة، فقال لهم: يا ثقيف كنتم اخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أولهم ردة، فامتنعوا من الردة، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين (أنه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامُهُم، واقْتِد بأَضْعفهم) أي اجعل أضعفهم بمرض، أو زمانه، أو نحوهما قدوة لك، تصلي بصلاته تخفيفاً (واتخذ مُؤَذِّناً لا يأخذُ على أذانه أجْراً. أخرجه الخمسة، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم).

الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير. وقد ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} ، وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك فيما يتعلق برياسة الدنيا، التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يعطاها، كما يأتي بيانه.

وأنه يجب على إمام الصلاة أن يلاحظ حال المصلي خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدي به، فيخفف لأجله، ويأتي في أبواب الإمامة في الصلاة تخفيفه. وأنه يتخذ المتبوع مؤذناً ليجمع الناس للصلاة، وأن من صفة المؤذن المأمور باتخاذه: أن لا يأخذ على أذانه أجراً: أي أجرة، وهو دليل على أن من أخذ على أذانه أجراً، ليس مأموراً باتخاذه، وهل يجوز له أخذ الأجرة؟ فذهب الشافعية. إلى جواز أخذه الأجرة مع الكراهة. وذهبت الهادوية، والحنفية: إلى أنها تحرم عليه الأجرة؛ لهذا الحديث.

قلت: ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم، وقيل: يجوز أخذها على التأذين في محل مخصوص؛ إذ ليست على الأذان حينئذ، بل على ملازمة المكان، كأجرة الرصد.

وعن مالك بن الحُوَيْرثِ رضي الله عنه قالَ: قالَ لنَا النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا حضَرَت الصلاةُ فَليُؤذن لكم أحَدُكم” الحديث. أخرجَهُ السبعةُ.

(وعن مالك بن الحويرث) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وكسر الراء وثاء مثلثة؛ وهو: أبو سليمان مالك بن الحويرث الليثي وفد على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة، ومات سنة أربع وتسعين بها (قال: قال لنا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا حضرت الصَّلاة فليُؤذنْ لكُمْ أحدُكُمْ”، الحديث أخرجه السبعة).

هو مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري بألفاظ: أحدها: قال مالك: “أتيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم” زاد في رواية: “وصلوا كما رأيتموني أصلي”، فساق المصنف قطعة منه، هي موضع ما يريده من الدلالة على الحث على الأذان، ودليل إيجابه الأمر به، وفيه أنه لا يشترط في المؤذن غير الإيمان لقوله: “أحدكم”.

وعن جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لبلال: “إذا أذَّنْتَ فترسّلْ، وإذا أقَمْت فاحْدُرْ واجعل بين أذانِك وإقامَتك مقدار ما يفْرُغُ الاكل مِنْ أكلِهِ” الحديث رواهُ الترمذيُّ وضَعّفهُ.

(وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لبلال: إذا أذنت فترسل) أي رتل ألفاظه، ولا تعجل، ولا تسرع في سردها (وإذا أَقَمْتَ فاحْدُر) بالحاء والدال المهملتين والدال مضمومة فراء. والحدر: الإسراع (واجعل بين أذانك، وإقامتك مقْدارَ ما يفْرُغُ الاكل منْ أكله) أي تمهل وقتاً يقدر فيه فراغ الاكل من أكله (الحديث) بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف: أي: اقرأ الحديث، أو أتم، أو نحوه، ويجوز رفعه على خبرية مبتدأ محذوف. وإنما يأتون بهذه العبارة، إذا لم يستوفوا لفظ الحديث، ومثله قولهم: الاية، والبيت، وهذا الحديث لم يستوفه المصنف، وتمامه “والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ولا تقوموا حتى تروني” (رواه الترمذي وضعفه). قال: لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم، وإسناده مجهول. وأخرجه الحاكم أيضاً، وله شاهد من حديث أبي هريرة، ومن حديث سليمان، أخرجه أبو الشيخ. ومن حديث أبيّ بن كعب، أخرجه عبد الله بن أحمد، وكلها واهية.

إلا أنه يقويها المعنى الذي شرع له الأذان؛ فإنه نداء لغير الحاضرين، ليحضروا الصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها، وإلا لضاعت فائدة النداء. وقد ترجم البخاري: (باب كم بين الأذان والإقامة) ولكن لم يثبت التقدير. قال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت، واجتماع المصلين.

وفيه دليل على شرعية الترسل في الأذان، لأن المراد من الإعلام للبعيد، وهو مع الترسل أكثر إبلاغاً. وعلى شرعية الحدر، والإسراع في الإقامة؛ لأن المراد منها إعلام الحاضرين، فكان الإسراع بها أنسب، ليفرغ منها بسرعة؛ فيأتي بالمقصود، وهو الصلاة.

ولهُ عن أبي هُريرة رضي الله عنهُ أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “لا يُؤذِّنُ إلَّا مُتوضىء” وضَعّفهُ أيضاً.

(وله) أي الترمذي (عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: لا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتوضىء. وضعفه أيضاً) أي كما ضعف الأول، فإنه ضعف هذا بالانقطاع؛ إذ هو عن الزهري عن أبي هريرة. قال الترمذي: والزهري لم يسمع من أبي هريرة، والراوي عن الزهري ضعيف، ورواية الترمذي من رواية يونس عن الزهري عنه موقوفاً، إلا أنه بلفظ “لا ينادي” وهذا أصح، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان من حديث ابن عباس بلفظ: “إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو طاهر”، وهو دليل على اشتراط الطهارة للأذان من الحدث الأصغر، ومن الحدث الأكبر بالأولى. وقالت الهادوية: يشترط فيه الطهارة من الحدث الأكبر، فلا يصح أذان الجنب، ويصح من غير المتوضيء، عملاً بهذا الحديث، كما قاله في الشرح.

قلت: ولا يخفى أن الحديث دال على شرطية كون المؤذن متوضئاً، فلا وجه لما قالوه من التفرقة بين الحديثين. وأما استدلالهم لصحته من المحدث حدثاً أصغر بالقياس على جواز قراءة القران، فقياس في مقابلة النص، لا يعمل به عندهم في الأصول. وقد ذهب أحمد، واخرون إلى: أنه لا يصح أذان المحدث حدثاً أصغر، عملاً بهذا الحديث، وإن كان فيه ما عرفت. والترمذي صحح وقفه على أبي هريرة.

وأما الإقامة فالأكثر على شرطية الوضوء لها. قالوا: لأنه لم يرد أنها وقعت على خلاف ذلك في عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا يخفى ما فيه، وقال قوم: تجوز على غير وضوء، وإن كان مكروهاً، وقال اخرون: تجوز بلا كراهة.

ولهُ عن زياد بن الحارث رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ومنْ أذَّنَ فهو يُقيمُ” وضعفهُ أيضاً.

(وله) أي الترمذي (عن زياد بن الحارث) هو زياد بن الحارث الصدائي: بايع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأذن بين يديه، يعد في البصريين، وصداء بضم الصاد المهملة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف همزة: اسم قبيلة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ومَنْ أَذَّن) عطف على ما قبله. وهو قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إن أخا صداء قد أذن” (فهُوَ يُقيم، وضعفه أيضاً) أي: كما ضعف ما قبله. قال الترمذي: إنما يعرف من حديث زياد ابن أنعم الأفريقي، وقد ضعفه ابن القطان، وغيره، وقال البخاري: هو مقارب لحديث ضعفه أبو حاتم، وابن حبان. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: أن من أذن فهو يقيم.

والحديث دليل على أن الإقامة حق لمن أذن، فلا تصح من غيره، وعليه الهادوية، وعضد حديث الباب حديث ابن عمر بلفظ: “مهلاً يا بلال، فإنما يقيم من أذن” أخرجه الطبراني، والعقيلي، وأبو الشيخ، وإن كان قد ضعفه أبو حاتم، وابن حبان. وقال الحنفية وغيرهم: تجزىء إقامة غير من أذن؛ لعدم نهوض الدليل على ذلك، ولما يدل له قوله:

ولأبي داودَ مِنْ حديث عبد الله بن زيد أنه قالَ: أَنا رأَيْتُهُ ــــ يعني الأذان ــــ وأنا كُنْتُ أُريدُهُ. قالَ “فأَقِمْ أَنْتَ” وفيه ضَعْفٌ أيضاً.

(ولأبي داود من حديث عبد اللهبن زيد) أي: ابن عبد ربه، الذي تقدم حديثه أول الباب: (أنه قال): أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما أمره أن يلقيه على بلال: (أنا رأيته يعني الأذان) في المنام (وأنا كنت أريده قال: فأقم أنت. وفيه ضعف أيضاً). لم يتعرض الشارح رحمه الله لبيان وجهه، ولا بينه أبو داود، بل سكت عليه، لكن قال الحافظ المنذري: إنه ذكر البيهقي: أن في إسناده، ومتنه اختلافاً. وقال أبو بكر الحازمي: في إسناده مقال، وحينئذ، فلا يتم به الاستدلال، نعم الأصل جواز كون المقيم غير المؤذن، والحديث يقوي ذلك الأصل.

وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “المؤذِّنُ أمْلَكُ بالأذان، والإمامُ أَمْلك بالإقامة” رواهُ ابن عدي وضعّفهُ.

وللبيهقي نحوه عن علي رضي الله عنه من قوله.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بالأذان) أي: وقته موكول إليه؛ لأنه أمين عليه (والإمام أمْلكُ بالإقامة) فلا يقيم إلا بعد إشارته (رواه ابن عدي) هو الحافظ الكبير الإمام الشهير، أبو أحمد: عبد الله بن عدي الجرجاني، ويعرف أيضاً بابن القصار، صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل، كان أحد الأعلام، ولد سنة تسع وسبعين ومائتين، وسمع على خلائق، وعنه أمم. قال ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه. قال حمزة السهمي: كان ابن عدي حافظاً متفنناً، لم يكن في زمانه أحد مثله. قال الخليلي: كان عديم النظر حفظاً وجلالة، سألت عبد الله بن محمد الحافظ فقال: زرّ قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع. توفي في جمادى الاخرة سنة خمس وستين وثلاثمائة (وضعفه) ؛ لأنه أخرجه في ترجمة شريك القاضي، وتفرد به شريك. وقال البيهقي: ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ، وفيه ضعف.

وَعَنْ سَلَمَةَ بن الْمُحَبِّقِ رضي الله عَنْهُ، قَالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “دِباغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا”، صححهُ ابنُ حِبّان.

والحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان: أي أن: ابتداء وقت الأذان إليه؛ لأنه الأمين على الوقت، والموكول بارتقابه، وعلى أن الإمام أملك بالإقامة، فلا يقيم إلا بعد إشارة الإمام بذلك، وقد أخرج البخاري. “إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني”، فدل على أن المقيم يمقيم، وإن لم يحضر الإمام، فإقامته غير متوقفة على إذنه، كذا في الشرح، ولكن قد ورد: “أنه كان بلال قبل أن يقيم يأتي إلى منزله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يؤذنه، بالصلاة” والإيذان لها بعد الأذان: استئذان في الإقامة. وقال المصنف: إن حديث البخاري معارض بحديث جابر بن سمرة: “إن بلالاً كان لا يقيم حتى يخرج رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” قال: ويجمع بينهما: بأن بلالاً كان يراقب وقت خروج رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فإذا راه يشرع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأواه قاموا. اهـ.

وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة، فقال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حداً محدوداً، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف، وذهب الأكثرون إلى أن الإمام إن كان معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس: أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: “قد قامت الصلاة”. رواه ابن المنذر، وغيره، وعن ابن المسيب: إذا قال المؤذن: الله أكبر، وجب القيام، وإذا قال: حيَّ على الصلاة عدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله، كبر الإمام، ولكن هذا رأي منه، لم يذكر فيه سنة.

(وللبيهقي نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة (عن علي عليه السلام من قوله).

وعن أنس رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذان والإقامة” رواهُ النسائيُّ، وصحّحهُ ابنُ خُزيْمَةَ.

وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّ الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ قَالَ حَينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللُّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَة، والصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمّداً الْوسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَأَبْعَثَهُ مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ”. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ.

وعن أنس رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذان والإقامة” رواهُ النسائيُّ، وصحّحهُ ابنُ خُزيْمَةَ.

والحديث مرفوع في سنن أبي داود أيضاً، ولفظه هكذا: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة” اهـ. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، والنسائي في عمل اليوم والليلة اهـ.

والحديث دليل على قبول الدعاء في هذه المواطن؛ إذ عدم الرد يراد به: القبول والإجابة: ثم هو عام لكل دعاء، ولا بد من تقييده بما في الأحاديث غيره: من أنه ما لم يكن دعاء بإثم، أو قطيعة رحم. هذا، وقد ورد تعيين أدعية تقال بعد الأذان، وهو ما بين الأذان والإقامة.

قلنا: في غيره من الأدلة غنية عنه. فمنها ما أخرجه أحمد من حديث أنس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأكل منها” بفتح السين وسكون النون المعجمة فخاء مفتوحة أي متغيرة.

الأول: أن يقول “رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً”. قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إن من قال ذلك غفر له ذنبه”.

الثاني: أن يصلي على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد فراغه من إجابة المؤذن، قال ابن القيم في الهدى: أكمل ما يصلي به، ويصل إليه، كما علم أمته: أن يصلوا عليه، فلا صلاة عليه أكمل منها. قلت: وستأتي صفتها في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.

الثالث: أن يقول بعد صلاته عليه: “اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة ات محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته” وهذا في صحيح البخاري، وزاد غيره: “إنك لا تخلف الميعاد”.

الرابع: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، ويسأل الله من فضله، كما في السنن عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “قل مثل ما يقول” أي المؤذن “فإذا انتهيت فسل تعطه”، وروى أحمد بن حنبل عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه قال: “من قال حين ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صل على محمد، وارض عنه رضاً، لا سخط بعده، استجاب الله دعوته”، وأخرج الترمذي من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: “علمني رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي”، وأخرج الحاكم عن أبي أمامة يرفعه قال: “كان إذا سمع المؤذن قال: اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها، دعوة الحق، وكلمة التقوى، توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملاً يوم القيامة” وقد عين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما يدعي به أيضاً لما قال: “الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد. قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والاخرة”. قال ابن القيم: إنه حديث صحيح. وذكر البيهقي: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقول عند كلمة الإقامة: “أقامها الله وأدامها”، وفي المقام أدعية أُخر.

باب شروط الصلاة

الشرط لغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: {تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} ـــ أي علامات الساعة ـــ وفي لسان الفقهاء: ما يلزم من عدمه العدم.

عن عليِّ بن طَلْقٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا فَسَا أحَدُكُمْ في الصلاةِ فلْينصرفْ، ولْيَتوضَّأ، ولْيُعِد الصلاة”، رواهُ الخمسةُ، وصحّحه ابنُ حبّان.

(عن علي بن طلق) تقدم طلق بن علي في نواقض الوضوء. قال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي الحنفي. ومال أحمد والبخاري: إلى أن علي بن طلق، وطلق بن علي اسم لذات واحدة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا فسا أَحَدُكُمْ في الصَّلاة فلْيَنْصرف وليَتَوَضَّأ، ولْيُعدُ الصَّلاةَ، رواه الخمسة، وصححه ابن حِبّان) كأنه عبر بهذه العبارة اختصاراً، وإلا فأصلها: “وأخرجه ابن حِبّان، وصححه” وقد تقدمت له هذه العبارة مراراً، ويحتمل: أن ابن حبان صحح أحاديث أخرجها غيره، ولم يخرجها هو، وهو بعيد. وقد أعل الحديث ابن القطان بمسلم بن سلام الحنفي؛ فإنه لا يعرف، وقال الترمذي: قال البخاري: لا أعلم لعلي بن طلق غير هذا الحديث الواحد.

والحديث دليل على أن الفساء ناقض للوضوء، وهو مجمع عليه، ويقاس عليه غيره من النواقض، وأنه تبطل به الصلاة، وقد تقدم حديث عائشة فيمن أصابه قيء في صلاته، أو رعاف، فإنه ينصرف، ويبني على صلاته، حيث لم يتكلم. وهو معارض لهذا، وكل منهما فيه مقال، والشارح جنح إلى ترجيح هذا، قال: لأنه مثبت لاستئناف الصلاة، وذلك ناف. وقد يقال: هذا ناف لصحة الصلاة، وذلك مثبت لها، فالأولى الترجيح: بأن هذا: قال بصحته ابن حبان، وذلك: لم يقل أحد بصحته، فهذا أرجح من حيث الصحة.

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “لا يقْبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار” رواهُ الخمسةُ إلا النسائيَّ وصححهُ ابن خُزَيْمة.

(وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: لا يَقْبَلُ الله صلاةَ حائض) المراد بها المكلفة؛ وإن تكلفت بالاحتلام مثلاً، وإنما عبر بالحيض نظراً إلى الأغلب (إلا بخمار) بكسر الخاء المعجمة اخره راء، هو هنا: ما يغطي به الرأس والعنق (رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة) ، وأخرجه أحمد، والحاكم، وأعله الدارقطني، وقال: إن وقفه أشبه، وأعله الحاكم بالإرسال. ورواه الطبراني في الصغير، والأوسط من حديث أبي قتادة بلفظ: “لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى توارى زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر”.

ونفى القبول المراد به هنا: نفي الصحة والإجزاء، وقد يطلق القبول، ويراد به: كون العبادة بحيث يترتب عليها الثواب، فإذا نفى: كان نفياً لما يترتب عليها من الثواب، لا نفياً للصحة، كما ورد: “إن الله لا يقبل صلاة الابق، ولا من في جوفه خمر” كذا قيل. وقد بينا في رسالة الإسبال وحواشي شرح العمدة: أن نفي القبول يلازم نفي الصحة، وفي قوله: “إلا بخمار” ما يدل على أنه يجب على المرأة ستر رأسها، وعنقها، ونحوه مما يقع عليه الخمار.

ويأتي في حديث أبي داود: من حديث أم سلمة في صلاة المرأة في درع وخمار، ليس عليها إزار، وأنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها” فيدل على أنها لا بد في صلاتها من تغطية رأسها، ورقبتها، كما أفاده حديث الخمار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها، كما أفاده حديث أم سلمة، ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمراد: كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة.

وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة، كما يأتي تحقيقه. وذكره هنا، وجعل عورتها في الصلاة هي عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي، وذكر الخلاف في ذلك ليس محله هنا؛ إذ لها عورة في الصلاة، وعورة في نظر الأجانب، والكلام الان في الأول. والثاني يأتي في محله.

وعن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ لهُ: “إذا كانَ الثّوْبُ واسعاً فالْتَحفْ بهِ ــــ في الصلاة”. ولمُسْلمٍ: “فخالف بين طَرَفَيْهِ، وإن كان ضيّقاً فاتّزرْ بهِ” متفق عليه.

(وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: إذا كانَ الثّوْبُ واسعاً فالتحف به: يعني في الصلاة. ولمسلم: فخَالفْ بين طرفيه) وذلك: بأن يجعل شيئاً منه على عاتقه (وإنْ كانَ ضَيِّقاً فاتّزر به. متفق عليه) الالتحاف في معنى الارتداء، وهو أن يتزر بأحد طرفي الثوب، ويرتدي بالطرف الاخر، وقوله: “يعني في الصلاة”، الظاهر: أنه مدرج من كلام أحد الرواة، قيد به أخذاً من القصة؛ فإن فيها: أنه قال جابر: “جئت إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو يصلي، وعليَّ ثوب، فاشتملت به، وصليت إلى جانبه، فلما انصرف. قال لي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب، قال: فإن كان واسعاً فالتحف به، وإذا كان ضيقاً فاتزر به”.

فالحديث قد أفاد: أنه إذا كان الثوب واسعاً التحف به بعد اتزاره بطرفيه، وإذا كان ضيقاً اتزر به لستر عورته. فعورة الرجل من تحت السُّرَّة إلى الركبة، على أشهر الأقوال.

ولهُما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “لا يُصلي أحدُكمْ في الثوب الواحدِ ليسَ على عاتقِهِ منه شيء”.

(ولهما) أي الشيخين (من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا يُصلي أحَدُكُمْ في الثّوب الواحد ليس على عاتقه منهُ شيءٌ). أي إذا كان واسعاً، كما دل له الحديث الأول. والمراد: ألا يتزر في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح به على عاتقه، فيحصل الستر لأعالي البدن، وحمل الجمهور هذا النهي: على التنزيه، كما حملوا الأمر في قوله: “فالتحف به” على الندب. وحمله أحمد على الوجوب، وأنها لا تصح صلاة من قدر على ذلك، فتركه، وفي رواية عنه: تصح الصلاة، ويأثم، فجعله على الرواية الأولى من الشرائط، وعلى الثانية من الواجبات.

واستدل الخطابي للجمهور: بصلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ثوب واحد، كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه. قلت: وقد يجاب عنه بأن مراد أحمد: مع القدرة على الالتحاف، لا أنه لا تصح صلاته، أو يأثم مطلقاً. كما صرح به قوله: لا تصح صلاة من قدر على ذلك. ويحتمل أنه في تلك الحالة لا يقدر على غير ذلك الثوب، بل صلاته فيه، والحال أن بعضه على النائم: أكبر دليل على أنه لا يجد غيره.

وعن أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها أنّها سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أَتُصلي المْرأَةُ في درع وخمار، بغير إزار؟ قال: “إذا كانَ الدِّرْعُ سابغاً يُغطِّي ظُهُور قدمَيْهَا” أخرجه أبو داود. وصحّحَ الأئمّةُ وَقْفَهُ.

(وعن أم سلمة: أنها سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أتصّلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قالَ: إذا كان الدرع سابغاً) بسين مهملة فموحدة بعد الألف فغين معجمة: أي واسعاً (يُغطي ظُهُور قَدَمَيْهَا. أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه) وقد تقدم بيان معناه، وله حكم الرفع، وإن كان موقوفاً، إذ الأقرب أنه لا مسرح للاجتهاد في ذلك، وقد أخرجه مالك، وأبو داود موقوفاً، ولفظه عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ، إذا غيب ظهور قدميها.

وعن عامر بن ربيعةَ رضي الله عنهُ قالَ: كُنّا مع النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في لَيْلَةٍ مُظْلمةٍ، فأَشْكَلتْ عَلَيْنَا القِبْلَةُ، فَصَلّينا. فلما طَلَعت الشّمس إذا نحنُ صليْنَا إلى غير القِبْلَةِ، فنزلتْ {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أخرجه الترمذي وضعّفه.

(وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه) هو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن مالك العنزي بفتح العين المهملة وسكون النون، وقيل: بفتحها، والزاي. نسبة إلى عنز بن وائل، ويقال له: العدوي. أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها. مات سنة اثنتين أو ثلاث، أو خمس وثلاثين (قال: كنا مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ليلة مظلمة فأَشْكَلَتْ علينا القبْلَةُ فصَلّينا) ظاهره من غير نظر في الأمارات (فلما طَلَعتْ الشمس إذا نحنُ صَلّينا إلى غير القبْلة فنَزَلَتْ” {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أخرجه الترمذي، وضعفه) ، لأن فيه أشعث بن سعيد السمان، وهو ضعيف الحديث.

والحديث دليل على أن من صلى إلى غير القبلة لظلمة، أو غيم: أنها تجزئه صلاته، سواء كان مع النظر في الإمارات والتحري، أو لا، وسواء انكشف له الخطأ في الوقت، أو بعده. ويدل له ما رواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل قال: “صلينا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في يوم غيم، في السفر، إلى غير القبلة، فلما قضى صلاته تجلت الشمس، فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة، قال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله”. وفيه أبو عيلة، وقد وثقه ابن حبان.

وقد اختلف العلماء في هذا الحكم، فالقول: بالإجزاء: مذهب الشعبي، والحنفية، والكوفيين، فيما عدا من صلى بغير تحر، وتيقن الخطأ. فإنه حكى في البحر: الإجماع على وجوب الإعادة عليه، فإن تم الإجماع خص به عموم الحديث.

وذهب اخرون: إلى أنه لا تجب عليه الإعادة إذا صلى بتحر، وانكشف له الخطأ، وقد خرج الوقت. وأما إذا تيقن الخطأ، والوقت باق: وجبت عليه الإعادة، لتوجه الخطاب مع بقاء الوقت، فإن لم يتيقن، فلا يأمن من الخطأ في الاخر، فإن خرج الوقت فلا إعادة للحديث. واشترطوا التحري؛ إذ الواجب عليه عليه تيقن الاستقبال، فإن تعذر اليقين فعل ما أمكنه من التحري، فإن قصر فهو غير معذور، إلا إذا تيقن الإصابة.

وقال الشافعي: تجب الإعادة عليه في الوقت، وبعده، لأن الاستقبال واجب قطعاً، وحديث السرية فيه ضعف.

قلت: الأظهر العمل بخبر السرية، لتقويه بحديث معاذ؛ بل هو حجة وحده. والإجماع قد عرف كثرة دعواهم له، ولا يصح.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ما بَيْن المشرق والمغْربِ قِبْلَةٌ” رواهُ الترمذي وقواه البخاريُّ.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ما بَيْن المشرق والمغْرب قِبْلَةٌ” رواهُ الترمذي وقواه البخاريُّ.

وفي التلخيص حديث: “ما بين الشرق والمغرب قبلة” رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال حسن صحيح، فكان عليه هنا أن يذكر تصحيح الترمذي له على قاعدته، ورأيناه في الترمذي بعد سياقه له بسنده من طريقين حسن إحداهما، وصححها ثم قال: وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم “ما بين المشرق والمغرب قبلة”. منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وقال ابن المبارك: ما بين المشرق، والمغرب قبلة لأهل المشرق. اهـ.

والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة، لا العين في حق من تعذرت عليه العين، وقد ذهب إليه جماعة من العلماء؛ لهذا الحديث. ووجه الاستدلال به على ذلك: أن المراد: أن ما بين الجهتين قبلة لغير المعاين، ومن في حكمه؛ لأن المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب، بل كل الجهات في حقه سواء، متى قابل العين، أو شطرها. فالحديث: دليل على أن ما بين الجهتين قبلة: وأن الجهة كافية في الاستقبال، وليس فيه دليل على أن المعاين يتعين عليه العين، بل لا بد من الدليل على ذلك.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ، خطاب له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو في المدينة، واستقبال العين فيها متعسر، أو متعذر، إلا ما قيل: في محرابه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ولكن الأمر بتوليته وجهه شطر المسجد الحرام عام لصلاته في محرابه، وغيره، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}: دال على كفاية الجهة؛ إذ العين في كل محل تتعذر على كل مصل، وقولهم: يقسم الجهات حتى يحصل له أنه توجه إلى العين تعمق، لم يرد به دليل، ولا فعله الصحابة وهم خير قبيل. فالحق أن الجهة كافية، ولو لمن كان في مكة وما يليها.

وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قالَ: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلي على راحِلَتِهِ حَيْثُ توجّهَتْ به. متفقٌ عليه، زادَ البخاريُّ: يومِىء برأسه ــــ ولم يكن يصنعهُ في المكتوبة.

(وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلي على راحلته حَيْثُ تَوَجّهتْ به. متفق عليه). هو في البخاري عن عامر بن ربيعة بلفظ: “كان يسبح على الراحلة” وأخرجه عن ابن عمر بلفظ: “كان يسبح على ظهر راحلته” وأخرج الشافعي نحوه من حديث جابر بلفظ: “رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي وهو على راحلته النوافل” وقوله: (زاد البخاري: يومىء برأسه) أي في سجوده وركوعه. زاد ابن خزيمة: “ولكنه يخفض السجدتين من الركعة” (ولم يكن يصنعه) ، أي: هذا الفعل، وهو الصلاة على ظهر الراحلة (في المكتوبة) أي الفريضة.

الحديث دليل على صحة صلاة النافلة على الراحلة، وإن فاته استقبال القبلة، وظاهره سواء كان على محمل أو لا، وسواء كان السفر طويلاً أو قصيراً، إلا أن في رواية رزين في حديث جابر زيادة: “في سفر القصر”. وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء، وقيل: لا يشترط، بل يجوز في الحضر، وهو مروي عن أنس من قوله، وفعله. والراحلة: هي الناقة.

والحديث ظاهر في جواز ذلك للراكب، وأما الماشي فمسكوت عنه. وقد ذهب إلى جوازه جماعة من العلماء، قياساً على الراكب بجامع التيسير للمتطوع، إلا أنه قيل: لا يعفى له عدم الاستقبال في ركوعه وسجوده، وإتمامهما، وأنه لا يمشي إلا في قيامه وتشهده. ولهم في جواز مشيه عند الاعتدال من الركوع قولان: وأما اعتداله بين السجدتين فلا يمشي فيه، إذ لا يمشي إلا مع القيام، وهو يجب عليه القعود بينهما وظاهر قوله: “حيث توجهت” أنه لا يعتدل لأجل الاستقبال، لا في حال صلاته، ولا في أولها، إلا أن في قوله:

ولأبي داود من حديث أنس رضي لله عنه: وكان إذا سافرَ فأراد أن يتطوَع استقبلَ بناقتِهِ القِبلة، فكبّر ثمَّ صلى حيث كانَ وجْهُ رِكَابِه، وإسنادُهُ حسنٌ.

ولأبي داود من حديث أنس رضي لله عنه: وكان إذا سافرَ فأراد أن يتطوَع استقبلَ بناقتِهِ القِبلة، فكبّر ثمَّ صلى حيث كانَ وجْهُ رِكَابِه، وإسنادُهُ حسنٌ.

ما يدل على أنه عند تكبيرة الإحرام يستقبل القبلة، وهي زيادة مقبولة، وحديثه حسن، فيعمل بها. وقوله: ناقته، وفي الأول: راحلته: هما بمعنى واحد، وليس بشرط أن يكون ركوبه على ناقة، بل قد صح في رواية مسلم: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى على حماره” وقوله: “إذا سافر” تقدم أن السفر شرط عند بعض العلماء، وكأنه يأخذه من هذا، وليس بظاهر في الشرطية.

وفي هذا الحديث؛ والذي قبله: أن ذلك في النفل، لا الفرض، بل صرح البخاري: أنه لا يصنعه في المكتوبة، إلا أنه قد ورد في رواية الترمذي والنسائي: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتى إلى مضيق هو وأصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام. ثم تقدم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على راحلته، فصلى بهم يومىء إيماء، فيجعل السجود أخفض من الركوع”. قال الترمذي: حديث غريب، وثبت ذلك عن أنس من فعله، وصححه عبد الحق، وحسنه الثوري، وضعفه البيهقي، وذهب البعض: إلى أن الفريضة تصح على الراحلة إذا كان مستقبل القبلة في هودج، ولو كانت سائرة كالسفينة، فإن الصلاة تصح فيها إجماعاً.

قلت: وقد يفرق: بأنه قد يتعذر في البحر وجدان الأرض فعفي عنه، بخلاف راكب الهودج. وأما إذا كانت الراحلة واقفة، فعند الشافعي تصح الصلاة للفريضة، كما تصح عندهم في الأرجوحة المشدودة بالحبال، وعلى السرير المحمول على الرجال إذا كانوا واقفين. والمراد من المكتوبة: التي كتبت على جميع المكلفين، فلا يرد عليهّ: أنه صلى الله عليه واله وسلم كان يوتر على راحلته، والوتر واجب عليه.

وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “الأرض كُلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام” رواه الترمذيُّ ولَهُ علّةٌ.

وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “الأرض كُلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام” رواه الترمذيُّ ولَهُ علّةٌ.

وهي الاختلاف في وصله، وإرساله، فرواه حماد موصولاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، ورواه الثوري مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواية الثوري أصح، وأثبت. وقال الدارقطني: المحفوظ المرسل، ورجحه البيهقي.

والحديث دليل على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة، ما عدا المقبرة وهي: التي تدفن فيها الموتى، فلا تصح فيها الصلاة، وظاهره سواء كان على القبر، أو بين القبور، وسواء كان قبر مؤمن، أو كافر، فالمؤمن تكرمة له، والكافر بعداً من خبثه. وهذا الحديث يخصص “جعلت لي الأرض كلها مسجداً” الحديث. وكذلك الحمام، فإنه لا تصح فيه الصلاة فقيل: للنجاسة فيختص بما فيه النجاسة منه، وقيل: تكره لا غير. وقال أحمد بن حنبل: لا تصح فيه الصلاة، ولو على سطحه عملاً بالحديث، وذهب الجمهور: إلى صحتها، ولكن مع كراهته، وقد ورد النهي معللاً بأنه محل الشياطين، والقول الأظهر مع أحمد. ثم ليس التخصيص لعموم حديث: “جعلت لي الأرض مسجداً” بهذين المحلين فقط، بل بما يفيده الحديث الاتي وهو قوله:

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى “أنْ يُصَلى في سبْعِ مَواطِن: المزْبَلَة، والمجْزَرة، والمقْبَرَةِ، وقارعةِ الطريق والحمّام، ومعَاطنِ الإبلِ، وفوْقَ ظَهْرِ بيتِ الله تعالى” رواه الترمذي وضعّفَهُ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى أن يصلي في سَبْع: المزْبَلَة) هي مجتمع إلقاء الزبل (والمجزرة) محل جزر الأنعام (والمقبرة) وهما بزنة مفعلة بفتح العين ولحوق التاء بهما شاذ (وقارعة الطريق) ما تقرعه الأقدام بالمرور عليها (والحمام) تقدم فيه الكلام (ومعاطن) بفتح الميم فعين مهملة وكسر الطاء المهملة فنون (الإبل) وهو مبرك الإبل حول الماء (وفوق ظهر بيت الله تعالى، رواه الترمذي، وضعفه) فإنه قال بعد إخراجه ما لفظه: وحديث ابن عمر ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وجبيرة بفتح الجيم وكسر الموحدة فمثناة تحتية فراء. وقال البخاري: فيه متروك.

وقد تكلف استخراج علل للنهي عن هذه المحلات، فقيل: المقبرة والمجزرة؛ للنجاسة، وقارعة الطريق كذلك، وقيل: لأن فيها حقاً للغير، فلا تصح فيها الصلاة، واسعة كانت، أو ضيقة؛ لعموم النهي. ومعاطن الإبل ورد التعليل فيها منصوصاً: “بأنها مأوى الشياطين”. أخرجه أبو داود، وورد بلفظ: “مبارك الإبل”، وفي لفظ: “مزابل الإبل”، وفي أخرى: “مناخ الإبل” وهي أعم من معاطن الإبل.

وعللوا النهي عن الصلاة على ظهر بيت الله، وقيدوه بأنه إذا كان على طرف بحيث يخرج عن هوائها لم تصح صلاته، وإلا صحت، إلا أنه لا يخفى أن هذا التعليل أبطل معنى الحديث، فإنه إذا لم يستقبل بطلت الصلاة لعدم الشرط، لا لكونها على ظهر الكعبة، فلو صح هذا الحديث لكان بقاء النهي على ظاهره في جميع ما ذكر هو الواجب، وكان مخصصاً لعموم، “جعلت لي الأرض مسجداً”، لكن قد عرفت ما فيه، إلا أن الحديث في القبور من بين هذه المذكورات قد صح، كما يفيده:

وعن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي قالَ: سمعتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: “لا تُصلُّوا إلى القُبور، ولا تجْلِسُوا عَلَيْها” رواهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون، وهو مرثد بن أبي مرثد. أسلم هو وأبوه، وشهد بدراً، وقتل مرثد يوم غزوة الرجيع شهيداً في حياته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. (قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: لا تُصَلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها. رواه مسلم).

وفيه دليل على النهي عن الصلاة إلى القبر، كما نهى عن الصلاة على القبر، والأصل التحريم، ولم يذكر المقدار الذي يكون به النهي عن الصلاة إلى القبر، والظاهر: أنه ما يعد مستقبلاً له عرفاً. ودل على تحريم الجلوس على القبر، وقد وردت به أحاديث، كحديث جابر في وطء القبر، وحديث أبي هريرة: “لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيايه، فتخلص إلى جلده: خير له من أن يجلس على قبر” أخرجه مسلم، وقد ذهب إلى تحريم ذلك جماعة من العلماء. وعن مالك: أنه لا يكره القعود عليها ونحوه، وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة. وفي الموطأ: عن علي عليه السلام: “أنه كان يتوسد القبر ويضطجع عليه”، ومثله في البخاري: عن ابن عمر، وعن غيره. والأصل في النهي التحريم، كما عرفت غير مرة، وفعل الصحابي لا يعارض الحديث المرفوع، إلا أن يقال: إن فعل الصحابي دليل لحمل النهي على الكراهة، ولا يخفى بعده.

وعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا جاءَ أحَدُكُمْ المسْجد، فَلْيَنْظُر، فإن رأى في نعليْه أذىً أوْ قَذراً فَلْيَمْسَحْهُ ولْيُصَلِّ فيهما” أخرجه أبو داود. وصححه ابنُ خزيْمَة.

(وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا جاءَ أحدكم إلى المسجد فلينظر) أي نعليه، كما دل له قوله: (فإن رأى في نعْلَيْهِ أذى أو قَذراً) شك من الراوي (فَلْيَمْسَحْهُ وليُصَلِّ فيهما. أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة) اختلف في وصله، وإرساله، ورجح أبو حاتم وصله، ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، وإسنادهما ضعيف.

وفي الحديث دلالة على شرعية الصلاة في النعال، وعلى أن مسح النعل من النجاسة مطهر له من القذر والأذى، والظاهر فيهما عند الإطلاق النجاسة رطبة أو جافة، ويدل له: سبب الحديث، وهو إخبار جبريل له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أن في نعله أذى، فخلعه في صلاته، واستمر فيها، فإنه سبب هذا. وأن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو متلبس بنجاسة، غير عالم بها، أو ناسياً لها، ثم عرف بها في أثناء صلاته، أنه يجب عليه إزالتها، ثم يستمر في صلاته، ويبني على ما صلى، وفي الكل خلاف، إلا أنه لا دليل للمخالف، يقاوم الحديث، فلا نطيل بذكره. ويؤيد طهورية النعال بالمسح بالتراب الحديث الاتي وهو:

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا وَطىءَ أحدُكُم الأذَى بخُفّيْهِ فطهُورُهُما التّراب”. أخرَجَهُ أبو داود وصحّحهُ ابنُ حِبّان.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا وطىء أحدكم الأذى بخفّيه) أي مثلاً، أو نعليه، أو أي ملبوس لقدميه (فطهورهما) أي الخفين (التراب، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان) ، وأخرجه ابن السكن، والحاكم، والبيهقي: من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف. وأخرجه أبو داود: من حديث عائشة، وفي الباب غير هذه بأسانيد، لا تخلو من ضعف، إلا أنه يشد بعضها بعضاً.

وقد ذهب الأوزاعي: إلى العمل بهذه الأحاديث، وكذا النخعي وقالا: يجزيه أن يمسح خفيه إذا كان فيهما نجاسة بالتراب، ويصلي فيهما؛ ويشهد له: أن أم سلمة سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال: “يطهره ما بعده”. أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. ونحوه: “أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس من بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى، قال: فهذه بهذه” أخرجه أبو داود، وابن ماجه.

قال الخطابي: وفي إسناد الحديثين مقال، وتأوله الشافعي: بأنه إنما هو فيما جرى على ما كان يابساً، لا يعلق بالثوب منه شيء، قلت: ولا يناسبه قولها: “إذا مطرنا”. وقال مالك؛ معنى كون الأرض يطهر بعضها بعضاً: أن يطأ الأرض القذرة، ثم يصل للأرض الطيبة اليابسة، فإن بعضها يطهر بعضاً. أما النجاسة تصيب الثوب أو الجسد، فلا يطهرها إلا الماء؛ قال: وهو إجماع.

قيل: ومما يدل لحديث الباب، وأنه على ظاهره: ما أخرجه البيهقي عن أبي المعلى عن أبيه عن جده قال: أقبلت مع علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الجمعة، وهو ماش؛ فحال بينه وبين المسجد حوض من ماء وطين، فخلع نعليه وسراويله؛ قال: قلت: هات يا أمير المؤمنين أحمله عنك. قال: لا، فخاض، فلما جاوزه لبس نعليه وسراويله، ثم صلى بالناس، ولم يغسل رجليه. أي ومن المعلوم: أن الماء المجتمع في القرى لا يخلو عن النجاسة.

وعن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هُوَ التّسْبيحُ، والتّكبير، وقراءةُ القُران” رواه مُسلمٌ.

(وعن معاوية بن الحكم) هو معاوية بن الحكم السلمي كان ينزل المدينة، وعداده في أهل الحجاز (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إنَّ هذه الصلاة لا يصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام النّاس، إنّما هو التسبيحُ والتّكبيرُ وقراءة القران. رواه مسلم).

وللحديث سبب حاصله: “أنه عطس في الصلاة رجل، فشمته معاوية، وهو في الصلاة، فأنكر عليه من لديه من الصحابة بما أفهمه ذلك، ثم قال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد ذلك: إن هذه الصلاة. الحديث” وله عدة ألفاظ. والمراد من عدم الصلاحية: عدم صحتها، ومن الكلام مكالمة الناس ومخاطبتهم، كما هو صريح السبب. فدل على أن المخاطبة في الصلاة تبطلها، سواء كانت لإصلاح الصلاة، أو غيرها؛ وإذا احتيج إلى تنبيه الداخل فيأتي حكمه، وبماذا يثبت. ودل الحديث: على أن الكلام من الجاهل في الصلاة لا يبطلها، وأنه معذور لجهله؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمر معاوية بالإعادة. وقوله: “إنما هو”: أي الكلام المأذون فيه في الصلاة، أو الذي يصلح فيها: التسبيح، والتكبير، وقراءة القران: أي إنما يشرع فيها ذلك، وما انضم إليه من الأدعية، ونحوها، لدليله الاتي وهو:

وعن زيد بن أرْقَم أنه قالَ: إنْ كُنا لَنَتَكلّم في الصلاة على عهْد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُكلِّمُ أحدُنا صاحبهُ بحاجَتِهِ، حتّى نَزَلَتْ {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام. متفق عليه ، واللفظ لمسلم.

(وعن زيد بن أرقم قال: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) والمراد: ما لا بد منه من الكلام، كرد السلام ونحوه، لا أنهم كانوا يتحادثون فيها تحادث المتجالسين، كما يدل قوله: (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} وهي صلاة العصر على أكثر الأقوال. وقد ادعى فيه الإجماع {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}

قال النووي في شرح مسلم: فيه دليل على تحريم جميع أنواع كلام الادميين. وأجمع العلماء: على أن المتكلم فيها عامداً عالماً بتحريمه، لغير مصلحتها، ولغير إنقاذ هالك، وشبهه: مبطل للصلاة، وذكر الخلاف في الكلام لمصلحتها، ويأتي في شرح حديث ذي اليدين في أبواب السهو. وفهم الصحابة الأمر بالسكوت من قوله: “قانتين”؛ لأنه أحد معاني القنوت، وله أحد عشر معنى معروفة، وكأنهم أخذوا خصوص هذا المعنى من القرائن، أو من تفسيره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لهم ذلك. والحديث فيه أبحاث قد سقناها في حواشي شرح العمدة، فإن اضطر المصلي إلى تنبيه غيره، فقد أباح له الشارع نوعاً من الألفاظ كما يفيده الحديث:

وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “التّسْبيحُ للرجالِ، والتّصْفيقُ للنِّساءِ” مُتّفقٌ عليهِ، زادَ مُسْلمٌ “في الصَّلاةِ”.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: التسبيح للرجال) وفي رواية: “إذا نابكم أمر فالتسبيح للرجال” (والتّصفيق للنساء متفق عليه. زاد مسلم: في الصلاة) وهو المراد من السياق، وإن لم يأت بلفظه.

والحديث دليل: على أنه يشرع لمن نابه في الصلاة أمر من الأمور، كأن يريد: تنبيه الإمام على أمر سها عنه، وتنبيه المار، أو من يريد منه أمراً، وهو لا يدري أنه يصلي، فينبهه على أنه في صلاة، فإن كان المصلي رجلاً قال: سبحان الله؛ وقد ورد في البخاري بهذا اللفظ، وأطلق فيما عداه، وإن كانت المصلية امرأة نبهت بالتصفيق. وكيفيته، كما قال عيسى بن أيوب: أن تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء، وبعضهم فصل بلا دليل ناهض، فقال: إن كان ذلك للإعلام: بأنه في صلاة فلا يبطلها، وإن كان لغير ذلك: فإنه يبطلها، ولو كان فتحاً على الإمام. قالوا: لما أخرجه أبو داود من قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة”. وأجيب: بأن أبا داود ضعفه بعد سياقه له.

فحديث الباب باق على إطلاقه، لا تخرج منه صورة إلا بدليل. ثم الحديث لا يدل على وجوب التسبيح تنبيهاً، أو التصفيق؛ إذ ليس فيه أمر، إلا أنه قد ورد بلفظ الأمر في رواية: “إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفق النساء”. وقد اختلف في ذلك العلماء. قال شارح التقريب: الذي ذكره أصحابنا: ومنهم: الرافعي، والنووي: أنه سنة، وحكاه عن الأصحاب، ثم قال بعد كلام: والحق انقسام التنبيه في الصلاة إلى: ما هو واجب، ومندوب، ومباح، بحسب ما يقتضيه الحال.

وعنْ مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: رَأَيْتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي، وفي صدره أَزيزٌ كأزيز المرْجلِ، من الْبُكاءِ. أخرجهُ الخمسة إلا ابن ماجهْ، وصَحّحهُ ابن حِبّان.

(وعن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء (ابن عبد الله بن الشخير) بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المشددة، ومطرف تابعي جليل (عن أبيه) عبد الله بن الشخير، وهو ممن وفد إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بني عامر، يعد في البصريين.

(قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي وفي صَدْرهِ أزيزٌ) بفتح الهمزة فزاي مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فزاي، وهو: صوت القدر في غليانها (كأزيز المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم هو القدر (من البكاء) بيان للأزيز (أخرجه الخمسة) هم عنده على ما ذكره في الخطبة: من عدا الشيخين، فهم أصحاب السنن، وأحمد، إلا أنه هنا أراد بهم غير ذلك، وهم أهل السنن الثلاثة وأحمد، كما بينه قوله: إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان) ، وصححه أيضاً ابن خزيمة، والحاكم، ووهم من قال: إن مسلماً أخرجه، ومثله ما روى: “أن عمر صلى صلاة الصبح، وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُواْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (يوسف: 86). فسمع نشيجه، أخرجه البخاري مقطوعاً، ووصله سعيد بن منصور، وأخرجه ابن المنذر.

والحديث دليل على أن مثل ذلك لا يبطل الصلاة، وقيس عليه الأنين.

وعن عليٍّ قال: كان لي من رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مَدْخلان، فكُنْتُ إذَا أتيتُهُ وهُوَ يُصلي تَنَحْنَحَ لي. رَواهُ النسائيُّ وابنُ مَاجَهْ.

(وعن علي رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مدخلان) بفتح الميم ودال مهملة وخاء معجمة تثنية مدخل بزنة مقتل: أي وقتان أدخل عليه فيهما (فكنت أذا أَتيْتُه وهو يُصلي تَنَحْنَحَ لي، رواه النسائي، وابن ماجه) وصححه ابن السكن، وقد روى بلفظ: “سبح” مكان “تنحنح”: من طريق أخرى ضعيفة.

والحديث دليل: على أن التنحنح غير مبطل للصلاة، وقد ذهب إليه الناصر، والشافعي؛ عملاً بهذا الحديث، وعند الهادوية: أنه مفسد إذا كان بحرفين فصاعداً، إلحاقاً له بالكلام المفسد، قالوا: وهذا الحديث فيه اضطراب، ولكن قد سمعت: أن رواية: تنحنح صححها ابن السكن، ورواية سبح ضعيفة، فلا تتم دعوى الاضطراب؛ ولو ثبت الحديثان معاً، لكان الجمع بينهما ــــ بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان تارة يسبح، وتارة يتنحنح ــــ صحيحاً.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُلتُ لبلالٍ: كيْفَ رأيت النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرُدُّ عليهمْ حين يُسلِّمون عليه، وهو يُصلي؟ قال: يَقُولُ هكذا، وبَسَطَ كَفّهُ. أخرجهُ أبو داود، والترمذي، وصَحّحهُ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرد عليهم) أي على الأنصار، كما دل له السياق (حين يسلمون عليه وهو يُصلي؟ قال: يقول: هكذا وبسط كفه. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه) ، وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأصل الحديث: “أنه خرج رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى قباء يصلي فيه، فجاءت الأنصار، وسلموا عليه، فقلت لبلال: كيف رأيت؟ الحديث، ورواه أحمد، وابن حبان، والحاكم أيضاً من حديث ابن عمر: “أنه سأل صهيباً عن ذلك” بدل بلال، وذكر الترمذي: أن الحديثين صحيحان جميعاً.

والحديث دليل على أن إذا سلم أحد على المصلي رد عليه السلام، بالإشارة دون النطق. وقد أخرج مسلم عن جابر: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعثه لحاجة. قال: ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه، فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني: وقال: إنك سلمت علي، فاعتذر إليه بعد الرد بالإشارة”. وأما حديث ابن مسعود: “أنه سلم عليه وهو يصلي، فلم يرد عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا ذكر الإشارة، بل قال له بعد فراغه من الصلاة: “إن في الصلاة شغلاً”، إلا أنه قد ذكر البيهقي في حديثه: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أومأ له برأسه”.

وقد اختلف العلماء في رد السلام في الصلاة على من سلم على المصلي. فذهب جماعة: إلى أنه يرد باللفظ. وقال جماعة: يرد بعد السلام من الصلاة. وقال قوم: يرد في نفسه. وقال قوم: يرد بالإشارة، كما أفاده هذا الحديث، وهذا هو أقرب الأقوال للدليل، وما عداه لم يأت به دليل. قيل: وهذا الرد بالإشارة استحباب، بدليل: أنه لم يرد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم به على ابن مسعود، بل قال له: “إن في الصلاة شغلاً”.

قد عرفت من رواية البيهقي، أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رد عليه بالإشارة برأسه، ثم اعتذر إليه عن الرد باللفظ، لأنه الذي كان يرد به عليهم في الصلاة، فلما حرم الكلام، رد عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالإشارة، ثم أخبره: “أن الله أحدث من أمره أن لا يتكلموا في الصلاة” فالعجب من قول من قال: يرد باللفظ مع أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال هذا. أي أن الله أحدث من أمره في الاعتذار عن رده على ابن مسعود السلام باللفظ، وجعل رده السلام في الصلاة كلاماً، وأن الله نهى عنه. والقول: بأنه من سلم على المصلي لا يستحق جواباً. يعني بالإشارة لا باللفظ، يرده: رده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الأنصار، وعلى جابر بالإشارة؛ ولو كانوا لا يستحقون لأخبرهم بذلك، ولم يرد عليهم.

وأما كيفية الإشارة، ففي المسند من حديث صهيب قال: “مررت برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو يصلي، فسلمت، فرد علي إشارة” قال الراوي: لا أعلمه إلا قال “إشارة بأصبعه” وفي حديث ابن عمر: في وصفه لرده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الأنصار: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “هكذا، وبسط جعفر بن عون ــــ الراوي عن ابن عمر ــــ كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق”. فتحصل من هذا: أنه يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه، أو بيده، أو بأصبعه.

والظاهر: أنه واجب؛ لأن الرد بالقول واجب، وقد تعذر في الصلاة، فبقي الرد بأي ممكن، وقد أمكن بالإشارة، وجعله الشارع رداً، وسماه الصحابة رداً ودخل تحت قوله تعالى: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} وأما حديث أبي هريرة: أنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد صلاته” ذكره الدارقطني؛ فهو حديث باطل؛ لأنه من رواية أبي غطفان عن أبي هريرة، وهو رجل مجهول.

وعن أبي قتَادة رضي الله عنه قالَ: كان رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي وهو حامِلٌ أُمامةَ ــــ بنت زينب ــــ فإذا سَجَدَ وضعها. وإذا قامَ حَمَلَهَا. متفقٌ عليه. ولمسلمٍ: وهو يؤمُّ الناسَ في المسجدِ.

(وعن أبي قتادة قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلي وهوحاملٌ أُمامةَ) بضم الهمزة (بنت زينب) هي أُمها، وهي زينب: بنت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وأبوها: أبو العاص بن الربيع (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها متفق عليه: ولمسلم) زيادة (وهو يؤم الناس في المسجد) في قوله: كان يصلي ما يدل على أن هذه العبارة لا تدل على التكرار مطلقاً؛ لأن هذا الحمل لأمامة وقع منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مرة واحدة، لا غير.

والحديث دليل على أن حمل المصلي في الصلاة حيواناً ادمياً، أو غيره لا يضر صلاته، سواء كان ذلك لضرورة، أو غيرها، وسواء كان في صلاة فريضة أو غيرها، وسواء كان إماماً أو منفرداً، وقد صرح في رواية مسلم: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إماماً، فإذا جاز في حال الإمامة جاز في حال الانفراد. وإذا جاز في الفريضة جاز في النافلة بالأولى. وفيه دلالة على طهارة ثياب الصبيان وأبدانهم، وأنه الأصل ما لم تظهر النجاسة.

وأن الأفعال التي مثل هذه لا تبطل الصلاة؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يحملها ويضعها، وقد ذهب إليه الشافعي، ومنع غيره من ذلك، وتأولوا الحديث بتأويلات بعيدة: منها: أنه خاص به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. ومنها: أن أُمامةَ كان تعلق به من دون فعل منه. ومنها: أنه للضرورة، ومنهم من قال: إنه منسوخ، وكلها دعاوى بغير برهان واضح، وقد أطال ابن دقيق العيد في شرح العمدة القول في هذا، وزدناه إيضاحاً في حواشيها.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “اقتُلُوا الأسوَديْنِ في الصلاة: الحيّةَ، والعقرب” أخرجه الأربعة، وصححه ابنُ حِبّان.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “اقتُلُوا الأسوَديْنِ في الصلاة: الحيّةَ، والعقرب” أخرجه الأربعة، وصححه ابنُ حِبّان.

وله شواهد كثيرة، والأسودان اسم يطلق على الحية والعقرب، على أي لون كانا، كما يفيده كلام أئمة اللغة، فلا يتوهم أنه خاص بذي اللون الأسود فيهما.

وهو دليل على وجوب قتل الحية والعقرب في الصلاة إذ هو الأصل في الأمر، وقيل: إنه للندب، وهو دليل على أن الفعل الذي لا يتم قتلهما إلا به لا يبطل الصلاة، سواء كان بفعل قليل، أو كثير، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء. وذهبت الهادوية: إلى أن ذلك يفسد الصلاة، وتأولوا الحديث بالخروج من الصلاة، قياساً على سائر الأفعال الكثيرة التي تدعو إليها الحاجة، وتعرض وهو يصلي، كإنقاذ الغريق ونحوه، فإنه يخرج لذلك من صلاته، وفيه لغيرهم تفاصيل أخر، لا يقوم عليها دليل. والحديث حجة للقول الأول.

وأحاديث الباب اثنان وعشرون، وفي الشرح ستة وعشرون.

باب سترة المصلي

عن أبي جُهَيْم بن الحارث رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لوْ يَعْلَمُ المارُّ بَيْنَ يدي المُصلي ماذا عليْه من الإثم لكان أن يقف أربعينَ خيْراً له منْ أنْ يمُر بين يديه” متّفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ، ووقعَ في البَزَّار من وجهٍ اخر “أَربعين خريفاً”.

(عن أبي جهيم) بضم الجيم مصغر جهم، وهو عبد الله بن جهيم. وقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم، الأنصاري، له حديثان، هذا أحدهما، والاخر في السلام على من يبول. وقال فيه أبو داود: أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة. وقد قيل: إن راوي حديث البول: رجل اخر، هو عبد الله بن الحارث، والذي هنا عبد الله بن جهيم وأنهما اثنان.

(قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لوْ يعلم المارُّ بين يَدَيِ المُصَلِّي ماذا عليه من الإثمِ) لفظ من الإثم ليس من ألفاظ البخاري، ولا مسلم، بل قال المصنف في فتح الباري: إنها لا توجد في البخاري إلا عند بعض رواته، وقدح فيه: بأنه ليس من أهل العلم. قال: وقد عيب على الطبري نسبتها إلى البخاري في كتابه الأحكام، وكذا عيب على صاحب العمدة نسبتها إلى الشيخين معاً اهـ فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين، فقد وقع له من الوهم ما وقع لصاحب العمدة (لكان أن يقف أربعينَ خيراً لَهُ من أن يَمُرّ بين يديهِ. متفق عليه واللفظ للبخاري) وليس فيه ذكر مميز الأربعين (ووقع في البزار) أي من حديث أبي جهيم (من وجه) أي من طريق رجالها غير رجل المتفق عليه (أربعين خريفاً) أي عاماً، أطلق الخريف على العام، من إطلاق الجزء على الكل.

والحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي: أي ما بين موضع جبهته في سجوده، وقدميه، وقيل: غير هذا، وهو عام في كل مصل فرضاً، أو نفلاً، سواء كان إماماً، أو منفرداً، وقيل: يختص بالإمام والمنفرد، إلا المأموم، فإنه لا يضره من مر بين يديه؛ لأن سترة الإمام سترة له، وإمامه سترة له، إلا أنه قد رد هذا القول: بأن السترة إنما ترفع الحرج عن المصلي، لا عن المار. ثم ظاهر الوعيد يختص بالمار، لا بمن وقف عامداً مثلاً بين يدي المصلي، أو قعد، أو رقد، ولكن إذا كان العلة فيه التشويش على المصلي، فهو في معنى المار.

وعن عائشة قالت: سُئِل النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ــــ في غَزوةِ تَبوك ــــ عنْ سُترةِ المُصَلي. فقَالَ: “مثل مُؤخِرةِ الرَّحْلِ” أخرجه مُسْلِمٌ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في غزوة تبوك: عن سترة المصلي فقال: مثل مؤخرة) بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة وفيها لغات أخر (الرحل:) هو العود الذي في اخر الرحل (أخرجه مسلم).

وفي الحديث ندب للمصلي إلى اتخاذ سترة، وأنه يكفيه مثل مؤخرة الرحل، وهي قدر ثلثي ذراع، وتحصل بأي شيء أقامه بين يديه.

قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما وراءها، ومنع من يجتاز بقربه. وأخذ من هذا. أنه لا يكفي الخط بين يدي المصلي، وإن كان قد جاء به حديث، أخرجه أبو داود، إلا أنه ضعيف مضطرب، وقد أخذ به أحمد بن حنبل فقال: يكفي الخط، وينبغي له أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، فإن لم يجد عصا، أو نحوها جمع أحجاراً، أو تراباً، أو متاعه، قال النووي: استحب أهل العلم الدنو من السترة: بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد ورد الأمر بالدنو منها، وبيان الحكمة في اتخاذها، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي حثمة مرفوعاً: “إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته”، ويأتي في الحديث الرابع: ما يفيد ذلك، والقول بأن أقل السترة مثل مؤخرة الرحل يرده الحديث الاتي:

وعن سَبْرة بن مَعْبدٍ الجُهنيِّ قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لِيَسْتِترْ أحدُكم في الصلاة ولوْ بسَهْمٍ” أخرجه الحاكم.

(وعن سبرة) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة، وهو أبو ثرية بضم المثلثة وفتح الراء وتشديد المثناة التحتية وهو سبرة (ابن معبد الجهني) سكن المدينة، وعداده في البصريين (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ليستتر أحدكم في الصلاة، ولو بسهم. أخرجه الحاكم).

فيه الأمر بالسترة، وحمله الجماهير على الندب، وعرفت أن فائدة اتخاذها: أنه مع اتخاذها لا يقطع الصلاة شيء، ومع عدم اتخاذها: يقطعها ما يأتي، وفي قوله: “لو بسهم” ما يفيد: أنها تجزىء السترة، غلظت أو دقت، وأنه ليس أقلها مثل مؤخرة الرحل، كما قيل: قالوا: والمختار أن يجعل السترة عن يمينه، أو شماله، ولا يصمد إليها.

وعن أبي ذرّ الغفاري رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يَقْطعُ صلاة الرَّجل المسلم ــــ إذا لم يكن بين يديْهِ مِثْلُ مُؤخِرةِ الرَّحل ــــ المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ الأسودُ ــــ الحديث” وفيه “الكلبُ الأسودُ شيطانٌ” أخرجه مسلمٌ.

(وعن أبي ذرّ) بفتح الذال المعجمة وقد تقدمت ترجمته (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: يقْطَعُ صلاة المرء المسلم) أي يفسدها، أو يقلل ثوابها (إذا لم يكُنْ بين يديه مِثْلُ مُؤْخرة الرّحل) أي مثلاً، وإلا فقد أجزأ السهم كما عرفت (المرأة) هو فاعل يقطع: أي مرور المرأة (والحمار والكلبُ الأسودُ. الحديث) أي: أتم الحديث، وتمامه “قلت: فما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عما سألتني فقال: “الكلب الأسود شيطان” (وفيه الكلبُ الأسوَدُ شَيْطانُ) الجار يتعلق بمقدر: أي وقال: (أخرجه مسلم) ، وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه مختصراً، ومطولاً.

الحديث دليل: على أنه يقطع صلاة من لا سترة له مرور هذه المذكورات، وظاهر القطع الإبطال. وقد اختلف العلماء في العمل بذلك، فقال قوم: يقطعها المرأة، والكلب الأسود، دون الحمار؛ لحديث ورد في ذلك عن ابن عباس: “أنه مرَّ بين يدي الصف على حمار، والنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي، ولم يعد الصلاة، ولا أمر أصحابه بإعادتها” أخرجه الشيخان فجعلوه مخصصاً لما هنا. وقال أحمد: يقطعها الكلب الأسود. قال: وفي نفسي من المرأة، والحمار. أما الحمار، فلحديث ابن عباس. وأما المرأة، فلحديث عائشة عند البخاري أنها قالت: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي من الليل، وهي معترضة بين يديه، فإذا سجد غمز رجليها فكفتهما، فإذا قام بسطتهما” فلو كانت الصلاة يقطعها مرور المرأة: لقطعها اضطجاعها بين يديه.

وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطعها شيء، وتأولوا الحديث بأن المراد بالقطع: نقص الأجر، لا الإبطال. قالوا: لشغل القلب بهذه الأشياء. ومنهم من قال: هذا الحديث منسوخ بحديث أبي سعيد الاتي: “لا يقطع الصلاة شيء” ويأتي الكلام عليه، وقد ورد: “أنه يقطع الصلاة: اليهودي والنصراني، والمجوسي، والخنزير” وهو ضعيف، أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس، وضعفه.

ولهُ عن أبي هريرة نحوهُ دون الكلْبِ.

(وله) أي لمسلم (عن أبي هريرة نحوه) أي نحو حديث أبي ذر (دون الكلب) كذا في نسخ بلوغ المرام، ويريد: أن لفظ الكلب لم يذكر في حديث أبي هريرة، ولكن راجعت الحديث، فرأيت لفظه في مسلم عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل”.

ولأبي داود والنسائيِّ عن ابن عباس رضي الله عنهما نحْوُهُ، دون آخرهِ. وقَيّد المرْأة بالحائض.

(ولأبي داود والنسائيِّ عن ابن عباس رضي الله عنهما نحْوُهُ، دون آخرهِ. وقَيّد المرْأة بالحائض).

في أبي داود عن شعبة قال: حدثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد: يحدث عن ابن عباس، رفعه شعبة. قال: “يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب”، وأخرجه النسائي وابن ماجه وقوله: “دون اخره” يريد: أنه ليس في حديث ابن عباس: اخر حديث أبي هريرة الذي في مسلم، وهو قوله: “ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل” فالضمير في اخره في عبارة المصنف: لاخر حديث أبي هريرة، مع أنه لم يأت بلفظه، كما عرفت، ولا يصح أنه يريد: دون اخر حديث أبي ذر، كما لا يخفى، من أن حق الضمير عوده إلى الأقرب. ثم راجعت سنن أبي داود، وإذا لفظه “يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب” فاحتملت عبارة المصنف: أن مراده: دون اخر حديث أبي ذر وهو قوله: “الكلب الأسود شيطان”، أو دون اخر حديث أبي هريرة، وهو: ما ذكرناه في الشرح، والأول أقرب؛ لأنه ذكر لفظ أبي ذر، دون لفظ حديث أبي هريرة، وإن صح أن يعيد إليه الضمير، وإن لم يذكره: إحالة على الناظر. وتقييد المرأة بالحائض يقتضي ــــ مع صحة الحديث ــــ حمل المطلق على المقيد، فلا تقطع إلا الحائض، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في بعض الأحاديث. وقيد في بعضها به، فحملوا المطلق على المقيد، وقالوا: لا يقطع إلا الأسود، فتعين في المرأة الحائض: حمل المطلق على المقيد.

وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا صلى أحدكم إلى شيء يسترُهُ من الناس، فأراد أحدٌ أنْ يجتازَ بين يديهِ فلْيدفعْهُ، فإن أبى فَلْيُقاتلهُ، فإنّما هو شَيْطَانٌ” متّفق عليه، وفي رواية: “فإنَّ معهُ القرين”.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا صلى أحدُكم إلى شيء يَسْتُرهُ منَ الناس) مما سلف تعيينه من السترة، وقدرها، وقدر كم يكون بينها وبين المصلي (فأراد أحدٌ أن يجْتاز) أي يمضي (بين يدَيْهِ فلْيدفَعْهُ) ظاهره وجوباً (فإن أبى) أي عن الاندفاع (فلْيُقاتِلْهُ) ظاهره كذلك (فإنما هو شَيْطانٌ) تعليل للأمر بقتاله، أو لعدم اندفاعه، أو لهما (متفق عليه. وفي رواية) أي لمسلم: من حديث أبي هريرة (فإن معَه القرين) في القاموس: القرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وظاهر كلام المصنف أن رواية: (فإن معه القرين) متفق عليها بين الشيخين من حديث أبي سعيد، ولم أجدها في البخاري، ووجدتها في صحيح مسلم، لكن من حديث أبي هريرة.

والحديث دال بمفهومه: على أنه إذا لم يكن للمصلي سترة، فليس له دفع المار بين يديه، وإن كان له سترة دفعه. قال القرطبي: بالإشارة، ولطيف المنع، فإن لم يمتنع عن الاندفاع قاتله: أي دفعه دفعاً أشد من الأول، قال: وأجمعوا: أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة: من الإقبال عليها والاشتغال بها، والخشوع. هذا كلامه، وأطلق جماعة: أن له قتاله حقيقة، وهو ظاهر اللفظ. والقول بأنه يدفعه بلعنه وسبه يرده: لفظ هذا الحديث، ويؤيده: فعل أبي سعيد راوي الحديث مع الشاب الذي أراد أن يجتاز بين يديه، وهو يصلي. أخرجه البخاري عن أبي صالح السمان قال: “رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب، فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأول. الحديث” وقيل: يرده بأسهل الوجود، فإذا أبى، فبأشدّ، ولو أدى إلى قتله، فإن قتله، فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح قتله.

والأمر في الحديث، وإن كان ظاهره الإيجاب، لكن قال النووي: لا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرح أصحابنا: بأنه مندوب، ولكن قال المصنف: قد صرح بوجوبه أهل الظاهر. وفي قوله: “فإنما هو شيطان”: تعليل بأن فعله فعل الشيطان: في إرادة التشويش على المصلي، وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الإنسان الذي يريد إفساد صلاة المصلي، وفتنته في دينه، كما قال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} وقيل: المراد بأن الحامل له على ذلك شيطان، ويدل له رواية مسلم: “فإن معه القرين”.

وقد اختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالدفع، فقيل: لدفع الإثم عن المار، وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، وهذا الأرجح؛ لأن عناية المصلي بصيانة صلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره، قلت: ولو قيل: إنه لهما معاً، لما بَعُد، فيكون لدفع الإثم عن المار، الذي أفاده حديث: “لو يعلم المار”، ولصيانة الصلاة عن النقصان من أجرها، فقد أخرج أبو نعيم عن عمر: “لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس”، وأخرج ابن أبي شيبة: عن ابن مسعود: “إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته”، ولهما حكم الرفع، وإن كانا موقوفين، إلا أن الأول فيمن لم يتخذ سترة. والثاني مطلق، فيحمل عليه. وأما من اتخذ السترة فلا نقص في صلاته بمرور المار؛ لأنه قد صرح الحديث: أنه مع اتخاذ السترة لا يضره مرور من مرّ، فأمره بدفعه للمار، لعل وجهه: إنكار المنكر على المارّ؛ لتعديه ما نهاه عنه الشارع، ولذا يقدم الأخف على الأغلظ.

وعن أبي هريرة أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “إذَا صلى أحدُكم فَلْيجعل تِلْقاءَ وَجْهِه شَيئاً، فإن لم يجد فلينْصِب عصا، فإن لمْ يكُن فلْيَخُطَّ خطَّاً، ثمَّ لا يضُرُّهُ منْ مرَّ بين يديْه” أخرجهُ أحمد وابنُ ماجهْ، وصحّحهُ ابنُ حِبّان، ولمْ يُصِبْ من زعمَ أنَّهُ مُضطَربٌ، بل هو حسنٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: إذا صلى أحدكم فلْيجعلْ تلقاءَ وجهِهِ شيئاً، فإنْ لم يجد فلْينصب عصاً، فإن لم يكن فلْيَخُطُّ خطّاً، ثمَّ لا يضره من مرَّ بين يديه. أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم) وهو ابن الصلاح (أنه مضطرب) فإنه أورده مثالاً للمضطرب فيه (بل هو حسن) ونازعه المصنف في النكت، وقد صححه أحمد، وابن المديني، وفي مختصر السنن، قال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئاً نشد به هذا الحديث، ولم يجيء إلا من هذا الوجه، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: هل عندكم شيء تشدونه به؟ وقد أشار الشافعي: إلى ضعفه، وقال البيهقي: لا بأس به في مثل هذا الحكم، إن شاء الله تعالى.

والحديث دليل على أن السترة تجزىء بأي شيء كانت. وفي مختصر السنن: قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكاً صلى بنا في جنازة العصر، فوضع قلنسوته بين يديه. وفي الصحيحين من رواية ابن عمر: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان يعرض راحلته فيصلي إليها”، وقد تقدم: أنه أي: المصلي إذا لم يجد: جمع تراباً، أو أحجاراً، واختار أحمد بن حنبل: أن يكون الخط كالهلال. وفي قوله: “ثم لا يضره شيء” ما يدل: أنه يضره إذا لم يفعل: إما بنقصان من صلاته، أو بإبطالها على ما ذكر: أنه يقطع الصلاة، إذ في المراد بالقطع: الخلاف، كما تقدم. وهذا فيما إذا كان المصلي إماماً، أو منفرداً، لا إذا كان مؤتماً، فإن الإمام سترة له، أو سترته سترة له، وقد سبق قريباً، وقد بوب له البخاري، وأبو داود، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس مرفوعاً: “سترة الإمام لمن خلفه”، وإن كان فيه ضعف.

واعلم أن الحديث عام: في الأمر باتخاذ السترة في الفضاء وغيره، فقد ثبت: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “كان إذا صلى إلى جدار جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة، ولم يكن يتباعد منه، بل أمر بالقرب من السترة، وكان إذا صلى إلى عود، أو عمود، أو شجرة: جعله على جانبه الأيمن، أو الأيسر، ولم يصمد له صمداً، وكان يركز الحربة في السفر، أو العنزة، فيصلي إليها، فتكون سترته، وكان يعرض راحلته فيصلي إليها”. وقال الشافعية على ذلك: بسط المصلي لنحو سجادة، بجامع إشعار المار أنه في الصلاة، وهو صحيح.

وعن أبي سعيدٍ الخدْري رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يقطعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وادرَأُوا ما استطعتمْ” أخرجهُ أبو داود، وفي سنده ضَعْفٌ.

(وعن أبي سعيدٍ الخدْري رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يقطعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وادرَأُوا ما استطعتمْ” أخرجهُ أبو داود، وفي سنده ضَعْفٌ).

في مختصر المنذري: في إسناده مجالد، وهو أبو سعيد بن عمير الهمداني الكوفي. وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم حديثاً مقروناً بغيره من أصحاب الشعبي، وأخرج نحوه أيضاً الدارقطني: من حديث أنس، وأبي أمامة، والطبراني: من حديث جابر، وفي إسنادهما ضعف.

وهذا الحديث معارض لحديث أبي ذر، وفيه: أنه يقطع صلاة من ليس له سترة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود”. ولما تعارض الحديثان اختلف نظر العلماء فيهما، فقيل: المراد بالقطع في حديث أبي ذر: نقص الصلاة بشغل القلب: بمرور المذكورات، وبعدم القطع في حديث أبي سعيد: عدم البطلان، أي أنه لا يبطلها شيء، وإن نقص ثوابها بمرور ما ذكر: في حديث أبي ذر. وقيل: حديث أبي سعيد هذا: ناسخ لحديث أبي ذر، وهذا ضعيف؛ لأنه لا نسخ مع إمكان الجمع؛ لما عرفت؛ ولأنه لا يتم النسخ إلا بمعرفة التاريخ، ولا يعلم هنا المتقدم من المتأخر، على أنه لو تعذر الجمع بينهما لرجع إلى الترجيح، وحديث أبي ذر أرجح؛ لأنه أخرجه مسلم في صحيحه، وحديث أبي سعيد في سنده ضعف، كما عرفت.

باب الحث على الخشوع في الصلاة

في القاموس: الخشوع: الخضوع، أو قريب من الخضوع، أو هو في البدن، والخشوع في الصوت والبصر والسكون والتذلل. وفي الشرع: الخضوع: تارة يكون في القلب، وتارة يكون من قبل البدن، كالسكوت، وقيل لا بد من اعتبارهما، حكاه الفخر الرازي في تفسيره. ويدل على أنه من عمل القلب: حديث عليّ عليه السلام: “الخشوع في القلب” أخرجه الحاكم. قلت: ويدل له حديث: “لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه”، وحديث الدعاء في الاستعاذة: “وأعوذ بك من قلب لا يخشع”. وقد اختلف في وجوب الخشوع في الصلاة. فالجمهور على عدم وجوبه، وقد أطال الغزالي في الإحياء: الكلام في ذلك، وذكر أدلة وجوبه، وادعى النووي: الإجماع على عدم وجوبه.

عن أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: نَهى رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن يُصَلي الرَّجُلُ مختصراً. متفقٌ عليه. واللفظ لمسْلم، ومعناه أن يجْعلَ يدهُ على خاصرتِه.

(عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) هذا إخبار من أبي هريرة: عن نهيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولم يأت بلفظه الذي أفاد النهي، لكن هذا: له حكم الرفع (أنْ يُصَليَ الرَّجُلُ) ومثله المرأة (مختصراً) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، وفتح المثناة الفوقية فصاد مهملة مكسورة فراء، وهو منتصب على الحال، وعامله يصلي، وصاحبه الرجل. (متفق عليه واللفظ لمسلم) ، وفسره المصنف أيضاً بقوله: (ومعناه أن يجعل يده) اليمنى أو اليسرى (على خاصرته) كذلك: أي الخاصرة اليمنى، أو اليسرى، أو هما معاً عليهما، إلا أن تفسيره بما ذكر يعارضه: ما في القاموس من قوله: وفي الحديث: “المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور” أي: المصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم. اهـ، إلا أني لم أجد الحديث مخرجاً، فإن صح، فالجمع بينه وبين حديث الكتاب: أن يتوجه النهي إلى من فعل ذلك بغير تعب، كما يفيده قوله في تفسيره: فإذا تعبوا، إلا أنه يخالفه تفسير النهاية فإنه يقول: أراد: أنهم يأتون، ومعهم أعمال صالح يتكئون عليها. وفي القاموس: الخاصرة: الشاكلة وما بين الحرقفة، والقصيري، وفسر الحرقفة بعظم الحجبة: أي: رأس الورك، وهذا التفسير الذي ذكره المصنف عليه الأكثر، وقيل: الاختصار في الصلاة هو: أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل: أن يختصر السورة، ويقرأ من اخرها اية أو ايتين، وقيل: أن يحذف من الصلاة، فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها وحدودها. والحكمة في النهي عنه بينها قوله:

وفي البخاري عن عائشةَ: أنَّ ذلك فِعْل اليهود في صلاتهم.

(وفي البخاري عن عائشة أن ذلك) أي الاختصار في الصلاة (فعل اليهود في صلاتهم).

وقد نهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم، فهذا وجه حكمة النهي، لا ما قيل: إنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أهبط من الجنة كذلك، أو إنه فعل المتكبرين؛ لأن هذه علل تخمينية، وما ورد منصوصاً: أي عن الصحابي هو العمدة؛ لأنه أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أنه مرفوع، وما ورد في الصحيح مقدم على غيره؛ لورود هذه الأشياء أثراً. وفي ذكر المصنف للحديث في باب الخشوع ما يشعر بأن العلة في النهي عن الاختصار: أنه ينافي الخشوع.

وعن أنَس رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا قُدِّم العشاءُ فابدَءوا به قبلَ أن تُصَلُّوا المغْربَ” متفقٌ عليه.

(وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: إذا قدم العشاءُ) ممدود، كسماء: طعام العشى، كما في القاموس (فابْدأوا به) أي بأكله (قبلَ أن تُصلوا المغْرب، متفق عليه) وقد ورد بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد: فيحمل المطلق على المقيد، وورد بلفظ: “إذا وضع العشاء، وأحدكم صائم” فلا يقيد به؛ لما عرف في الأصول: من أن ذكر حكم الخاص الموافق: لا يقتضي تقييداً، ولا تخصيصاً.

والحديث دالّ على إيجاب تقديم أكل العشاء إذا حضر على صلاة المغرب، والجمهور حملوه على الندب، وقالت الظاهرية: بل يجب تقديم أكل العشاء، فلو قدم الصلاة لبطلت؛ عملاً بظاهر الأمر. ثم الحديث ظاهر في أنه يقدم العشاء مطلقاً: سواء كان محتاجاً إلى الطعام، أو لا، وسواء خشي فساد الطعام، أو لا، وسواء كان خفيفاً، أو لا.

وفي معنى الحديث تفاصيل أخر بغير دليل، بل تتبعوا علة الأمر بتقديم الطعام، فقالوا: هو تشويش الخاطر بحضور الطعام، وهو يفضي إلى ترك الخشوع في الصلاة، وهي علة ليس عليها دليل، إلا ما يفهم من كلام بعض الصحابة؛ فإنه أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، وابن عباس: “أنهما كانا يأكلان طعاماً، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم الصلاة، فقال له ابن عباس: لا تعجل: لا نقوم وفي أنفسنا منه شيء”، وفي رواية: “لئلا يعرض لنا في صلاتنا”، وله عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال: “العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللّوامة”. ففي هذه الاثار: إشارة إلى التعليل بما ذكر. ثم هذا إذا كان الوقت موسعاً.

واختلف إذا تضيق: بحيث لو قدم أكل العشاء خرج الوقت، فقيل: يقدم الأكل، وإن خرج الوقت؛ محافظة على تحصيل الخشوع في الصلاة. قيل: وهذا على قول من يقول بوجوب الخشوع في الصلاة، وقيل: بل يبدأ بالصلاة؛ محافظة على حرمة الوقت، وهو قول الجمهور من العلماء. وفيه أن حضور الطعام عذر في ترك الجماعة: عند من أوجبها، وعند غيره. قيل: وفي قوله: “فابدأوا” ما يشعر: بأنه إذا كان حضور الصلاة وهو يأكل. فلا يتمادى فيه. وقد ثبت عن ابن عمر: أنه كان إذا حضر عشاؤه، وسمع قراءة الإمام في الصلاة، لم يقم حتى يفرغ من طعامه. وقد قيس على الطعام غيره: مما يحصل بتأخيره تشويش الخاطر، فالأولى البداءة به.

وعن أبي ذَرَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا قامَ أَحَدُكم في الصلاةِ فلا يمسَح الحَصى، فإنَّ الرحمَةَ تُواجِهُهُ، رواهُ الخمسة بإسنادٍ صحيح، وزادَ أحْمدُ “واحدةً أوْ دَعْ”.

(وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا قام أحدكم في الصلاة) أي دخل فيها (فلا يمسح الحصى) أي من جبهته أو من محل سجوده، (فإنّ الرحمة تُواجِهه. رواه الخمسة بإسناد صحيح وزاد أحمد) في روايته (واحدة، أوْ دَعْ) في هذا النقل قلق؛ لأنهم يفهم أنه زاد أحمد على هذا اللفظ الذي ساقه المصنف، ومعناه: على هذا فلا يمسح واحدة، أو دَعْ، وهو غير مراد. ولفظه عند أحمد عن أبي ذر: “سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن كل شيء، حتى سألته عن مسح الحصاة، فقال: واحدة، أو دع” أي امسح واحدة، أو اترك المسح، فاختصار المصنف أخل بالمعنى، وكأنه اتكل في بيان معناه على لفظه لمن عرفه، ولو قال: وفي رواية لأحمد: الإذن بمسحة واحدة، لكان واضحاً.

والحديث دليل على النهي عن مسح الحصاة بعد الدخول في الصلاة، لا قبله، فالأولى له أن يفعل ذلك، لئلا يشغل باله وهو في الصلاة، والتقييد بالحصى، أو التراب، كما في رواية: للغالب، ولا يدل على نفيه عما عداه.

قيل والعلة في النهي: المحافظة على الخشوع، كما يفيده سياق المصنف للحديث في هذا الباب، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة. وقد نص الشارع على العلة بقوله: “فإن الرحمة تواجهه”: أي تكون تلقاء وجهه، فلا يغير ما تعلق بوجهه من التراب والحصى، ولا ما يسجد عليه، إلا أن يؤلمه، فله ذلك، ثم النهي ظاهر في التحريم.

وفي الصحيح عن مُعَيْقيب نحوهُ بغير تعْليل.

(وفي الصحيح) أي المتفق عليه (عن معيقيب) بضم الميم وفتح العين المهملة والمثناة التحتية، وكسر القاف بعدها تحتية ساكنة بعدها موحدة. هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، شهد بدراً، وكان قد أسلم قديماً بمكة، وهاجر إلى الحبشة: الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المدينة، وكان على خاتم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، واستعمله أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما على بيت المال. مات سنة ست وأربعين، وقيل: في اخر خلافة عثمان (نحوه) أي: نحو حديث أبي ذر، ولفظه: “لا تمسح الحصى وأنت تصلي، فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة لتسوية الحصى” (بغير تعليل) أي ليس فيه: أن الرحمة تواجهه.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألْتُ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عنْ الالْتِفَاتِ في الصَّلاة؟ فقالَ: “هوَ اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشْيطانُ من صلاة العبْد” رواهُ البُخاريُّ.

وللترمذي ــــ وصحّحهُ ــــ: “إيَّاكِ والالتِفات في الصلاة، فإنّه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بُدَّ ففي التطوُّعِ”.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الالتفات في الصلاة، فقال: هو اختلاس) بالخاء المعجمة فمثناة فوقية اخره سين مهملة، هو الأخذ للشيء على غفلة (يَخْتَلسُهُ الشَيْطانُ من صلاة العَبْدِ. رواه البخاري) قال الطيبي: سماه اختلاساً؛ لأن المصلي يقبل على ربه تعالى، ويترصد الشيطان فوات ذلك عليه، فإذا التفت استلبه ذلك، وهو دليل على كراهة الالتفات في الصلاة، وحمله الجمهور على ذلك، إذا كان التفاتاً لا يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره، أو عنقه كله، وإلا كان مبطلاً للصلاة.

وسبب الكراهة: نقصان الخشوع، كما أفاده إيراد المنصف للحديث في هذا الباب، أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن، أو لما فيه من الإعراض عن التوجه إلى الله تعالى، كما أفاده ما أخرجه أحمد وابن ماجه من حديث أبي ذر: “لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف” أخرجه أبو داود، والنسائي.

(وللترمذي) أي عن عائشة (وصححه: إيّاكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب المؤنث (والالتفات) بالنصب لأنه محذَّر منه (في الصلاة فإنه هلكة) ؛ لإخلاله بأفضل العبادات، وأي هلكة أعظم من هلكة الدين؟ (فإن كان لا بدّ) من الالتفات (ففي التّطَوُّعِ) قيل: والنهي عن الالتفات إذا كان لغير حاجة، وإلا فقد ثبت: “أن أبا بكر رضي الله عنه التفت لمجيء النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في صلاة الظهر”، والتفت الناس. لخروجه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في مرض موته، حيث أشار إليهم، ولو لم يلتفتوا ما علموا بخروجه، ولا إشارته، وأقرهم على ذلك.

[رح7] ــــ وعن أنس قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا كانَ أحَدُكمْ في الصَّلاة فإنّهُ يُناجي ربَّهُ، فلا يَبْصُقَنَّ بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تَحْتَ قدَمه” متّفقٌ عليه. وفي رواية: “أو تَحْتَ قدَمِهِ”.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا كان أحدكم في الصّلاة فإنه يناجي ربّه) وفي رواية في البخاري: “فإن ربه بينه وبين القبلة” والمراد من المناجاة: إقباله تعالى عليه بالرحمة والرضوان (فلا يَبْصُقنّ بين يديه ولا عنْ يمينه) قد علل في حديثه أبي هريرة: بأن عن يمينه ملكاً (ولكنْ عن شمالهِ تحت قدمِه متفق عليه. وفي رواية: أو تحت قدَمِهِ).

الحديث نهى عن البصاق إلى جهة القبلة، أو جهة اليمين إذا كان العبد في الصلاة. وقد ورد النهي مطلقاً عن أبي هريرة، وأبي سعيد: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحتها وقال: “إذا تنخم أحدكم، فلا يتنخمن قِبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى” متفق عليه. وقد جزم النووي: بالمنع في كل حالة: داخل الصلاة وخارجها: سواء كان في المسجد أو غيره، وقد أفاده حديث أنس في حق المصلي، إلا أن غيره من الأحاديث قد أفادت تحريم البصاق إلى القبلة مطلقاً، في المسجد وفي غيره، وعلى المصلي وغيره.

ففي صحيح ابن خزيمة وابن حبان: من حديث حذيفة مرفوعاً: “من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه”، ولابن خزيمة: من حديث ابن عمر مرفوعاً: “يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه”، وأخرج أبو داود وابن حبان: من حديث السائب بن خلاد: “أن رجلاً أمَّ قوماً فبصق في القبلة، فلما فرغ، قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا يصلي لكم”. ومثل البصاق إلى القبلة: البصاق عن اليمين، فإنه منهي عنه مطلقاً أيضاً. وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود: “أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة”، وعن معاذ بن جبل: “ما بصقت عن يميني منذ أسلمت”، وعن عمر بن عبد العزيز: أنه نهى عنه أيضاً. وقد أرشد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى أي جهة يبصق فقال: “عن شماله تحت قدمه”، فبيّن الجهة: أنها جهة الشمال، والمحل: أنه تحت القدم. وورد في حديث أنس عند أحمد، ومسلم بعد قوله: “ولكن عن يساره أو تحت قدمه” زيادة: “ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا، وقوله: “أو تحت قدمه” خاص بمن ليس في المسجد، وأما إذا كان فيه، ففي ثوبه؛ لحديث: “البصاق في المسجد خطيئة”، إلا أنه قد يقال: المراد البصاق إلى جهة القبلة، أو جهة اليمين خطيئة، لا تحت القدم، أو عن شماله؛ لأنه قد أذن فيه الشارع، ولا يأذن في خطيئة. هذا وقد سمعت: أنه علل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم النهي عن البصاق على اليمين: بأن عن يمينه ملكاً، فأورد سؤال، وهو: أن على الشمال أيضاً ملكاً، وهو كاتب السيئات، وأجيب: بأنه اختص بذلك ملك اليمين: تخصيصاً له وتشريفاً وإكراماً، وأجاب بعض المتأخرين: بأن الصلاة: أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها.

واستشهد لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة: من حديث حذيفة موقوفاً في هذا الحديث: “ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه كاتب الحسنات”، وفي الطبراني من حديث أمامة: في هذا الحديث: “فإنه يقوم بين يدي الله، وملك عن يمينه، وقرينه عن يساره”، وإذا ثبت هذا فالتفل يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى جهة اليمين.

وعنه قالَ: كان قِرامٌ لِعَائشة سَتَرت به جانب بَيْتِها، فقال لها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أميطي عنّا قِرَامَكِ هذا، فإنّهُ لا تَزالُ تصَاويرُهُ تَعْرض لي في صلاتي” رواه البخاريُّ.

(وعنه) أي أنس رضي الله عنه (قال: كان قرام) بكسر القاف وتخفيف الراء: الستر الرقيق، وقيل: الصفيق من صوف ذي ألوان (لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أميطي عنا) أي أزيلي (قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويرُهُ تَعرضُ) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء (لي في صلاتي، رواه البخاري).

في الحديث دلالة: على إزالة ما يشوش على المصلي صلاته: مما في منزله أو في محل صلاته، ولا دليل فيه على بطلان الصلاة؛ لأنه لم يرو أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أعادها، ومثله:

واتّفقا على حديثها في قصة أَنْبجانيّة أبي جَهْمٍ، وفيهِ: “فإنّها أَلهَتْني عنْ صلاتي”.

(واتفقا) أي الشيخان (على حديثها) أي عائشة (في قصة أنبجانية) بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا علم فيه (أبي جَهْمٍ) بفتح الجيم وسكون الهاء هو عامر بن حذيفة (وفيه: فإنها) أي: الخميصة “وكانت ذات أعلام أهداها له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أبو جهم”، فالضمير لها، وإن لم يتقدم في كلام المصنف ذكرها. ولفظ الحديث عن عائشة: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني انفاً عن صلاتي” هذا لفظ البخاري، وعبارة المصنف تفهم: أن ضمير فإنها: للأنبجانية، وكذا ضمير (ألهتني عن صلاتي).

وذلك أن أبا جهم أهدى للنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خميصة لها أعلام، كما روى مالك في الموطأ: عن عائشة قالت: “أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم” وفي رواية عنها: “كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن يفتنني” قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوباً غيرها؛ ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافاً به.

وفي الحديث: دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش، ونحوها: مما يشغل القلب، وفيه مبادرته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى صيانه الصلاة عما يلهي، وإزاله ما يشغل عن الإقبال عليها. قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور، والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، فضلاً عما دونها. وفيه كراهة الصلاة على المفارش، والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد، ونحوه.

وعن جابر بن سَمُرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لَيَنْتَهِينَّ أقوامٌ يَرْفعُونَ أبْصارَهُمْ إلى السماءِ في الصلاة أوْ لا تَرْجِعُ إليْهِمْ” رواه مسلم.

(وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لينتهينَّ) بفتح اللام وفتح المثناة التحتية وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الهاء (أقوام يرفعون أبصارَهُم إلى السماء في الصَّلاة) أي إلى ما فوقهم مطلقاً (أو لا ترجع إليهم. رواه مسلم) قال النووي في شرح مسلم: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك، وقد نقل الإجماع على ذلك، والنهي يفيد تحريمه. وقال ابن حزم: تبطل به الصلاة. قال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم، وجوزه الأكثرون.

ولهُ عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “لا صلاةَ بحضرَةِ طَعَام ولا هو يُدَافِعُهُ الأخْبَثانِ”.

(وله) أي لمسلم (عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: لا صلاة بحضرة طعام) تقدم الكلام في ذلك، إلا أن هذا يفيد: أنها لا تقام الصلاة في موضع حضر فيه الطعام، وهو عام للنفل، والفرض، وللجائع، وغيره. والذي تقدم أخص من هذا (ولا) أي: لا صلاة (وهوَ) أي المصلي يُدافعُهُ (الأخبثان) البول والغائط. ويلحق بهما مدافعة الريح، فهذا مع المدافعة، وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة، فلا نهي عن الصلاة معه، ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيهاً لنقصان الخشوع، فلو خشى خروج الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين: قدم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، كذا قال النووي: ويستحب إعادتها. وعن الظاهرية: أنها باطلة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “التّثاؤبُ من الشيطانِ، فإذا تثَاءَب أحدُكم فَلْيكظِمْ ما استطاع” رواهُ مسلمٌ والترمذيُّ، وزادَ: “في الصَّلاة”.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: التثاؤُب من الشيطان) ؛ لأنه يصدر عن الامتلاء والكسل، وهما مما يحبه الشيطان، فكأن التثاؤب منه (فإذا تثاءَب أحدُكم فلْيكظمْ) أي: يمنعه ويمسكه (ما استطاع. رواه مسلم، والترمذي، وزاد) أي الترمذي (في الصلاة) فقيد الأمر بالكظم بكونه في الصلاة، ولا ينافي النهي عن تلك الحالة مطلقاً، لموافقة المقيد، والمطلق في الحكم، وهذه الزيادة هي في البخاري أيضاً، وفيه بعدها: “ولا يقل: ها؛ فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه”، وكل هذا مما ينافي الخشوع، وينبغي أن يضع يده على فيه لحديث: “إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب” وأخرجه أحمد، والشيخان، وغيرهم.

باب المساجد

المساجد: جمع مسجد بفتح الجيم وكسرها، فإن أريد به المكان المخصوص، فهو بكسر الجيم، لا غير، وإن أريد به موضع السجود، وهو موضع وقوع الجبهة في الأرض، فإنه بالفتح، لا غير. وفي فضائل المساجد أحاديث واسعة، وأنها “أحب البقاع إلى الله”، وأن “من بنى لله مسجداً من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة”، وأحاديثها في مجمع الزوائد وغيره.

عن عائشة رضي الله عنها قالتْ: أمرَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بِبِناءِ المساجد في الدُّور، وأن تُنَظّفَ وتُطَيبَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذي، وصحح إرسالهُ.

(عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ببناء المساجد في الدور) يحتمل أن المراد بها: البيوت، ويحتمل أن المراد: المحالّ التي تبنى فيها الدور (وأن تنظف) عن الأقذار (وتطيب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح إرساله) والتطييب بالبخور، ونحوه. والأمر بالبناء للندب لقوله: “أينما أدركتك الصلاة فصل” أخرجه مسلم، ونحوه عند غيره. قيل: وعلى إرادة المعنى الأول في الدور، ففي الحديث دليل على أن المساجد شرطها قصد التسبيل، إذ لو كان يتم مسجداً بالتسمية: لخرجت تلك الأماكن التي اتخذت في المساكن عن ملك أهلها. وفي شرح السنة أن المراد: المحال التي فيها الدور. ومنه {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} لأنهم كانوا يسمون المحال التي اجتمعت فيها القبيلة داراً. قال سفيان: بناء المساجد في الدور يعني: القبائل.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “قاتل الله اليهود اتّخذُوا قبورَ أَنْبِيائِهمْ مساجد” متفقٌ عليه وزادَ مسلم: “والنّصارى”.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: قاتل الله اليهود) أي: لعن، كما جاء في رواية، وقيل: معناه: قتلهم وأهلكهم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. متفق عليه) ، وفي مسلم عن عائشة: “قالت: إن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كنيسة رأتاها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة” واتخاذ القبور مساجد: أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها. وفي مسلم: “لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا عليها”.

قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم، تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، اتخذوها أوثاناً: لعنهم، ومنع المسلمين من ذلك قال: وأما من اتخذ مسجداً في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا لتعظيم له، ولا لتوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. قلت: قوله: لا لتعظيم له. يقال اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به: تعظيم له. ثم أحاديث النهي، مطلقة، ولا دليل على التعليل بما ذكر.

والظاهر أن العلة سدّ الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان: الذين يعظمون الجمادات، التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، ولما في اتفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية؛ ولأنه سبب لإيقاد السرج عليها الملعون فاعله. ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر. وقد أخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه: عن ابن عباس قال: “لعن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج” (وزاد مسلم: والنصارى) زاد في حديث أبي هريرة هذا بعد قوله: اليهود.

وقد استشكل ذلك؛ لأن النصارى ليس لهم نبي إلا عيسى عليه السلام؛ إذ لا نبي بينه وبين محمد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو حي في السماء، وأجيب: بأنه كان فيهم أنبياء غير المرسلين، كالحواريين، ومريم في قول، وأن المراد من قوله: “أنبيائهم” المجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء، وكبار أتباعهم، واكفى بذكر الأنبياء، ويؤيد ذلك قوله في رواية مسلم: “كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد” ولهذا، لمّا أفرد النصارى كما في الحديث الآتي.

ولهُمَا منْ حديث عائشةَ “كانوا إذا مات فيهمُ الرَّجُلُ الصَّالحُ بَنَوْا على قبره مَسْجداً” وفيه: “أُولئك شرارُ الخَلْق”.

(ولهما) أي البخاري ومسلم (من حديث عائشة: كانوا إذا مات فيهم) أي النصارى. قال: (الرّجلُ الصالحُ) ، ولما أفرد اليهود، كما في حديث أبي هريرة قال: “أنبيائهم”. وأحسن من هذا أن يقال: أنبياء اليهود: أنبياء النصارى؛ لأن النصارى مأمورون بالإيمان بكل رسول، فرسل بني إسرائيل يسمون أنبياء في حق الفريقين (بَنَوْا على قبره مَسْجداً، وفيه أولئك شرار الخلق) اسم الإشارة عائد إلى الفريقين، وكفى به ذماً. والمراد من الاتخاذ: أعم من أن يكون ابتداعاً، أو اتباعاً، فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت.

[رح4]ـــ وعن أبي هريرة رضي الله عنهُ قال: بعثَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خَيْلاً، فجَاءَتْ برجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بساريةٍ من سواري المسجد. الحديث متفقٌ عليه.

الرجل هو: ثمامة بن أسال، صرح بذلك في الصحيحين، وغيرهما، وليس فيه: أن الربط عن أمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولكنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قرر ذلك؛ لأن في القصة: أنه كان يمر به ثلاثة أيام ويقول: “ما عندك يا ثمامة. الحديث”.

وفيه دليل: على جواز ربط الأسير بالمسجد، وإن كان كافراً، وأن هذا تخصيص لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إن المسجد لذكر الله والطاعة”، وقد أنزل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وفد ثقيف في المسجد.

قال الخطابي: فيه جواز دخول المشرك المسجد، إذا كان له فيه حاجة مثل: أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه، ومثل أن يحاكم إلى قاض هو في المسجد، وقد كان الكفار يدخلون مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ويطيلون فيه الجلوس، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: “أن اليهود أتوا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو في المسجد”.

وأما قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} فالمراد به: لا يمكنون من حجّ، ولا عمرة، كما ورد في القصة التي بعث لأجلها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بايات براءة إلى مكة، وقوله: “فلا يحجنّ بعد هذا العام مشرك”، وكذلك قوله تعالى: {بَلَى  إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} لا يتم بها دليل على تحريم المساجد على المشركين، لأنها نزلت في حق من استولى عليها، وكانت له الحكمة والمنعة، كما وقع في سبب نزول الاية الكريمة، فإنها نزلت في شأن النصارى، واستيلائهم على بيت المقدس، وإلقاء الأذى فيه والأزبال، أو أنها نزلت في شأن قريش، ومنعهم له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عام الحديبية عن العمرة، وأما دخوله من غير استيلاء ومنع وتخريب، فلم تفده الاية الكريمة، وكأن المصنف ساقه لبيان جواز دخول المشرك المسجد، وهو مذهب إمامه، فيما عدا المسجد الحرام.

وعنهُ أنَّ عُمر رضي الله عنه مرَّ بحسّان يُنْشِدُ في المسجد، فلَحَظَ إليه، فقال: قد كُنْتُ أُنْشدُ فيه، وفيه مَنْ هُو خيرٌ منْكَ، متّفق عليه.

(وعنه) أي أبي هريرة: (أن عمر رضي الله عنه مرّ بحسان) بالحاء المهملة مفتوحة فسين مهملة مشددة. هو ابن ثابت، شاعر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، يكنى أبا عبد الرحمن. أطال ابن عبد البر في ترجمته في الاستيعاب قال: وتوفي حسان قبل الأربعين في خلافة عليّ عليه السلام، وقيل: بل مات سنة خمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة (ينشد) بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر الشين المعجمة (في المسجد فلحظ إليه) أي نظر إليه، وكأنَّ حسّاناً فهم منه نظر الإنكار (فقال: قد كنتُ أنشد فيه، وفيهِ) أي المسجد (من هو خير منك) يعني: رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (متفق عليه) وقد أشار البخاري في باب بدء الخلق: في هذه القصة: أن حساناً أنشد في المسجد: ما أجاب به المشركين عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

ففي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر في المسجد. وقد عارضه أحاديث. أخرج ابن خزيمة، وصححه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: “نهى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن تناشد الأشعار في المسجد” وله شواهد، وجمع بينها وبين حديث الباب: بأن النهي محمول على تناشد أشعار الجاهلية وأهل البطالة، وما لم يكن فيه غرض صحيح، والمأذون فيه ما سلم من ذلك، وقيل: المأذون فيه مشروط: بأن لا يكون ذلك مما يشغل من في المسجد.

وعنهُ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَن سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضالّةً في المسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا الله علَيْكَ، فإنَّ المساجدَ لمْ تُبن لهذا” رواه مُسلمٌ.

(وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: من سمعَ رجُلاً ينشدُ) بفتح المثناة التحتية وسكون النون وضم الشين المعجمة، من نشد الدابة: إذا طلبها (ضالّة في المسجد فليقُل: لا ردّها الله عليك) عقوبة له؛ لارتكابه في المسجد ما لا يجوز. وظاهره أنه يقول: جهراً، وأنه واجب (فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا. رواه مسلم) أي: بل بنيت لذكر الله، والصلاة، والعلم، والمذاكرة في الخير، ونحوه.

والحديث دليل: على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد، وهل يلحق به السؤال عن غيرها من المتاع، ولو ذهب في المسجد؟ قيل: يلحق للعلة، وهي قوله: “فإن المساجد لم تبن لهذا”، وأن من ذهب له متاع فيه، أو في غيره قعد في باب المسجد: يسأل الخارجين والداخلين إليه. واختلف أيضاً في تعليم الصبيان القران في المسجد، وكأن المانع يمنعه لما فيه من رفع الأصوات المنهي عنه في حديث واثلة: “جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم” أخرجه عبد الرزاق، والطبراني في الكبير، وابن ماجه.

وعنهُ رضي الله عنه، أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا رَأَيْتُمْ منْ يَبيعُ، أوْ يَبْتاعُ في المسجدِ فقُولوا لهُ: لا أَرْبَحَ الله تَجارَتك” رواهُ النسائيُّ والترمذي، وحسّنَهُ.

(وعنه) أي أبي هريرة: (أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: إذا رأيتمْ منْ يبيعُ أو يبتاعُ) يشتري (في المسجد فقولوا لهُ: لا أَرْبَحَ الله تجارتك. رواه الترمذي، والنسائي، وحسنه).

فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب على من رأى ذلك فيه أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، يقول جهراً: زجزاً للفاعل لذلك، والعلة: هي قوله فيما سلف: “فإن المساجد لم تبن لذلك” وهل ينعقد البيع؟ قال الماوردي: إنه ينعقد اتفاقاً.

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قالَ: قالَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا تُقام الحدودُ في المساجدِ، ولا يُسْتَقادُ فيها” رواهُ أحمد وأبو داودَ بسندٍ ضعيفٍ.

(وعن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة المكسورة والزاي. وحكيم صحابي كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام: أسلم عام الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام. وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وله أربعة أولاد صحابيون كلهم: عبد الله، وخالد، ويحيى، وهشام (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا تُقامُ الحدودُ في المساجد ولا يُستقاد فيها) أي يقام القود فيها (رواه أحمد، وأبو داود بسند ضعيف) ، ورواه الحاكم، وابن السكن، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، والبيهقي. وقال المصنف في التلخيص: لا بأس بإسناده.

والحديث دليل: على تحريم إقامة الحدود في المساجد، وعلى تحريم الاستفادة فيها.

[رح9] ــــ وعن عائشةَ قالت: أُصيب سَعْدٌ يومَ الخنْدقِ فضرب عليهِ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خيْمَةً في المسْجدِ، لِيَعُودَهُ من قريب. متّفق عليه.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيبَ سَعْدٌ) هو ابن معاذ بضم الميم فعين مهملة بعد الألف ذال معجمة، هو أبو عمرو، سعد بن معاذ الأوسي، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وسماه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سيد الأنصار، وكان مقداماً مطاعاً، شريفاً في قومه، من كبار الصحابة، شهد بدراً وأحداً، وأصيب يوم الخندق في أكحله، فلم يرقأ دمه حتى مات بعد شهر. توفي في شهر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة (يوم الخندق فضرب عليه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي نصب عليه (خيمة في المسجد ليعوده من قريب) أي ليكون مكانه قريباً منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فيعوده (متفقٌ عليه).

فيه دلالة على جواز النوم في المسجد، وبقاء المريض فيه، وإن كان جريحاً، وضرب الخيمة، وإن منعت من الصلاة.

وعنْها قالَتْ: رأَيْت رسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسْتُرني وأنا أَنْظُرُ إلى الحبشةِ يلعبون في المسجد…….” الحديثَ. متفقٌ عليه.

(وعنها) أي عن عائشة (قالت: رأيت رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسترني، وأنا أنظرُ إلى الحبشة يلعبون في المسجد. الحديث. متفق عليه) قد بين في رواية للبخاري: أن لعبهم كان بالدرق والحراب. وفي رواية لمسلم: “يلعبون في المسجد بالحراب” وفي رواية للبخاري: “وكان يوم عيد”.

فهذا يدل على جواز مثل ذلك في المسجد في يوم مسرة، وقيل: إنه منسوخ بالقران والسنة. أما القران: فقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} ،

وأما السُّنَّة فبحديث: “جنبوا مساجدكم صبيانكم” الحديث، وتعقب بأنه حديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عرف التاريخ فيتم النسخ.

وقد حكى أن لعبهم كان خارج المسجد، وعائشة كانت في المسجد. وهذا مرود بما ثبت في بعض طرق الحديث هذا أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “دعهم”. وفي ألفاظه أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لعمر: “لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة وأني بعثت بحنيفية سمحة”. وكأن عمر بنى على الأصل في تنزيه المساجد فبين له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن التعمق والتشدد ينافي قاعدة شريعته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من التسهيل والتيسير. وهذا يدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواضع الحروب والاستعداد للعدو، ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين، ويحتاج إليها في إقامة الدين، فأجيز فعلها في المسجد.

وهذا وأما نظر عائشة إليهم وهم يلعبون وهي أجنبية، ففيه دلالة على الجواز نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم، كما تنظرهم إذا خرجت للصلاة في المسجد وعند الملاقاة في الطرقات، ويأتي تحقيق هذه المسألة في محلها.

[رح 11/442] ـ وعَنْهَا: “أَن وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي..” الْحَدِيثَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعنها) أي عائشة (أن الوليدة الأمة (سوداء فكان لها خباء) بكسر الخاء المعجمة وموحدة فهمزة ممدودة الخيمة من وبر أو غيره، وقيل: لا تكون إلا من شعر (في المسجد فكانت تأتيني فتحدث عندي ـ الحديث متفق عليه).

والحديث برمته في البخاري عن عائشة: أو وليدة سوداء كان لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم فخرجب صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قال: فوضعته أو وقع منها فمرت حدأة وهو ملقي فحسبته لحماً فخطفته، قالت: والله إني لطقائمة معهم، إذ مرت الحدأة فألقته قالت: فوقع بينهم، فجاءت إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فأسلمت، قال عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش، فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس إلا قالت:

[شع] ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا

أَلا إِنه من دارة الكفر نجاني[/شع].

قالت عائشة: قلت لها: ما شأنك لا تقعدين إلا قلت هذا، فحدثتني بهذا الحديث”، فهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله: “الحديث”.

وفي الحديث دلالة على إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن ليس له مسكن من المسلمين رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة، وجواز ضرب الخيمة له ونحوها.

[رح 21/542] ـ (وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “البصاق) في القاموس البصاق كغراب والبساق والبزاق ماء الفم إذ خرج منه، وما دام فيه فهو ريق، وفي لفظ للبخاري: البزاق، ولمسلم: التفل. (في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها” متفق عليه).

الحديث دليل على أن البصاق في المسجد خطيئة والدفن يكفرها، وقد عارضه ما تقدم من حديث: “فليبصق عن يساره أو تحت قدمه”. فإن ظاهره سواء كان في المسجد أو غيره. قال النووي: عما عمومان، لكن الثاني مخصوص بما إذا لم يكن في المسجد ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد من دون تخصيص، وقال القاضي عياض: إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنه، وأما إذا أراد دفنه فلا. وذهب إلى هذا أئمة من أهل الحديث، ويدل له حديث أحمد، والطبراني بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة مرفوعاً: “من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة فإن دفنه فحسنه”. فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعاً: “وجدت في مساوىء أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن”، وهكذا فهم السلَفَ، ففي سنن سعيد بن منصور، وعن أبي عبيدة بن الجراح: “أنه تنخم في المسجد ليلة فنسى أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها، وقال: الحمد لله، حيث لم تكتب على خطيئة الليلة”. فدل على أنه فهم أن الخطيئة مختصة بمن تركها وقدمنا وجهاً من الجمع، وهو أن الخطيئة حيث كان التفل عن اليمين أو إلى جهة القِبْلة لا إذا كان عن الشمال وتحت القدم، فالحديث هذا مخصص بذلك ومقيد به، قال الجمهور: والمراد أي من دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاه، وقول من قال: المراد من دفنها إخراجها من المسجد بعيد.

[رح 31/642] ـ وَعَنْهُ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ”. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلا التَّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.

(وعنه) أي أنس، (قال رسول الله: “لا تقوم الساعة حتى يتباهى) يتفاخر، (الناس في المساجد) بأن يقول واحد في مسجدي ” أحسن من مسجدك علواً وزينة وغير ذلك. (أخرجه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة).

الحديث من أعلام النبوة وقوله: “لا تقوم الساعة” قد يؤخذ منه أنه من أشراطها والتباهي، إما بالقول كما عرفت، أو بالفعل كأن يبالغ كل واحد في تزيين مسجده ورفع بنائه وغير ذلك. وفيه دلالة مفهمة بكراهة ذلك، وأنه من أشراط الساعة، وأن الله لا يحب تشييد المساجد ولا عمارتها إلا بالطاعة.

[رح 41/724] ـ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ما أُمِرْتُ بِتَشْيِيد الْمَسَاجِدِ”. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ما أمرت بتشيد المساجد” أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان) وتمام الحديث قال ابن عباس: “لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى”. وهذا مدرج من كلام ابن عباس، كأنه فهمه من الأخبار النبوية من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل. والتشييد رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص كذا في الشرح. والذي في القاموس: شاد الحائط يشيده طلاه بالشيد وهو ما يطلى به الحائط من جص ونحوه وانتهى. فلم يجعل رفع البناء من مسماه.

والحديث ظاهر في الكراهة أو التحريم لقوله ابن عباس كما زخرفت اليهود والنصارى فإن التشبه بهم محرم، وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس من الحر والبرد وتزيينها يشغل القلوب عن الخشوع الذي هو روح جسم العبادة. والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل.

قال المهدي في البحر: إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا أي من العلما، وإنما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا، وهو كلام حسن وفي قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ما أمرت”، إشعار بأنه لا يحسن ذلك فإنه لو كان حسناً لأمره الله به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وأخرج البخاري، من حديث ابن عمر: “أن مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان على عهده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مبنياً باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جدرانه بالأحجار المنقوشة والجص وجعل عمدة من حجارة منقوشة وسقفه بالساج”.

قال ابن بطال: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم عند عمارته: “أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس”، ثم كان عثمان والمال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة.

وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع باطن كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه. وهذا للشافعي. واستدل لهذه الكيفية بما ورد في حديث المغيرة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، كأني أنظر أصابعه على الخفين” رواه البيهقي، وهو منقطع، على أنه لا يفي بتلك الصفة.

[رح 51/842] ـ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: عُرِضَتُ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد” رواه أبو داود، والترمذي، واستغربه، وصححه ابن خزيمة) القذاة بزنة حصاة هي مستعملة في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيراً، وهذا إجبار بأن ما يخرجه الرجل من المسجد وإن قل وحقر مأجور فيه لأن فيه تنظيف بيت الله وإزالة ما يؤذي المؤمنين ويفيد بمفهومه أن من الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد.

[رح 61/942] ـ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ” مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

(وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين” متفق عليه).

الحديث نهى عن جلوس الداخل إلى المسجد إلا بعد صلاته ركعتين وهما تحية المسجد. وظاهره وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى أنه ندب واستدلوا بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم للذي رآه يتخطى: “اجلس فقد آذيت”، ولم يأمره بصلاتهما وبأنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لمن علمه الأركان الخمسة فقال: لا أزيد عليها: أفلح إن صدق”.

الأول: مردود بأنه لا دليل على أنه لم يصلهما فإنه يجوز أنه صلاهما في طرف المسجد، ثم جاء يتخطى الرقاب. والثاني: بأنه قد وجب غير ما ذكر كصلاة الجنائز ونحوها ولا مانع من أنه وجب بعد قوله: “لا أزيد” واجبات وأعلمه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بها.

ثم ظاهر الحديث أنه يصليهما في أي وقت شاء ووقت الكراهة، وفيه خلاف وقررناه في حواشي شرح العمدة أنه لا يصليهما من دخل المسجد في أوقات الكراهة، وقررنا أيضاً أن وجوبهما هو الظاهر لكثرة الأوامر الواردة به وظاهره أنه إذا جلس ولم يصلهما لا يشرع له أن يقوم فيصليهما، وقال جماعة: يشرع له التدارك، لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد، فقال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ركعت ركعتين قال: لا قال: قم فاركعهما”. وترجم عليه ابن حبان تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، وكذلك ما يأتي من قصة سليك الغطفاني وقوله: “ركعتين” لا مفهوم له في جانب الزيادة، بل في جانب القلة فلا تتأدى سنة التحية بركعة واحدة. قال في الشرح: وقد أخرج من عموم المسجد المسجد الحرام فتحيته الطواف، وذلك لأن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بدأ فيه بالطواف.

قلت: هكذا ذكره ابن القيم في الهدى. وقد يقال: إنه لم يجلس فلا تحية للمسجد الحرام إذ التحية إنما تشرع لمن جلس، والداخل المسجد الحرام يبدأ بالطواف ثم يصلي صلاة المقام فلا يجلس إلا وقد صلى نعم لو دخل المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف، فإنه يشرع له صلاة التحية كغيره من المساجد، وكذلك قد استثنوا صلاة العيد لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يصل قبلها ولا بعدها، ويجاب عنه بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما جلس حتى يتحقق في حقه أنه ترك التحية، بل وصل إلى الجنانة أو إلى المسجد فإنه صلى العيد في مسجده مرة واحدة، ولم يقعد بل وصل إلى المسجد ودخل في صلاة العيد، وأما الجنابة فلا تحية لها إذ ليست بمسجد إذا، وأما إذا اشتغل الداخل بالصلاة كأن يدخل وقد أقيمت الفريضة فيدخل فيها فإنها تجزئه عن ركعتي التحية، بل هو منهي عنها بحديث: “إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة”.

باب صفة الصلاة

[رح 1/052] ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ: “إِذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتقَبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرُآنَ، ثُمَّ اركْعْ حَتَى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتِدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَى تَطْمَئنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا”. أخرجه السَّبْعَةُ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَلابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمِ: “حَتَّى تَطْمَئِنَّ قَائِماً”.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال): مخطباً للمسيء في صلاته وهو خلاد بن رافع، (إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء) تقدم أن إسباغ الوضوء إتمامه، (ثم استقبل القبلة فكبر) تكبيرة الإحرام، (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) فيه أنه لا يجب دعاء الاستفتاح، إذ لو وجب لأمره به، وظاهره أنه يجزئه من القرآن غير الفاتحة ويأتي تحقيقه، (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) فيه إيجاب الرجوع والاطمئنان فيه، (ثم ارفع) من الركوع، (حتى تعتدل قائماً) من الركوع، (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) فيه أيضاً وجوب السجود ووجوب الاطمئنان فيه، (ثم ارفع) من السجود، (حتى تطمئن جالساً) بعد السجدة الأولى، (ثم اسجد) الثانية، (حتى تطمئن ساجداً) كالأولى فهذه صفة ركعة من ركعات الصلاة قياماً وتلاوة وركوعاً واعتدالاً منه وسجوداً وطمأنينة وجلوساً بين السجدتين ثم سجدة باطمئنان كالأولى، فهذه صفة ركعة كاملة، (ثم افعل ذلك) أي جميع ما ذكر من الأقوال والأفعال إلا تكبيرة الإحرام، فإنها مخصوصة بالركعة الأولى لما علم شرعاً من عدم تكرارها (في صلاتك) في ركعات صلاتك، (كلها. أخرجه السبعة) بألفاظ متقاربة، (و) هذا (اللفظ) الذي ساقه هنا (للبخاري) وحده، (ولابن ماجه) أي من حديث أبي هريرة، (بإسناد مسلم) أي بإسناد رجاله رجال مسلم، (حتى تطئمن قائماً) عوضاً من قوله في لفظ البخاري حتى تعتدل، فدل على إيجاب الاطمئنان عند الاعتدال من الركوع، (ومثله) أي مثل ما أخرجه ابن ماجه ما في قوله.

[رح 2/152] ـ وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ رِفَاَعَةَ بْنِ رَافِعِ، عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ حَبَّانَ: “حَتَّى تَطُمَئِنَّ قَائِماً”.

وَلأَحْمَدَ: “فَأَقمْ صُلْبَكَ حَتَّى تَرْجعَ الْعظَامُ”.

وَلِلْنِّسَائِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديِثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ: “إنَّهَا لا تَتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغع الْوضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ الله تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرَ الله تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ وَيُثْنَـِيَ عَلَيْهِ”. وَفِيهَا: “فَإنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقَرَأْ وَإِلا فَاحْمَدِ الله وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ”.

وَلأَبِي دَاوُدَ: ثُمَّ اقْرأْ بِأْمِّ الْكِتابِ وَبِمَا شَاءَ الله”.

وَلابْنِ حِبَّانَ: “ثُمَّ بِمَا شِئْتَ”.

(في حديث رفاعة) بكسر الراء هو ابن رافع صحابي أنصاري شهد بدراً وأُحُداً وسائر المشاهد مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وشهد مع عليّ عليه السلام الجمل وصفين وتوفي أول إمارة معاوية، (عند أحمد وابن حبان) فإنه عندهما بلفظ: انخفضت حال الركوع ترجع إلى ما كانت عليه حال القيام للقراءة، وذلك بكمال الاعتدال، (وللنسائي) وأبي داود من حديث (رفاعة بن رافع) أي مرفوعاً، (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) في آية المائدة، (ثم يكبر الله) تكبيرة الإحرام (ويحمده) بقراءة الفاتحة إلا أن قوله: (فإن كان معك قرآن) يشعر بأن المراد بقوله يحمده غير القراءة وهو دعاء الافتتاح فيؤخذ منه وجوب مطلق الحمد والثناء بعد تكبيرة الإحرام، ويأتي الكلام في ذلك، (ويثني عليه) بها (وفيه) أي في رواية النسائي وأبي داود عن رفاعة، (فإن كان معك قرآن فاقراً وإلا) أي وإن لم يكن معك قرآن، (فاحمد الله) أي ألفاظ الحمد الله والأظهر أن يقول الحمد لله، (وكبره) بلفظ الله أكبر (وهلله) بقول لا إله إلا الله، فدل على أن هذه عوض القراءة لمن ليس له قرآن يحفظه، (ولأبي داود) أي من رواية رفاعة، (ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء ولابن حبان ثم بما شئت).

هذ حديث جليل يعرف بحديث المسيء صلاته، وقد اشتمل على تعليم ما يجب في الصلاة، وما لا تتم به فدل على وجوب الوضوء لكل قائم إلى الصلاة، كما عرف من غيره، وقد فصل ما أجملته رواية البخاري: رواية النسائي بلفظ: “حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين” وهذا التفصيل دل: على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، ويكون هذا قرينة على حمل الأمر بهما ــــ حيث ورد ــــ على الندب، ودل على إيجاب استقبال القبلة قبل تكبيرة الإحرام، وقد تقدم وجوبه، وبيان عفو الاستقبال للمتنفل الراكب.

ودل على وجوب تكبيرة الإحرام، وعلى تعيين ألفاظها رواية الطبراني لحديث رفاعة بلفظ: “ثم يقول الله أكبر” ورواية ابن ماجه التي صححها ابن خزيمة، وابن حبان: من حديث أبي حميد: من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً ورفع يديه ثم قال الله أكبر”، ومثله: أخرجه البزار من حديث علي عليه السلام، بإسناد صحيح على شرط مسلم: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر”، فهذا يبين أن المراد من تكبيرة الإحرام: هذا اللفظ.

ودل على وجوب قراءة القران في الصلاة، سواء كان الفاتحة أو غيرها لقوله: “ما تيسر معك من القران” وقوله: “فإن معك قران”، ولكن رواية أبي داود بلفظ: “فاقرأ بأُم الكتاب”، وعند أحمد، وابن حبان: “ثم اقرأ بأُم القران ثم اقرأ بما شئت”، وترجم له ابن حبان: “باب فرض المصلي فاتحة الكتاب في كل ركعة”، فمع تصريح الرواية بأم القران، يحمل قوله: “ما تيسر معك” على الفاتحة؛ لأنها كانت المتيسرة لحفظ المسلمين لها، أو يحمل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عرف من حال المخاطب: أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك، وهو يحفظ غيرها، فله أن يقرأه، أو أنه منسوخ بحديث تعيين الفاتحة، أو أن المراد: ما تيسر فيما زاد على الفاتحة، ويؤيده رواية أحمد، وابن حبان، فإنها عينت الفاتحة، وجعلت ما تيسر لما عداها، فيحتمل أن الراوي حيث قال: ما تيسر، ولم يذكر الفاتحة، ذهل عنها. ودل على إيجاب غير الفاتحة معها: لقوله: “بأم الكتاب، وبما شاء الله، أو شئت”. ودل على أن من لم يحفظ القران يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، وأنه لا يتعين عليه منه قدر مخصوص، ولا لفظ مخصوص. وقد ورد تعيين الألفاظ بأن يقول: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ودل على وجوب الركوع، ووجوب الاطمئنان فيه. وفي لفظ لأحمد بيان كيفيته فقال: “فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ومكّن ركوعك”، وفي رواية: “ثم تكبر، وتركع حتى تطمئن مفاصلك وتسترخي”. ودل على وجوب الرفع من الركوع، وعلى وجوب الانتصاب قائماً، وعلى وجوب الاطمئنان لقوله: “حتى تطمئن قائماً”. وقد قال المصنف: إنها بإسناد مسلم، وقد أخرجها السراج أيضاً بإسناد على شرط البخاري، فهي على شرط الشيخين.

ودل على وجوب السجود، والطمأنينة فيه. وقد فصلتها رواية النسائي عن إسحاق بن أبي طلحة بلفظ: “ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي”. ودل على وجوب القعود بين السجدتين. وفي رواية النسائي: “ثمَّ يكبر، فيرفع رأسه حتى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه”، وفي رواية: “فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى”، فدل على أن هيئة القعود بين السجدتين بافتراش اليسرى.

ودل على أنه يجب أن يفعل كل ما ذكر في بقية ركعات صلاته، إلا تكبيرة الإحرام؛ فإنه معلوم: أن وجوبها خاص بالدخول في الصلاة أول ركعة. ودل على إيجاب القراءة في كل ركعة، وعلى ما عرفت من تفسير ما تيسر بالفاتحة، فتجب الفاتحة في كل ركعة، وتجب قراءة ما شاء معها في كل ركعة، ويأتي الكلام على إيجاب ما عدا الفاتحة في الاخرتين، والثالثة من المغرب.

واعلم أن هذا حديث جليل، تكرر من العلماء الاستدلال به على وجوب كل ما ذكر فيه، وعدم وجوب كل ما لم يذكر فيه.

أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه واجب؛ فلأنه ساقه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بلفظ الأمر بعد قوله: “لن تتم الصلاة إلا بما ذكر فيه”.

وأما الاستدلال بأن كل ما لم يذكر فيه لا يجب؛ فلأن المقام مقام تعليم الواجبات في الصلاة. فلو ترك ذكر بعض ما يجب: لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع.

فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث الصحيح أخذ منها بالزائد، ثم إن عارض الوجوب الدال عليه ألفاظ هذا الحديث، أو عدم الوجوب: دليل أقوى منه عمل به، وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث، احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على الظاهر، فيحتاج إلى مرجح للعمل به. ومن الواجبات المتفق عليها، ولم تذكر في هذا الحديث: النية. قلت: كذا في الشرح. ولقائل أن يقول: قوله: “إذا قمت إلى الصلاة” دالّ على إيجابها إذ ليس النية إلا القصد إلى فعل الشيء. وقوله: فتوضأ: أي قاصداً له. ثم قال: والقعود الأخير: أي من الواجب المتفق عليه ولم يذكره في الحديث، ثم قال: ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيه، والسلام في اخر الصلاة.

وعن أبي حُميدٍ السّاعدي رضي الله تعالى عنه قالَ: رأيتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا كَبّرَ جعلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبيه، وإذا رَكَعَ أمْكنَ يديهِ من ركبتيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظهرَهُ، فإِذ رفعَ رأسه استَوى حتى يعُودَ كُل فَقَارٍ مَكَانَهُ، فإذا سجدَ وضَعَ يديْهِ غَيْرَ مُفْترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطرافِ أصابع رجْليْه القِبْلة، وإذا جلس في الرَّكْعتين جلس على رجْله اليُسرى ونَصَبَ الْيُمنى، وإذا جلس في الرَّكْعةِ الأخيرة قدَّمَ رجْلهُ اليُسْرَى ونَصَبَ الأخْرى، وقعدَ على مقْعدَتِهِ. أخرجه البخاري.

(وعن أبي حميد) بصيغة التصغير (الساعدي) هو أبو حميد بن عبد الرحمن بن سعد الأنصاري الخزرجي، الساعدي منسوب إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج المدني، غلب عليه كنيته، مات اخر ولاية معاوية.

(قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا كبرَ) أي للإحرام (جعل يديْه) أي كفيه (حَذْوَ:) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة (منْكبيْه) وهذا هو رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام (وإذا ركعَ أمكن يديه من ركبتيه) تقدم بيانه: في رواية أحمد لحديث المسيء صلاته: “فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ومكن ركوعك” (ثمَّ هَصَر) بفتح الهاء فصاد مهملة مفتوحة فراء (ظهْره) قال الخطابي: أي ثناه في استواء من غير تقويس، وفي رواية للبخاري: “ثم حنى” بالحاء المهملة والنون وهو بمعناه، وفي رواية: “غير مقنع رأسه ولا مصوبه”، وفي رواية: “وفرّج بين أصابعه” (فإذا رفع رأسه) أي من الركوع (استوى) زاد أبو داود: ــــ فقال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ورفع يديه”، وفي رواية لعبد الحميد زيادة: “حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلاً” (حتى يعود كل فقار) بفتح الفاء والقاف اخره راء جمع فقارة، وهي عظام الظهر، وفيها رواية بتقديم القاف على الفاء (مكانه) وهي التي عبر عنها في حديث رفاعة بقوله: حتى ترجع العظام” (فإذا سجد وضع يديه غير مفترش) أي لهما. وعند ابن حبان: “غير مفترش ذراعيه”، (ولا قابضهما) بأن يضمهما إليه (واستقبل بأطراف أصابع رجليْه القبلة) ويأتي بيانه في شرح حديث: “أمرت أن أسجد على سبعة أعظم” (وإذا جلس في الركعتين) جلوس التشهد الأوسط (جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة) للتشهد الأخير (قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. أخرجه البخاري).

حديث أبي حميد هذا روى عنه قولاً، وروى عنه فعلاً، واصفاً فيهما صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وفيه بيان صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وأنه كان عند تكبيرة الإحرام يرفع يديه حذو منكبيه، ففيه دليل على أن ذلك من أفعال الصلاة، وأن رفع اليدين مقارن للتكبير، وهو الذي دل عليه حديث وائل بن حجر عند أبي داود، وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، فورد بلفظ: “رفع يديه ثم كبر”، وبلفظ “كبر ثم رفع يديه”. وللعلماء قولان: الأول: مقارنة الرفع للتكبير. والثاني: تقديم الرفع على التكبير، ولم يقل أحد بتقديم التكبير على الرفع، فهذه صفته.

وفي المنهاج وشرحه النجم الوهاج: الأول: رفعه ــــ وهو الأصح ــــ مع ابتدائه؛ لما رواه الشيخان عن ابن عمر: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر” فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا استصحاب في انتهائه، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع، أو بالعكس أتم الاخر، فإن فرغ منهما حط يديه، ولم يستدم الرفع. والثاني: يرفع غير مكبر ثم يكبر، ويداه قارتان، فإذا فرغ أرسلهما، لأن أبا داود رواه كذلك بإسناد حسن، وصحح هذا البغوي، واختاره الشيخ، ودليله في مسلم في رواية ابن عمر. والثالث: يرفع مع ابتداء التكبير ويكون انتهاؤه مع انتهائه، ويحطهما بعد فراغ التكبير، لا قبل فراغه، لأن الرفع للتكبير، فكان معه، وصححه المصنف، ونسبه إلى الجمهور. انتهى بلفظه، وفيه تحقيق الأقوال، وأدلتها، ودلت الأدلة أنه من العمل المخير فيه، فلا يتعين شيء بحكمه.

وأما حكمه فقال داود، والأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وجماعة: إنه واجب، لثبوته من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فإنه قال المصنف: إنه روى رفع اليدين في أول الصلاة خمسون صحابياً، منهم العشرة المشهود لهم الجنة. وروى البيهقي عن الحاكم قال: لا تعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من الصحابة، مع تفرقهم في البلاد الشاسعة: غير هذه السنة. قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله. قال الموجبون: قد ثبت الرفع عند تكبيرة الإحرام هذا الثبوت، وقد قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” فلذا قلنا بالوجوب.

وقال غيرهم: إنه سنة من سنن الصلاة، وعليه الجمهور، وزيد بن عليّ، والقاسم، والناصر، والإمام يحيى. وبه قالت الأئمة الأربعة من أهل المذاهب، ولم يخالف فيه، ويقول: إنه ليس سنة، إلا الهادي، وبهذا تعرف: أن من روى عن الزيدية: أنهم لا يقولون به، فقد عمم النقل بلا علم. هذا.

وأما إلى أي محل يكون الرفع، فرواية أبي حميد هذه تفيد: أنه إلى مقابل المنكبين، والمنكب مجمع رأس عظم الكتف والعضد، وبه أخذت الشافعية، وقيل: إنه يرفع حتى يحاذي بهما فروع أذنيه، لحديث وائل بن حجر بلفظ: “حتى حاذى أذنيه” وجمع بين الحديثين: بأن المراد أنه يحاذي بظهر كفيه المنكبين، وبأطراف أنامله الأذنين، كما تدل له رواية لوائل عند أبي داود بلفظ: “حتى كانت حيال منكبيه ويحاذي بإبهاميه أذنيه”.

وقوله: “أمكن يديه من ركبتيه” قد فسر هذا الإمكان رواية أبي داود: “كأنه قابض عليهما”، وقوله: “هصر ظهره” تقدم قول الخطابي فيه، وتقدم في رواية: “ثم حنى” بالحاء المهملة والنون، وهو بمعناه، وفي رواية “غير مقنع رأسه ولا مصوبه” في رواية “وفرج بين أصابعه” وقد سبق. وقوله: “حتى يعود كل فقار” المراد منه: كمال الاعتدال، وتفسره رواية: “ثم يمكث قائماً حتى يقع كل عضو موضعه”.

وفي ذكره كيفية الجلوسين الجلوس الأوسط، والأخير: دليل على تغايرهما، وأنه في الجلسة الأخيرة يتورّك: أي يفضي بوركه إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى، وفيه خلاف بين العلماء سيأتي، وبهذا الحديث عمل الشافعي، ومن تابعه.

وعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه عنْ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنّهُ كان إذا قام إلى الصلاة قالَ: “وجّهْتُ وجْهي للذي فَطَرَ السّمواتِ والأرض ــــ إلى قوله: منَ المُسْلمين، اللهمَّ أنت الملك لا إلهَ إلاَّ أنت، أَنْت ربِّي وأنا عَبْدُك ــــ إلى اخره” رواهُ مُسْلمٌ، وفي رواية له: إنَّ ذلك في صلاة الليل.

(وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي للذي فطر السموات) أي قصدت بعبادتي (إلى قوله: من المسلمين) وفيه روايتان: أن يقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} بلفظ الاية، ورواية: وأنا من المسلمين، وإليها أشار المصنف (اللهم أنت الملك لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدكَ إلى اخره. رواه مسلم) تمامه: “ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك”.

وقوله: “فطر السموات والأرض” أي ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق. وقوله: “حنيفاً” أي مائلاً إلى الدين الحق، وهو الإسلام، وزيادة: “وما أنا من المشركين” بيان للحنيف، وأيضاً لمعناه، النسك: العبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص. وقوله: “ومحياي ومماتي” أي حياتي وموتي لله: أي هو المالك لهما والمختص بهما. وقوله: “رب العالمين” الرب: الملك، والعالمين جمع عالم مشتق من العلم، وهو اسم لجميع المخلوقات، كذا قيل. وفي القاموس العالم: الخلق كله، أو ما حواه بطن الفلك، ولا يجمع فاعل بالواو والنون غيره، وغير ياسم.

وقوله: “لا شريك له” تأكيد لقوله: “رب العالمين” المفهوم منه الاختصاص. وقوله: “اللهم أنت الملك” أي المالك لجميع المخلوقات. وقوله: “ظلمت نفسي” اعتراف بظلم نفسه، قدمه على سؤال المغفرة. ومعنى (لبيك) أقيم على طاعتك، وامتثال أمرك إقامة متكررة “وسعديك” أي أسعد أمرك، وأتبعه إسعاداً متكرراً. ومعنى “الخير كله في يديك” الإقرار بأن كل خير واصل إلى العباد، ومرجو وصوله، فهو في يديه تعالى. ومعنى “والشر ليس إليك” أي ليس مما يتقرب إليه به: أي يضاف إليك، فلا يقال يا رب الشر، أو لا يصعد إليك؛ فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب، ومعنى “أنا بك وإليك” أي: التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك، ومعنى “تباركت”: استحققت الثناء، أو ثبت الخير عندك، فهذا ما يقال في الاستفتاح مطلقاً.

(وفي رواية له) أي لمسلم: (أنَّ ذلك) كان يقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (في صلاة الليل) ، ونقل المصنف في التلخيص عن الشافعي، وابن خزيمة: أنه يقال في المكتوبة، وأن حديث علي عليه السلام ورد فيها، فعلي كلامه هنا يحتمل أنه مختص بها هذا الذكر، ويحتمل أنه عام، وأنه يخير العبد بين قوله عقيب التكبير، أو قول ما أفاده:

وعنْ أبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا كبّرَ لِلصَّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يقْرأَ، فسَأَلْتُهُ، فقالَ: “أقولُ: اللّهُمَّ باعدْ بيْني وبَيْنَ خطاياي كما باعدْتَ بين المشرق والمغْرِبِ، اللَّهُمَّ نقِّني من خَطايايَ، كما ينقّى الثّوبُ الأبيض من الدَّنس، اللهُمَّ اغسلني من خطايايَ بالماءِ والثلجِ والبرَدِ” متفق عليه.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا كبر في الصلاة) أي تكبيرة الإحرام (سكت هُنيهة) بضم الهاء فنون فمثناة تحتية فهاء مفتوحة فتاء: أي ساعة لطيفة (قبل أن يقرأ فسألته) أي عن سكوته ما يقول فيه: (فقال: أقول: اللهم باعد ببين وبين خطاياي) المباعدة المراد بها: محو ما حصل منها، أو العصمة عما يأتي منها (كما باعدت بين المشرق والمغرب) فكما لا يجتمع المشرق والمغرب، لا يجتمع هو وخطاياه (اللهم نقِّني من خطايايَ، كما ينقى الثوبُ الأبيضُ من الدنس) بفتح الدال المهملة والنون فسين مهملة. في القاموس: أنه: الوسخ، والمراد: أزل عني الخطايا بهذه الإزالة (اللهم اغسلني من خطاياي بالماءِ والثلج والبرَد) بالتحريك جمع بردة قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيد، أو لأنهما ماءان لم تستعملها الأيدي. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي تكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، وفيه أقوال أخر (متفق عليه).

وفي الحديث دليل: على أنه يقول هذا الذكر بين التكبيرة، والقراءة سراً، وأنه يخير العبد بين هذا الدعاء، والدعاء الذي في حديث علي عليه السلام، أو يجمع بينهما.

وعن عمر رضي الله عنه أنه كانَ يقولُ: سُبحانك اللهُمَّ وبحمدِكَ، وتَبَارَكَ اسمُك، وتعالى جَدُّكَ، ولا إله غيرُكَ، رواهُ مُسْلمٌ بسَنَدٍ منقطعٍ. ورواهُ الدارقطني موصولاً وموقُوفاً.

(وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول:) أي بعد تكبيرة الإحرام (سُبحانك اللهم وبحمدك) أي أسبحك حال كوني متلبساً بحمدك (تبارك اسمك، وتعالى جدُّكَ، ولا إله غيركَ. رواه مسلم بسند منقطع).

قال الحاكم: قد صح عن عمر. وقال في الهدي النبوي: إنه قد صح عن عمر: أنه كان يستفتح به في مقام النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ويجهر به، ويعلمه الناس، وهو بهذا الوجه في حكم المرفوع، ولذا قال الإمام أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلاً استفتح ببعض ما روي لكان حسناً، وقد ورد في التوجه بألفاظ كثيرة، والقول: بأنه يخير العبد بينها: قول حسن. وأما الجمع بين هذا وبين “وجهت وجهي” الذي تقدم، فقد ورد في حديث ابن عمر رواه الطبراني في الكبير وفي رواته ضعف (والدارقطني) عطف على مسلم: أي ورواه الدارقطني (موصولاً وموقوفاً) على عمر، وأخرجه أبو داود، والحاكم من حديث عائشة مرفوعاً: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك” الحديث. ورجال إسناده ثقات، وفيه انقطاع، وأعله أبو داود. وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

ونحوه عنْ أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه مرفوعاً عنْدَ الخمسة، وفيه وكان يقولُ بعد التّكبير: “أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرَّجيم، من همزهِ، ونفْخهِ، ونَفْثِهِ”.

(ونحوه) أي نحو حديث عمر (عن أبي سعيد مرفوعاً عند الخمسة، وفيه: وكان يقول بعد التكبير: أعوذ بالله السميع) لأقوالهم (العليم) بأقوالهم، وأفعالهم، وضمائرهم (من الشيطان الرجيم) المرجوم (من همزه) المراد به الجنون (ونَفْخه) بالنون فالفاء فالخاء المعجمة، والمراد به: الكبر (ونفثه) بالنون والفاء والمثلثة المراد به: الشعر وكأنه أراد به: الهجاء.

والحديث دليل: على الاستعاذة، وأنها بعد التكبيرة، والظاهر أنها أيضاً بعد التوجه بالأدعية؛ لأنها تعوذ القراءة، وهو قبلها.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَسْتفتِح الصَّلاةَ بالتّكبير، والقِرَاءَةَ بالحمد لله ربِّ العالمين. وكانَ إذا رَكَعَ لم يشْخِصْ رأسَهُ، ولمْ يُصَوِّبْهُ، ولكنْ بيْن ذلك. وكان إذا رَفَعَ من الركُوع لم يسْجُد حتى يسْتوي قائماً. وكانَ إذا رفَعَ رأسَهُ منَ السّجود، لم يسْجُدْ حتى يسْتويَ جَالِساً. وكانَ يقُولُ في كُلِّ ركعتين التّحِيَّةَ. وكان يَفْرشُ رجْلَهُ اليُسْرى ويَنْصِبُ الْيمنى. وكانَ ينْهى عنْ عُقْبَةِ الشّيطان، وينهى أنْ يفترشَ الرَّجل ذراعيهِ افْتراشَ السّبُع. وكان يخْتمُ الصَّلاة بالتسليم. أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ، ولَهُ عِلّةٌ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يستفتح) أي يفتتح (الصلاة بالتكبير) أي يقول: الله أكبر، كما ورد بهذا اللفظ في الحلية لأبي نعيم، والمراد: تكبيرة الإحرام، ويقال لها: تكبيرة الافتتاح (والقراءة) منصوب عطف على الصلاة: أي ويستفتح القراءة (بالحمد) بضم الدال على الحكاية (لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص) بضم المثناة التحتية فشين فخاء معجمتان فصاد مهملة (رأسه) أي لم يرفعه (ولم يصَوِّبهُ) بضمها أيضاً وفتح الصاد المهملة وكسر الواو المشددة (أي لم يخفضه خفضاً بليغاً، بل بين الخفض والرفع، وهو التسوية، كما دل له قوله: (ولكن بين ذلك) أي بين المذكور من الخفض والرفع (وكان إذا رفع) أي رأسه (من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً) تقدم في حديث أبي هريرة في أول الباب: “ثم ارفع حتى تعتدل قائماً” (وكان إذا رفع رأسه من السجود): أي الأول (لم يسجد) الثانية (حتى يَسْتوي) بينهما (جالساً) وتقدم: “ثم ارفع حتى تطمئن جالساً” (وكان يقول: في كل ركعتين) أي بعدهما (التحية) أي يتشهد بالتحيات لله، كما يأتي. ففي الثلاثية والرباعية، المراد به: الأوسط، وفي الثنائية: الأخير (وكان يفْرش رجلهُ اليسرى وينصب اليُمنى) ظاهره: أن هذا جلوسه في جميع الجلسات بين السجودين، وحال التشهدين. وتقدم في حديث أبي حميد: “وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى” (وكان ينهى عن عُقْبة الشيطان) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة، ويأتي تفسيرها (وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السّبع) بأن يبسطهما في سجوده، وفسر السبع: بالكلب، وورد في رواية: بلفظه، (وكان يختم الصلاة بالتسليم. أخرجه مسلم، وله علة) وهي: أنه أخرجه مسلم من رواية أبي الجوزاء بالجيم والزاي عن عائشة. قال ابن عبد البر: هو مرسل، أبو الجوزاء لم يسمع من عائشة. وأعل أيضاً: بأنه أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي مكاتبة.

والحديث فيه دلالة: على تعيين التكبير عند الدخول في الصلاة، وتقدم الكلام فيه: في حديث أبي هريرة أول الباب: واستدل بقولها: “والقراءة بالحمد”: على أن البسملة ليست من الفاتحة، وهو قول أنس، وأبيّ من الصحابة، وقال به مالك، وأبو حنيفة، واخرون، وحجتهم هذا الحديث.

وقد أجيب عنه: بأن مرادها بالحمد لله رب العالمين: السورة نفسها، لا هذا اللفظ؛ فإن الفاتحة تسمى بالحمد لله رب العالمين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، فلا حجة فيه على أن البسملة ليست من الفاتحة، ويأتي الكلام عليه مستوفى في حديث أنس قريباً. وتقدم الكلام على أنه في ركوعه لا يرفع رأسه، ولا يخفضه، كما تقدم على قوله: “وكان إذا رفع رأسه” إلى قوله:

“وكان يقول: التحية” والمراد بها: الثناء المعروف بالتحيات لله: الاتي لفظه في حديث ابن مسعود إن شاء الله تعالى، ففيه شرعية التشهد الأوسط، والأخير. ولا يدل على الوجوب؛ لأنه فعل، إلا أن يقال: إنه بيان لإجمال الصلاة في القران: المأمور بها وجوباً، والأفعال لبيان الواجب واجبة، أو يقال: بإيجاب أفعال الصلاة لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” وقد اختلف في التشهدين، فقيل: واجبان، وقيل: سنتان، وقيل: الأول سنة، والأخير واجب، ويأتي الكلام في حديث ابن مسعود إن شاء الله تعالى: على التشهد الأخير.

وأما الأوسط، فإنه استدل من قال بالوجوب بهذا الحديث كما قررناه، وبقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله” الحديث. ومن قال: بأنها سنة، استدل بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما سها عنه، لم يعد لأدائه، وجبره بسجود السهو، ولو وجب لم يجبره سجود السهو، كالركوع وغيره من الأركان، وقد رد هذا الاستدلال: بأنه يجوز أن يكون الوجوب مع الذكر، فإن نسي حتى دخل في فرض اخر: جبره سجود السهو.

وفي قولها: “وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى” ما يدل على أنه كان جلوسه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بين السجدتين، وحال التشهد، وقد ذهب إليها الهادوية، والحنفية، ولكن حديث أبي حميد الذي تقدم فرَّق بين الجلوسين، فجعل هذا صفة الجلوس بعد الركعتين، وجعل صفة الجلوس الأخير: تقديم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، والقعود على مقعدته. وللعلماء خلاف في ذلك، والظاهر: أنه من الأفعال المخير فيها.

وفي قولها: “ينهى عن عقبة الشيطان” أي في القعود، وفسرت بتفسيرين: أحدهما: أنه يفترش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه، ولكن هذه القعدة اختارها العبادلة في القعود غير الأخير، وهذه تسمى إقعاء، وجعلوا المنهي عنه هو الهيئة الثانية، وتسمى أيضاً: إقعاء وهي: أن يلصق الرجل أليتيه في الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الأرض، كما يقعى الكلب. وافتراش الذراعين تقدم أنه: بسطهما على الأرض حال السجود، وقد نهى صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن التشبه بالحيوانات، نهى عن بروك: كبروك البعير، والتفات: كالتفات الثعلب، وافتراش: كافتراش السبع، وإقعاء: كإقعاء الكلب، ونقر: كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام: كأذناب خيل شمس.

وفي قولها: “وكان يختم الصلاة بالتسليم” دلالة على شرعية التسليم، وأما إيجابه فيستدل له بما قدمناه سابقاً.

وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يرفعُ يديْهِ حَذْوَ مَنْكبيهِ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذَ كَبّرَ للرُّكوعِ، وإذا رفع رأسهُ منَ الرُّكوعِ. متفق عليه.

(وعن ابن عمر: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يرفع يديه حذوَ) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة: أي مقابل (منكبيه إذا افتتح الصلاة) تقدم في حديث أبي حميد الساعدي (وإذا كبّر للركوع) رفعهما (وإذا رفع رأسه) أي أراد أن يرفعه (من الركوع. متفق عليه).

فيه شرعية رفع اليدين في هذه الثلاثة المواضع. أما عند تكبيرة الإحرام، فتقدم فيه الكلام. وأما عند الركوع والرفع منه، فهذا الحديث دل على مشروعية ذلك. قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على ذلك، إلا أهل الكوفة.

قلت: والخلاف فيه للهادوية مطلقاً في المواضع الثلاثة. واستدل للهادي في البحر بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مالي أراكم. الحديث”. قلت: وهو إشارة إلى حديث جابر بن سمرة، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظه عنه قال: “كنا إذا صلينا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، قلنا بأيدينا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى الجانبين، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: علام تومئون بأيديكم. مالي أرى أيديكم، كأذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه: عن يمينه وشماله” انتهى بلفظه، وهو حديث صريح في أنه كان ذلك في إيمائهم بأيديهم عند السلام، والخروج من الصلاة، وسببه صريح في ذلك.

وأما قوله: “اسكنوا في الصلاة” فهو عائد إلى ما أنكره عليهم: من الإيماء إلى كل حركة في الصلاة: فإنه معلوم أن الصلاة مركبة من حركات، وسكون، وذكر الله. قال المقبلي في المنار على كلامم الإمام المهدي: إن كان هذا غفلة من الإمام إلى هذا الحد، فقد أبعد، وإن كان مع معرفته حقيقة الأمر فهو أورع وأرفع من ذلك. والإكثار في هذا لجاج مجرد، وأمر الرفع أوضح من أن تورد له الأحاديث المفردات، وقد كثرت كثرة لا توازى، وصحت صحة لا تمنع، ولذا لم يقع الخلاف المحقق فيه إلا للهادي فقط، فهي من النوادر التي تقع لأفراد العلماء، مثل مالك، والشافعي، وغيرهما، ما أحد منهم إلا له نادرة، ينبغي أن تغمر في جنب فضله، وتجتنب، انتهى.

وخالفت الحنفية فيما عدا الرفع عند تكبيرة الإحرام، واحتجوا برواية مجاهد: “أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ذلك”، وبما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: “بأنه رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرفع يديه عند الافتتاح، ثم لا يعود”، وأجيب: بأن الأول فيه أبو بكر بن عياش، وقد ساء حفظه؛ ولأنه معارض برواية نافع، وسالم ابن عمر لذلك، وهما مثبتان، ومجاهد ناف، والمثبت مقدم، وبأن تركه لذلك إذا ثبت، كما رواه مجاهد، يكون مبيناً لجوازه، وأنه لا يراه واجباً، وبأن الثاني وهو حديث ابن مسعود لم يثبت كما قال الشافعي، ولو ثبت لكانت رواية ابن عمر مقدمة عليه؛ لأنها إثبات، وذلك نفي، والإثبات مقدم.

وقد نقل البخاري عن الحسن، وحميد بن هلال: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحداً، ونقل عن شيخه علي بن المديني أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع منه؛ لحديث ابن عمر، هذا. وزاد البخاري في موضع اخر بعد كلام ابن المديني: وكان عليّ أهم أهل زمانه، قال: ومن زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، ويدل له قوله:

وفي حديث أبي حُميدٍ، عند أبي داود: يرفعُ يديهِ حتى يحاذي بِهِمَا مَنْكبيه. ثمَّ يكبرُ.

(وفي حديث أبي حُميدٍ، عند أبي داود: يرفعُ يديهِ حتى يحاذي بِهِمَا مَنْكبيه. ثمَّ يكبرُ).

تقدم حديث أبي حميد من رواية البخاري، لكن ليس فيه ذكر الرفع إلا عند تكبيرة الإحرام، بخلاف حديثه عند أبي داود، ففيه إثبات الرفع في الثلاثة المواضع، كما أفاده حديث ابن عمر، ولفظه عند أبي داود: “كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائماً، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه” الحديث، تمامه: “ثم قال الله أكبر، وركع، ثم اعتدل، فلم يصوب رأسه، ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمد، ورفع يديه، واعتدل حتى رجع كل عظم إلى موضعه معتدلاً. الحديث”. فأفاد رفعه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يديه في الثلاثة المواضع.

وكان على المصنف أن يقول بعد قوله ثم يكبر: الحديث، ليفيد: أن الاستدلال به جميعه، فإنه قد يتوهم أن حديث أبي حميد ليس فيه إلا الرفع عند تكبيرة الإحرام، كما أن قوله:

ولمسلم عن مالك بن الْحُوَيْرثِ نحو حديث ابن عُمَرَ، لكن قالَ: حتى يحاذي بهمَا فُروع أُذُنَيْهِ.

(ولمسلم عن مالك بن الحويرث: نحو حديث ابن عمر) أي الرفع في الثلاثة المواضع (لكن قال: حتى يحاذي بهما) أي اليدين (فروع أذنيه) أطرافهما. فخالف رواية ابن عمر، وأبي حميد في هذا اللفظ. فذهب البعض إلى ترجيح رواية ابن عمر؛ لكونها متفقاً عليها، وجمع اخرون بينهما فقالوا: يحاذي بظهر كفيه المنكبين، وبأطراف أنامله الأذنين، وأيدوا ذلك برواية أبي داود عن وائل بلفظ: “حتى كانت حيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه”، وهذا جمع حسن.

وعن وائل بن حُجْر قالَ: صَلّيْتُ مع النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فوضَعَ يدَهُ الْيُمْنَى على يدهِ اليُسْرى على صدره. أخْرَجَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ.

(وعن وائل) بفتح الواو وألف فهمزة، هو أبو هنيد بضم الهاء وفتح النون (بن حُجْر) بن ربيعة الحضرمي، كان أبوه من ملوك حضرموت، وفد وائل على النبي صلى الله عليه واله وسلم، فأسلم، ويقال: إنه صلى الله عليه واله وسلم بشر أصحابه قبل قدومه فقال: “يقدم عليكم وائل بن حجر من أرض بعيدة، طائعاً، راغباً في الله عز وجل وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه صلى الله عليه واله وسلم رحب به وأدناه من نفسه، وبسط له رداءه فأجلسه عليه وقال: اللهم بارك على وائل وولده، واستعمله على الأقيال من حضرموت”، روى له الجماعة، إلا البخاري، وعاش إلى زمن معاوية، وبايع له. (قال: صلّيْت مع رسول الله: صلى الله عليه واله وسلم، فوضع يدهُ اليمنى على يده اليسرى على صدره: أخرجه ابن خزيمة) ، وأخرج أبو داود والنسائي بلفظ: “ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد”، الرسغ: بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة: هو المفصل بين الساعد والكف.

والحديث: دليل على مشروعية الوضع المذكور في الصلاة، ومحله على الصدر، كما أفاد هذا الحديث، وقال النووي في المنهاج: ويجعل يديه تحت صدره. قال في شرح النجم الوهاج: عبارة الأصحاب “تحت صدره” يريد، والحديث بلفظ: “على صدره” قال: وكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيراً، وقد ذهب إلى مشروعيته زيد بن علي، وأحمد بن عيسى. وروى أحمد بن عيسى حديث وائل هذا في كتابه الأمالي، وإليه ذهبت الشافعية، والحنفية. وذهبت الهادوية إلى عدم مشروعيته، وأنه يبطل الصلاة لكونه فعلاً كثيراً. قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيه خلاف، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين. قال: وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر، وغيره عن مالك غيره، وروى عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه.

وعن عبادة بنِ الصّامتِ قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا صَلاةَ لمَنْ لمْ يقرَأْ بأُمِّ القران” متفقٌ عليه.

وفي رواية، لابن حبّان والدَّارقُطنيِّ: “لا تُجْزىء صلاةٌ لا يُقْرَأ فيها بفاتحة الكتاب”.

وفي أُخرى، لأحْمَد وأبي داود، والترمذي، وابن حِبّان: “لَعلّكُمْ تقْرَءون خَلْف إمامِكُمْ”؟ قُلنا: نعم. قال: “لا تَفْعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنهُ لا صلاةَ لمنْ لمْ يقرأ بها”.

(وعن عبادة) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف دال مهملة، وهو أبو الوليد عبادة (بن الصامت) بن قيس الخزرجي الأنصاري السالمي، كان من نقباء الأنصار، وشهد العقبة الأولى، والثانية، والثالثة، وشهد بدراً، والمشاهد كلها، وجهه عمر إلى الشام قاضياً، ومعلماً، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، وقيل: في بيت المقدس سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.

(قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا صلاة لمنْ لم يقرأ بأُمِّ القران. متفقٌ عليه) هو دليل على نفي الصلاة الشرعية إذا لم يقرأ فيها المصلي بالفاتحة؛ لأن الصلاة مركبة من أقوال وأفعال، والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه، وبانتفاء البعض، ولا حاجة إلى تقدير نفي الكمال؛ لأن التقدير إنما يكون عند تعذر صدق نفي الذات، إلا أن الحديث الذي أفاده قوله: (وفي رواية لابن حبان، والدارقطني: لا تجزىء صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) فيه دلالة: على أن النفي متوجه إلى الإجزاء، وهو كالنفي للذات في المال؛ لأن ما لا يجزىء، فليس بصلاة شرعية.

والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا يدل على إيجابها في كل ركعة، بل في الصلاة جملة، وفيه احتمال أنه في كل ركعة؛ لأن الركعة تسمى صلاة، وحديث المسيء صلاته قد دل على أن كل ركعة تسمى صلاة؛ لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد أن علمه ما يفعله في ركعة: “وافعل ذلك في صلاتك كلها” فدل على إيجابها في كل ركعة؛ لأنه أمر أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وإلى وجوبها في كل ركعة ذهبت الشافعية، وغيرهم.

وعند الهادوية، واخرين: أنها لا تجب قراءتها في كل ركعة، بل في جملة الصلاة.

والدليل ظاهر مع أهل القول الأول. وبيانه من وجهين:

الأول: أن في بعض ألفاظه بعد تعليمه صلى الله عليه واله وسلم له ما ذكره: من القراءة، والركوع، والسجود، والاطمئنان إلى اخره، أنه قال الراوي: فوصف أي: رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واله الصلاة هكذا أربع ركعات، حتى فرغ، ثم قال: “لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك” ومعلوم أن المراد من قوله يفعل ذلك، أي: كل ما ذكره من القراءة بأم الكتاب، وغيرها في كل ركعة لقوله: فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات.

والثاني: أن ما ذكره صلى الله عليه واله وسلم مع القراءة: من صفات الركوع، والسجود، والاعتدال، ونحوه: مأمور به في كل ركعة، كما يفيده هذا الحديث. والمخالف في قراءة الفاتحة في كل ركعة، لا يقول ــــ إنه يكفي الركوع والسجود والاطمئنان في ركعة واحدة من صلاته؛ أو يفرقها في ركعاتها، فكيف يقول: إن القراءة بالفاتحة تنفرد من بين هذه المأمورات بأنها لا تجب إلا في ركعة واحدة، أو يفرق بين الركعات؟ وهذا تفريق بين أجزاء الدليل بلا دليل فتعين حينئذ أن المراد من قوله: “ثم افعل ذلك في صلاتك كلها”: في ركعاتها، ثم رأيت بعد كتبه: أنه أخرج أحمد، والبيهقي، وابن حبان بسند صحيح، أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم واله قال لخلاد بن رافع وهو المسيء صلاته: “ثم اصنع ذلك في كل ركعة”؛ ولأنه صلى الله عليه واله وسلم كان يقرأ بها في كل ركعة، كما رواه مسلم، وقال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”.

ثم ظاهر الحديث وجوب قراءتها في سرية وجهرية: للمنفرد، والمؤتم. أما المنفرد فظاهر، وأما المؤتم فدخوله في ذلك واضح، وزاده إيضاحاً في قوله: (وفي أخرى) من رواية عبادة (لأحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن حبان: لعلكم تقْرءُون خلفَ إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتابِ، فإنهُ لا صلاة لمنْ لم يقرأ بها) ، فإنه دليل على إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام تخصيصاً، كما دل اللفظ الذي عند الشيخين بعمومه، وهو أيضاً ظاهر في عموم الصلاة: الجهرية، والسرية، وفي كل ركعة أيضاً، وإلى هذا مذهب الشافعية.

وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يقرؤها المؤتم خلف إمامه في الجهرية إذا كان يسمع قراءته، ويقرؤها في السرية، وحيث لا يسمع في الجهرية. وقالت الحنفية: لا يقرؤها المأموم في سرية ولا جهرية، وحديث عبادة: حجة على الجميع.

واستدلالهم بحديث: “من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام قراءة له” مع كونه ضعيفاً. قال المصنف في التلخيص: بأنه مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة، كلها معلولة انتهى، وفي المنتهى: رواه الدارقطني من طرق كلها ضعاف، والصحيح أنه مرسل، لا يتم به الاستدلال؛ لأنه عام. لأن لفظ قراءة الإمام اسم جنس مضاف يعم كل ما يقرؤه الإمام، وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، وحديث: “إذا قرأ فأنصتوا”، فإن هذه عمومات في الفاتحة وغيرها، وحديث عبادة خاص بالفاتحة فيخص به العام.

ثم اختلف القائلون بوجوب قراءتها خلف الإمام، فقيل، في محل سكتاته بين الايات، وقيل: في سكوته بعد تمام قراءة الفاتحة، ولا دليل على هذين القولين في الحديث، بل حديث عبادة دال أنها تقرأ عند قراءة الإمام الفاتحة، ويزيده إيضاحاً: ما أخرجه أبو داود من حديث عبادة: “أنه صلى خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القران، فلما انصرفوا من الصلاة، قال لعبادة بعض من سمعه يقرأ: سمعتك تقرأ بأم القران وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة. قال: فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرءُون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: نعم، إنا نصنع ذلك، قال: فلا، وأنا أقول: مالي ينازعني القران، فلا تقرءُوا بشيء إذا جهرت إلا بأُمِّ القران. فهذا عبادة راوي الحديث قرأ بها جهراً خلف الإمام؛ لأنه فهم من كلامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه يقرأ بها خلف الإمام جهراً، وإن نازعه.

وأما أبو هريرة، فإنه أخرج عنه أبو داود: أنه لما حدث بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأُم القران، فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام”. قال له الراوي عنه، وهو أبو السائب مولى هشام بن زهرة: يا أبا هريرة إني أكون أحياناً وراء الإمام، فغمز ذراعه، وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك. الحديث. وأخرج عن مكحول: أنه كان يقول: اقرأ في المغرب، والعشاء، والصبح بفاتحة الكتاب، وفي كل ركعة سراً، ثم قال مكحول: اقرأ بها فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراً، فإن لم يسكت قرأتها قبله، ومعه، وبعده، لا تتركها على حال. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: “أنه أمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أن ينادي في المدينة: أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد”، وفي لفظ: “إلا بقران، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد”، إلا أنه يحمل على المنفرد، جمعاً بينه وبين حديث عبادة: الدالّ على أنه لا يقرأ خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب.

وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وأبا بكر وعُمَر كانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاة بالحمد لله ربِّ العالمين، متفق عليه.

زاد مسلمٌ: لا يَذكرونَ (بسم الله الرحمن الرحيم في أوَّل قِراءةٍ ولا في اخرها.

وفي رواية لأحمَدَ والنسائي وابن خُزيمة: لا يَجْهَرون ببسمِ الله الرَّحمنِ الرحيمِ.

وفي أُخرى لابن خُزيمة: كانوا يُسرونَ.

وعلى هذا يحمل النّفيُ في رواية مسلم، خلافاً لمنْ أَعَلّها.

(وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأبا بكر، وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين) أي: القراءة في الصلاة بهذا اللفظ (متفق عليه). ولا يتم هنا أن يقال: ما قلناه في حديث عائشة: أن المراد بالحمد لله رب العالمين السورة، فلا يدل على حذف البسملة، بل يكون دليلاً عليها، إذ هي من مسمى السورة لقوله: (زاد مسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، في أول قراءة، ولا في اخرها) زيادة في المبالغة في النفي، وإلا فإنه ليس في اخرها بسملة، ويحتمل أن يريد باخرها: السورة الثانية التي تقرأ بعد الفاتحة.

والحديث دليل: على أن الثلاثة كانوا لا يسمعون من خلفهم لفظ البسملة عند قراءة الفاتحة جهراً، مع احتمال أنهم يقرءون البسملة سراً، ولا يقرءونها أصلاً، إلا أن قوله: (وفي رواية) أي عن أنس (لأحمد، والنسائي، وابن خزيمة: لا يجْهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) يدل بمفهومه أنهم يقرءونها سراً، ودل قوله: (وفي أخرى) أي رواية أخرى عن أنس (لابن خزيمة: كانوا يسرون) فمنطوقه أنهم كانوا يقرءون بها سراً، ولذا قال المصنف: (وعلى هذا) أي على قراءة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأبي بكر، وعمر البسملة سراً (يحمل النفي في رواية مسلم) حيث قال: لا يذكرون: أي: لا يذكرونها جهراً (خلافاً لمن أعلها) أي أبدى علة لما زاده مسلم، والعلة هي: أن الأوزاعي روى هذه الزيادة عن قتادة مكاتبة، وقد ردت هذه العلة: بأن الأوزاعي لم ينفرد بها، بل قد رواها غيره رواية صحيحة.

والحديث قد استدل به من يقول: إن البسملة لا يجهر بها في الفاتحة، ولا في غيرها، بناء على أن قوله: ولا في اخرها مراد به أول السورة الثانية، ومن أثبتها قال: المراد: أنه لم يجهر بها الثلاثة حال جهرهم بالفاتحة، بل يقرءونها سراً، كما قرره المصنف. وقد أطال العلماء في هذه المسئلة الكلام، وألف فيها بعض الأعلام، وبين أن حديث أنس مضطرب.

قال ابن عبد البر في الاستذكار: بعد سرده روايات حديث أنس هذه ما لفظه: هذا الاضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء الذين يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم، والذين لا يقرؤونها. وقد سئل عن ذلك أنس فقال: كبرت سني ونسيت انتهى، فلا حجة فيه. والأصل: أن البسملة من القران. وطال الجدال بين العلماء من الطوائف؛ لاختلاف المذاهب، وقد استوفينا البحث في حواشي شرح العمدة بما لا زيادة عليه. واختار جماعة من المحققين: أنها مثل سائر ايات القران، يجهر بها فيما يجهر فيه، ويسر بها فيما يسر فيه.

وأما الاستدلال بكونه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يقرأ بها في الفاتحة، ولا في غيرها في صلاته، على أنها ليست باية، والقراءة بها تدل على أنها اية، فلا ينهض؛ لأن ترك القراءة بها في الصلاة لو ثبت لا يدل على نفي قرانيتها؛ فإنه ليس الدليل على القرانية الجهر بالقراءة بالاية في الصلاة، بل الدليل أعم من ذلك، وإذا انتفى الدليل الخاص، لم ينتف الدليل العام.

وعنْ نُعَيْمِ المُجْمِر، قالَ: صَلّيتُ وراءَ أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فقرأ (بسم الله الرَّحمن الرَّحيم). ثمَّ قرأ بأُمِّ القُران، حتى إذا بلغ (ولا الضَّالين) قال: “امين” ويَقولُ كُلّما سجدَ، وإذا قامَ من الجلوس: الله أكبرُ، ثمَّ يقول إذا سَلّمَ: والذي نفسي بيده إني لأشْبَهُكُمْ صلاةً برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. رواهُ النسائي وابنُ خُزَيْمَةَ.

(وعن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة مصغر (المجمر) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم وبالراء، ويقال: وتشديد الميم الثانية، ذكره الحلبي في شرح العمدة، هو أبو عبد الله مولى عمر بن الخطاب، سمع من أبي هريرة، وغيره، وسمى مجمراً؛ لأنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار (قال: صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأُم القران، حتى إذا بلغ “ولا الضَّالين” قال: امين ويقول كلما سجد، وإذا قام من الجلوس) أي: التشهد الأوسط، وكذلك إذا قام من السجدة الأولى، والثانية (الله أكبر) وهو تكبير النقل (ثمَّ يقول) أي أبو هريرة: (إذا سلم والذي نفسي بيده) أي: روحي في تصرفه (إني لأشبهكم صلاة برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. رواه النسائي وابن خزيمة).

وذكره البخاري تعليقاً وأخرجه السراج، وابن حبان، وغيرهم، وبوب عليه النسائي: “الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم”، وهو أصح حديث ورد في ذلك، فهو مؤيد للأصل، وهو كون البسملة حكمها: حكم الفاتحة في القراءة: جهراً، وإسراراً؛ إذ هو ظاهر في أنه كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ بالبسملة؛ لقول أبي هريرة: “إني لأشبهكم صلاة برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”، وإن كان محتملاً: أنه يريد: في أكثر أفعال الصلاة، وأقوالها، إلا أنه خلاف الظاهر، ويبعد من الصحابي: أن يبتدع في صلاته شيئاً: لم يفعله رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيها، ثم يقول: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم.

وفيه دليل: على شرعية التأمين للإمام، وقد أخرج الدارقطني في السنن من حديث وائل بن حجر: “سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا قال: “غير المغضوب عليهم ولا الضالين”. قال: امين يمد بها صوته” وقال: إنه حديث صحيح، ودليل على تكبير النقل، ويأتي ما فيه مستوفى، في حديث أبي هريرة.

وأما الرعاف ففي نقضه الخلاف أيضاً، فمن قال بنقضه فهو عمل بهذا الحديث، ومن قال بعدم نقضه فإنه عمل بالأصل، ولم يرفع هذا الحديث.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا قرأتُمُ الفاتحة فاقْرَءُوا: بسم الله الرَّحمن الرحيم، فإنها إحْدى اياتها” رواه الدارقطني، وصَوَّبَ وَقْفَهُ.

(وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا قرأتُمُ الفاتحة فاقْرَءُوا: بسم الله الرَّحمن الرحيم، فإنها إحْدى اياتها” رواه الدارقطني، وصَوَّبَ وَقْفَهُ).

لا يدل الحديث هذا على الجهر بها، ولا الإسرار، بل يدل على الأمر بمطلق قراءتها، وقد ساق الدارقطني في السنن له أحاديث: في الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واسعة مرفوعة عن علي عليه السلام، وعن عمار، وعن ابن عباس، وعن ابن عمرو وعن أبي هريرة، وعن أم سَلمة، وعن جابر، وعن أنس بن مالك، ثم قال بعد سرد أحاديث هؤلاء، وغيرهم ما لفظه: وروى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: من أصحابه، ومن أزواجه غير من سمينا، كتبنا أحاديثهم بذلك في كتاب الجهر بها مفرداً، واقتصرنا على ما ذكرنا هنا؛ طلباً للاختصار، والتخفيف، انتهى لفظه.

والحديث دليل: على قراءة البسملة، وأنها إحدى ايات الفاتحة، وتقدم الكلام في ذلك.

وعَنْهُ قالَ: كان رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا فرَغَ من قراءة أُمِّ القران رَفَعَ صَوْته، وقال: “امين” رواهُ الدارقطني وحسّنهُ. والحاكمُ وصحّحهُ.

(وعنه) أي أبي هريرة (قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا فرغَ من قراءة أُمِّ القران رفعَ صوته وقال: امين. رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم، وصححه) قال الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما، وقال البيهقي: حسن صحيح.

والحديث دليل على أنه يشرع للإمام التأمين بعد قراءة الفاتحة جهراً، وظاهره في الجهرية وفي السرية، وبشرعيته قالت الشافعية. وذهبت الهادوية: إلى عدم شرعيته، لما يأتي. وقالت الحنفية: يسر بها في الجهرية. ولمالك قولان: الأول: كالحنفية، والثاني: أن لا يقولها.

والحديث حجة بينة للشافعية. وليس في الحديث تعرض لتأمين المأموم، والمنفرد. وقد أخرج البخاري في شرعية التأمين للمأموم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر الله ما تقدم من ذنبه” وأخرج أيضاً من حديثه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا: امين” الحديث، وأخرج أيضاً من حديثه مرفوعاً: “إذا قال أحدكم: امين، وقالت الملائكة في السماء: امين، فوافق أحدهما الاخر غفر الله له ما تقدم من ذنبه”، فدلت الأحاديث على شرعيته للمأموم، والأخير يعم المنفرد، وقد حمله الجمهور من القائلين به على الندب، وعن بعض أهل الظاهر: أنه للوجوب، عملاً بظاهر الأمر، فأوجبوه على كل مصلّ.

واستدلت الهادوية: على أنه بدعة مفسدة للصلاة بحديث: “إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس”، الحديث، ولا يتم به الاستدلال، لأن هذا قام الدليل على أنه من أذكار الصلاة، كالتسبيح، ونحوه، وكلام الناس المراد به: مكالمتهم، ومخاطبتهم، كما عرفت.

ولأبي داود والترمذي من حديث وائلْ بنِ حُجْرٍ نحوهُ.

(ولأبي داود والترمذي من حديث وائلْ بنِ حُجْرٍ نحوهُ).

أي نحو حديث أبي هريرة ولفظه في السنن: “إذا قرأ الإمام ولا الضالين قال: امين، ورفع بها صوته”، وفي لفظ له عنه: “أنه صلى خلف رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فجهر بامين” وامين بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكى فيها لغات، ومعناها: اللهم استجب، وقيل: غير ذلك

وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أَوْفَى رضي الله عنهُ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَقَالَ: إني لا أسْتطيعُ أنْ اخذَ منَ القُرانِ شيئاً، فعَلّمني ما يُجزئُني عنه. فقال: “قُل: سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلا الله والله أكبرُ، ولا حوْل ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم” الحديث. رواهُ أحْمدُ، وأبو داود، والنسائي. وصحّحهُ ابنُ حِبّان، والدارقطني، والحاكم.

(وعن عبد الله بن أبي أوفى) هو أبو إبراهيم، أو محمد، أو معاوية، واسم أبي أوفى، علقمة بن قيس بن الحرث الأسلمي، شهد الحديبية، وخيبر وما بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فتحول إلى الكوفة، ومات بها، وهو اخر من مات بالكوفة من الصحابة. (قال: جاء رجل إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: إني لا أستطيع أن اخذ من القران شيئاً، فعلمني ما يجزئني عنه، فقال: قُلْ: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحديث) بالنصب: أي أتم الحديث.

وتمامه في سنن أبي داود: “قال: أي الرجل: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني، فلما قام، قال هكذا بيديه، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير” انتهى. إلا أنه ليس في سنن أبي داود العلي العظيم. (رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم).

الحديث دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام القراءة للفاتحة، وغيرها، لمن لا يحسن ذلك، وظاهره: أنه لا يجب عليه تعلم القران ليقرأ به في الصلاة، فإن معنى لا أستطيع: لا أحفظ الان منه شيئاً، فلم يأمره بحفظه، وأمره بهذه الألفاظ، مع أنه يمكنه حفظ الفاتحة، كما يحفظ هذه. وقد تقدم في حديث المسيء صلاته.

وعن أبي قتادَة رضي الله عنهُ قالَ: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي بنا، فيَقْرأُ في الظُّهر والعصر ــــ في الركعتين الأوليَيْن ــــ بفاتحة الكتاب وسُورتين، ويسمعنا الاية أحياناً، ويُطَوِّلُ الرَّكْعةَ الأولى، ويقرأُ في الأخْريَيْن بفاتحة الكتاب. متفقٌ عليه.

(وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يُصلي بنا فيقرأُ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين) بياءَيْنِ تثنية أولى (بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منهما (وسورتين) أي: يقرؤهما في كل ركعة سورة (ويُسمعنا الاية أحياناً) وكأنه من هنا علموا مقدار قراءته (ويطوِّل الركعة الأولى) يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية (ويقرأ في الأخريين) تثنية أخرى (بفاتحة الكتاب) ، من غير زيادة عليها (متفق عليه).

فيه دليل: على شرعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات في كل واحدة، وقراءة سورة معها في كل ركعة من الأوليين، وأن هذا كان عادته عليه الصلاة والسلام، كما يدل له: كان يصلي؛ إذ هي عبارة تفيد الاستمرار غالباً. وإسماعهم الاية أحياناً دليل: على أنه لا يجب الإسرار في السرية، وأن ذلك لا يقتضي سجود السهو، وفي قوله: “أحياناً”: ما يدل على أنه تكرر ذلك منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وقد أخرج النسائي من حديث البراء قال: “كنا نصلي خلف النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الظهر، ونسمع منه الاية بعد الاية من سورة لقمان، والذاريات” وأخرج ابن خزيمة من حديث أنس نحوه، ولكن قال: “سبح لله اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية”.

وفي الحديث دليل على تطويل الركعة الأولى، ووجهه: ما أخرجه عبد الرزاق في اخر حديث أبي قتادة هذا: “وظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى”، وأخرج أبو داود من حديث عبد الرزاق عن عطاء: “أني لأحب أن يطوِّل الإمام الركعة الأولى”.

وقد ادعى ابن حبان: أن التطويل إنما هو بترتيل القراءة فيها مع استواء المقروء. وقد روى مسلم من حديث حفصة: “كان يرتل السورة، حتى تكون أطول من أطول منها” وقيل: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما القراءة فيها فهما سواء. وفي حديث أبي سعيد الاتي: ما يرشد إلى ذلك، وقال البيهقي: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً، وإلا فيسوى بين الأوليين.

وفيه دليل: على أنه لا يزاد في الأخريين على الفاتحة، وكذلك الثالثة في المغرب، وإن كان مالك قد أخرج في الموطأ من طريق الصنابحي: “أنه سمع أبا بكر يقرأ فيها: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} الاية. وللشافعي: قولان في استحباب قراءة السورة في الأخريين.

وفيه دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن، وإلا فمعرفة القراءة بالسورة لا طريق فيه إلى اليقين، وإسماع الاية أحياناً لا يدل على قراءة كل السورة، وحديث أبي سعيد الاتي: يدل على الإخبار عن ذلك بالظن. وكذا حديث خباب حين سئل: “بم كنتم تعرفون قراءة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الظهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته” ولو كانوا يعلمون قراءته فيهما بخبر عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لذكروه.

وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قال: كُنّا نحْزُرُ قيامَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الظُّهر والعصْر، فَحَزَرْنَا قيامَهُ في الرَّكعتين الأوليين من الظُّهْر قَدْر: (الم. تنزيل) السّجدةَ. وفي الأخْريَين قَدْر النّصف منْ ذلك. وفي الأوليَيْن من العصر على قَدْر الأخريينِ مِنَ الظُّهر، والأخْرَيين على النِّصف من ذلك. رواه مُسلمٌ.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كُنّا نحْزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي نخرص ونقدر، وفي قوله: “كنا نحزر”: ما يدل على أن المقدرين لذلك جماعة. وقد أخرج ابن ماجه رواية: أن الحازرين ثلاثون رجلاً من الصحابة (قيام رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الرَّكعتين الأوليين من الظُّهر قدر ألم تنزيل السّجدة) أي في كل ركعة بعد قراءة الفاتحة (وفي الأخريين قَدْرَ النّصف من ذلك) فيه دلالة على قراءة غير الفاتحة معها في الأخريين، ويزيده دلالة على ذلك قوله (وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظُّهر) ، ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير الفاتحة (والأخْريين) أي من العصر (على النّصف من ذلك) أي من الأوليين منه (رواه مسلم).

الأحاديث في هذا قد اختلفت، فقد ورد أنها: “كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي إلى أهله، فيتوضأ، ويدرك النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الركعة الأولى؛ مما يطيلها” أخرجه مسلم، والنسائي عن أبي سعيد. وأخرج أحمد، ومسلم من حديث أبي سعيد أيضاً: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة، قدر ثلاثين اية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة اية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر: في الركعتين الأوليين: في كل ركعة قدر خمس عشرة اية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك” هذا لفظ مسلم. وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها.

وتقدم حديث أبي قتادة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقرأ في الأخريين من الظهر بأُم الكتاب، ويسمعنا الاية أحياناً”. وظاهره أنه لا يزيد على أُم الكتاب فيهما، ولعله أرجح من حديث أبي سعيد، من حيث الرواية؛ لأنه اتفق عليه الشيخان من حيث الرواية، ومن حيث الدراية؛ لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبي سعيد انفرد به مسلم؛ ولأنه خبر عن حزر وتقدير وتظنن، ويحتمل أن يجمع بينهما: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصنع هذا تارة، فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها، ويقتصر فيهما أحياناً، فتكون الزيادة عليها فيهما سنة، تفعل أحياناً، وتترك أحياناً.

وعن سليمان بن يسار قال: كان فلانٌ يطيل الأوليَين منَ الظُّهر، ويخفّف العصْر، ويقرأ في المغرب بقصار المُفَصَّل، وفي العِشاءِ بوَسَطه وفي الصُّبح بطوالِهِ. فقال أبو هُريرة: ما صَلّيتُ وراءَ أحَدٍ أشْبَهَ صلاةً برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مِنْ هذا. أخرجَهُ النسائي بإسنادٍ صحيح.

(وعن سليمان بن يسار) هو أبو أيوب سليمان بن يسار بفتح المثناة التحتية وتخفيف السين المهملة، وهو مولى ميمونة: أم المؤمنين، وأخو عطاء بن يسار من أهل المدينة، وكبار التابعين. كان فقيهاً فاضلاً، ثقة عابداً، ورعاً حجة، وهو أحد الفقهاء السبعة (قال: كان فلان) في شرح السنة للبغوي: أن فلاناً يريد به: أميراً كان على المدينة. قيل: اسمه عمرو بن سلمة، وليس هو عمر بن عبد العزيز، كما قيل؛ لأن ولادة عمر بن عبد العزيز كانت بعد وفاة أبي هريرة، والحديث مصرح: بأن أبا هريرة صلى خلف فلان هذا (يُطيل الأوليين في الظهر ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المُفصل). اختلف في أول المفصل. فقيل: إنها من الصافات، أو الجاثية، أو القتال، أو الفتح، أو الحجرات، أو الصف، أو تبارك، أو سبح، أو الضحى، واتفق أن منتهاه اخر القران (وفي العشاء بوَسَطه، وفي الصبح بطِواله، فقال أبو هريرة: ما صَليْتُ وراءَ أحد أشبه صلاة برسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من هذا. أخرجه النسائي بإسناد صحيح).

قال العلماء: السنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، ويكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوسطه، وفي المغرب بقصاره. قالوا: والحكمة في تطويل الصبح والظهر: أنهما وقتا غفلة بالنوم في اخر الليل، والقائلة، فطولهما ليدركهما المتأخرون لغفلة، أو نوم، ونحوهما، وفي العصر ليست كذلك، بل هي في وقت الأعمال فخفت لذلك، وفي المغرب: لضيق الوقت، فاحتيج إلى زيادة تخفيفها، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، وفي العشاء لغلبة النوم، ولكن وقتها واسع، فأشبهت العصر، هكذا قالوه، وستعرف اختلاف أحوال صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مما يأتي، بما لا يتم به هذا التفصيل.

وعَنْ جُبَيْر بن مُطعمٍ رضي الله عنه قالَ: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأُ في المغْرب بالطُّور. متّفقٌ عليه.

(وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه) تقدم ضبطهما، وبيان حال جبير (قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: يقرأ في المغرب بالطور. متفق عليه).

قد بين في فتح الباري: أن سماعه لذلك كان قبل إسلامه، وهو دليل على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل، وقد ورد: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قرأ في المغرب بـ “المص”، وأنه قرأ فيها “بالصافات”، وأنه قرأ فيها “بحم الدخان”، وأنه قرأ فيها “سبح اسم ربك الأعلى”، وأنه قرأ فيها “والتين والزيتون”، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين، وأنه قرأ فيها بالمرسلات، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل، وكلها أحاديث صحيحة.

وأما المداومة في المغرب على قصار المفصل، فإنما هو فعل مروان بن الحكم، وقد أنكر عليه زيد بن ثابت، وقال له: “مالك تقرأ بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين” تثنية طولى، والمراد بهما: الأعراف، والأنعام، والأعراف أطول من الأنعام، إلى هنا أخرجه البخاري: وهي الأعراف. وقد أخرج النسائي: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فرق الأعراف في ركعتي المغرب. وقد قرأ في العشاء بالتين والزيتون، ووقت لمعاذ فيها بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوه” والجمع بين هذه الروايات: أنه وقع ذلك منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم باختلاف الحالات، والأوقات، والأشغال، عدماً ووجوداً.

وعن أبي هُريرة رضي الله عنهُ قالَ: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَقْرَأُ في صلاة الفجر يَوْمَ الجُمُعةِ “ألم تنزيل” السّجدة، و”هَلْ أتَى على الإنسان” متّفق عليه.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأُ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة) أي في الركعة الأولى (وهل أتى على الإنسان) أي في الثانية (متفق عليه).

فيه دليل على أن ذلك كان دأبه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في تلك الصلاة، وزاد استمراره على ذلك بياناً قوله:

وللطبراني منْ حديث ابن مسْعودٍ: يديم ذلك.

(وللطبراني منْ حديث ابن مسْعودٍ: يديم ذلك).

أي يجعله عادة دائمة له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: السر في قراءتهما في صلاة فجر يوم الجمعة: أنهما تضمنتا ما كان، وما يكون في يومهما، فإنهما اشتملتا على خلق ادم، وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون في يوم الجمعة، ففي قراءتهما تذكير للعباد بما كان فيه، ويكون. قلت: ليعتبروا بذكر ما كان، ويستعدوا لما يكون.

وعن حُذيفةَ رضي الله عنه قالَ: صَلّيْتُ مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَمَا مَرّتِ به اية رحْمةٍ إلا وَقَفَ عنْدها يسْأَلُ. ولا اية عَذَاب إلَّا تَعوَّذ منها. أخرجهُ الخمسة. وحسنه الترمذي.

(وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فما مرّت به اية رحمةً إلا وقف عندها يسأل) أي يطلب من الله رحمته (ولا اية عذاب إلا تعوذ منها) مما ذكر فيها (أخرجه، وحسنه الترمذي).

في الحديث دليل على أنه ينبغي للقارئ في الصلاة تدبر ما يقرؤه، وسؤال رحمته، والاستعاذة من عذابه، ولعل هذا كان في صلاة الليل، وإنما قلنا ذلك؛ لأن حديث حذيفة مطلق، وورد تقييده بحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: “سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ في صلاة ليست بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار فقال: أعوذ بالله من النار ويل لأهل النار” رواه أحمد، وابن ماجه بمعناه، وأخرج أحمد عن عائشة: “قمت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ليلة التمام، فكان يقرأ بالبقرة، والنساء، وال عمران، ولا يمر باية فيها تخويف إلا دعا الله عز وجل، واستعاذ، ولا يمر باية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل، ورغب إليه”.

وأخرج النسائي، وأبو داود، من حديث عوف بن مالك: “قمت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فبدأ، فاستاك، وتوضأ، ثم قام فصلى، فاستفتح البقرة، لا يمر باية رحمة إلا وقف، فسأل،ولا يمر باية عذاب إلا وقف، وتعوذ” الحديث، وليس لأبي داود ذكر السواك، والوضوء.

فهذا كله في النافلة، كما هو صريح الأول، وفي قيام الليل، كما يفيده الحديثان الاخران، فإنه لم يأت عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في رواية قط: أنه أمَّ الناس بالبقرة، وال عمران: في فريضة أصلاً. ولفظ: قمت يشعر أنه في الليل، فتم ما ترجينا بقولنا: ولعل هذا في صلاة الليل باعتبار ما ورد، فلو فعله أحد في الفريضة، فلعله لا بأس فيه، ولا يخلّ بصلاته، سيما إذا كان منفرداً؛ لئلا يشق على غيره إذا كان إماماً، وقولها: “ليلة التمام” في القاموس: ليلة التمام ككتاب، وليل تمام: أطول ليالي الشتاء، أو هي ثلاث لا يستبان نقصانها، أو هي إذا بلغت اثنتي عشرة ساعة فصاعداً. انتهى.

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ألا وإني نُهيت أن أقرأَ القران راكعاً أو ساجداً، فأما الرُّكوع فعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ، فقمنٌ أَنْ يُستجابَ لكُم”. رَوَاهُ مُسلمٌ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ألا وإني نهيت أن أقرأ القران راكعاً أو ساجداً) فكأنه قيل: فماذا تقول فيهما؟ فقال: (فأمَّا الرُّكوع فعظِّموا فيه الرَّب) قد بين كيفية هذا التعظيم حديث مسلم عن حذيفة: “فجعل يقول، أي: رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: سبحان ربي العظيم” (وأما السجود فاجتهدوا في الدُّعاءِ فقَمِنٌ) بفتح القاف وكسر الميم، ومعناه: حقيق (أن يُستجاب لكم. رواه مسلم).

الحديث دليل على تحريم قراءة القران حال الركوع والسجود، لأن الأصل في النهي التحريم، وظاهره وجوب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء في السجود؛ للأمر بهما. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وطائفة من المحدثين. وقال الجمهور: أنه مستحب؛ لحديث المسيء صلاته، فإنه لم يعلمه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذلك، ولو كان واجباً لأمره به، ثم ظاهر قوله: “فعظموا فيه الرب”: أنها تجزىء المرة الواحدة، ويكون بها ممتثلاً ما أمر به. وقد أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود: “إذا ركع أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه” ورواه الترمذي، وابن ماجه، إلا أنه قال أبو داود: فيه إرسال، وكذا قال البخاري، والترمذي، وفي قوله: “ذلك أدناه”: ما يدل على أنها لا تجزىء المرة الواحدة.

والحديث دليل على مشروعية الدعاء حال السجود، بأي دعاء كان: من طلب خيري الدنيا والاخرة، والاستعاذة من شرهما، وأنه محل الإجابة، وقد بين بعض الأدعية ما أفاده قوله:

وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: كان رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ في ركوعهِ وسجوده: “سبحانك اللهمَّ ربّنا وبِحَمْدكَ، اللّهمَّ اغفرْ لي” مُتّفقٌ عليه.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهمّ ربنا وبحمدك) الواو للعطف والمعطوف عليه ما يفيده ما قبله، والمعطوف متعلق بحمدك، والمعنى: أنزهك وأتلبس بحمدك، ويحتمل أن تكون للحال، والمراد: أسبحك، وأنا متلبس بحمدك: أي حال كوني متلبساً به (اللهم اغْفِرْ لي. متفقٌ عليه).

الحديث ورد بألفاظ منها: أنها قالت عائشة: (ما صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد أن أنزلت عليه “إذا جاء نصر الله والفتح” إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي).

والحديث دليل: على أن هذا من أذكار الركوع والسجود، ولا ينافيه حديث: “أما الركوع فعظموا في الرب”؛ لأن هذا الذكر زيادة على ذلك التعظيم، الذي كان يقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فيجمع بينه وبين هذا. وقوله: “اللهم اغفر لي” امتثال لقوله تعالى: “فسبح بحمد ربك واستغفره”، وفيه مسارعته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى امتثال ما أمره الله به، قياماً بحق العبودية، وتعظيماً لشأن الربوية، زاده الله شرفاً وفضلاً، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا قامَ إلى الصلاة يكبِّرُ حين يقُومُ، ثمَّ يكبّرُ حين يركعُ ثم يقولُ: “سَمِعَ الله لمن حمده” حين يرفعُ صُلبه من الرُّكوع، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: “ربنا ولكَ الحمْدُ” ثمَّ يكبِّر حين يهْوى ساجداً، ثمَّ يكبِّر حين يرْفعُ رأسَهُ، ثمَّ يكبِّر حين يسْجُدُ، ثمَّ يكبِّر حينَ يرْفعُ، ثم يفْعَلُ ذلكَ في الصلاةِ كُلِّها، ويُكبِّرُ حين يقومُ من الثِّنْتَيْن بَعْدَ الجُلوس. متّفقٌ عليه.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا قام إلى الصلاة) أي إذا قام فيها (يكبر) أي: تكبيرة الإحرام (حين يقوم) فيه دليل: على أنه لا يتوجه ولا يصنع قبل التكبيرة شيئاً (ثم يكبر حين يركع) تكبيرة النقل (ثم يقول سمع الله لمنْ حمده) أي أجاب الله من حمده؛ فإن من حمد الله تعالى متعرضاً لثوابه، استجاب الله له، وأعطاه ما تعرض له، فناسب بعده أن يقول: “ربنا ولك الحمد” (حين يرفع صلبه من الركوع) فهذا في حال أخذه في رفع صلبه من هويه للقيام (ثم يقول: وهو قائمٌ ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو للعطف على مقدر: أي ربنا أطعناك وحمدناك، أو للحال، أو زائدة، وورد في رواية: بحذفها، وهي نسخة في بلوغ المرام (ثم يكبر حين يهوى ساجداً) تكبير النقل (ثم يكبر حين يرفع رأسه) أي من السجود الأول (ثم يكبر حين يسجدُ) أي السجدة الثانية (ثم يكبر حين يرفع) أي من السجدة الثانية. هذا كله تكبير النقل (ثمَّ يفعلُ ذلك) أي ما ذكر، ما عدا التكبيرة الأولى التي للإحرام (في الصلاة) أي: ركعاتها (كلها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس) للتشهد الأوسط (متفق عليه).

الحديث دليل على شرعية ما ذكر فيه من الأذكار. فأما أول التكبير فهي تكبيرة الإحرام، وقد تقدم الدليل على وجوبها من غير هذا الحديث.

وأما ما عداها من التكبير الذي وصفه، فقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية تركه تساهلاً، ولكنه استقر العمل من الأمة على فعله: في كل خفض، ورفع: في كل ركعة خمس تكبيرات، كما عرفته من لفظ هذا الحديث، ويزيد في الرباعية، والثلاثية: تكبير النهوض من التشهد الأوسط، فيتحصل في المكتوبات الخمس بتكبيرة الإحرام أربع وتسعون تكبيرة، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة.

واختلف العلماء في حكم تكبير النقل: فقيل: إنه واجب، وروي قولاً لأحمد بن حنبل، وذلك لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم داوم عليه، وقد قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”. وذهب الجمهور: إلى ندبه؛ لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يعلمه المسيء صلاته، وإنما علمه تكبيرة الإحرام، وهو موضع البيان للواجب، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. وأجيب عنه: بأنه قد أخرج تكبيرة النقل في حديث المسيء أبو داود من حديث رفاعة بن رافع، فإنه ساقه، وفيه: “ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع” وذكر فيه قول: “سمع الله لمن حمده” وبقية تكبيرات النقل، وأخرجها الترمذي، والنسائي، ولذا ذهب أحمد، وداود إلى وجوب تكبير النقل.

وظاهر قوله: يكبر حين كذا، وحين كذا: أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن. وأما القول: بأنه يمد التكبير حتى يمد الحركة، كما في الشرح وغيره، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا نقصان منه.

وظاهر قوله: ثم يقول “سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد”: أنه يشرع ذلك لكل مصلِّ: من إمام ومأموم، إذ هو حكاية لمطلق صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وإن كان يحتمل أنه حكاية لصلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إماماً، إذ المتبادر من الصلاة عند إطلاقها: الواجبة، وكانت صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الواجبة جماعة، وهو الإمام فيها، إلا أنه لو فرض هذا، فإن قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي”: أمر لكل مصلَ أن يصلي، كصلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: من إمام ومنفرد.

وذهبت الشافعية، والهادوية، وغيرهم إلى: أن التسميع مطلقاً: لمتنفل، أو مفترض: وللإمام، والمنفرد، والحمد للمؤتمّ، لحديث: “إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد” أخرجه أبو داود. وأجيب: بأن قوله: “إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد” لا ينفي قول المؤتم: سمع الله لمن حمده، وإنما يدل على أنه يقول المؤتمّ: ربنا لك الحمد عقب قول الإمام: سمع الله لمن حمده، والواقع هو ذلك؛ لأن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده في حال انتقاله، والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، واستفيد الجمع بينهما من الحديث الأول. قلت: لكن أخرج أبو داود عن الشعبي: “لا يقول المؤتم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقول: “ربنا لك الحمد”، ولكنه موقوف على الشعبي، فلا تقوم به حجة.

وقد ادعى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على كون المنفرد يجمع بينهما، وذهب اخرون إلى أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد، ويحمد المؤتم. قالوا: والحجة جمع الإمام بينهما؛ لاتحاد حكم الإمام والمنفرد.

وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه قالَ: كانَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذَا رفعَ رأسَهُ منَ الرُّكوعِ قالَ: “اللهُمَّ رَبّنا لكَ الحمْدُ، ملءَ السّموات والأرض، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثّناءِ والمَجْد، أحَقُّ ما قال العَبْدُ ــــ وكلُّنا لكَ عَبْدٌ ــــ اللهُمَّ لا مانعَ لما أعْطيتَ، ولا مُعطِي لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ”، رواه مسلم.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم) لم أجد لفظ اللهم في مسلم في رواية أبي سعيد، ووجدتها في رواية ابن عباس (ربنا لك الحمدُ ملء) بنصب الهمزة على المصدرية، ويجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف (السموات والأرض) وفي سنن أبي داود وغيره: “وملء الأرض” وهي في رواية ابن عباس عند مسلم، فهذه الرواية كلها ليست لفظ أبي سعيد، لعدم وجود اللهم في أوله، ولا لفظ ابن عباس لوجود ملء الأرض فيها (وملء ما شئت من شيء بعدُ) بضم الدال على البناء للقطع عن الإضافة، ونية المضاف إليه (أهل) بنصبه على النداء، أو رفعه: أي أنت أهل (الثناء والمجد. أحق ما قال العبد) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وما مصدرية، تقديره هذا: أي قوله: اللهم لك الحمد، أحق قول العبد، وإنما لم يجعل: “لا مانع لما أعطيت” خبراً وأحق مبتدأ، لأنه محذوف في بعض الروايات، فجعلناه جملة استئنافية، إذا حذف تم الكلام من دون ذكره.

وفي الشرح: جعل أحق مبتدأ وخبره لا مانع لما أعطيت. وفي شرح المهذب نقلاً عن ابن الصلاح معناه: أحق ما قال العبد قوله: لا مانع لما أعطيت إلى اخره، وقوله: “وكلنا لك عبد” اعتراض بين المبتدأ والخبر. قال: أو يكون قوله: أحق ما قال العبد خبراً لما قبله: أي قوله: ربنا لك الحمد إلى اخره أحق ما قال العبد. قال: والأول أولى. قال النووي: لما فيه من كمال التفويض إلى الله تعالى، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وقهره وسلطانه، وانفراده بالوحدانية، وتدبير مخلوقاته انتهى (وكلنا لك عبْدٌ) ثم استأنف فقال: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما مَنَعْتَ، ولا ينْفَعُ ذا الجدِّ منْك الجدُّ. رواه مسلم).

الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكل مصلَ، وقد جعل الحمد كالأجسام، وجعله ساداً لما ذكره من الظروف، مبالغة في كثرة الحمد، وزاد مبالغة بذكر ما يشاؤه تعالى، مما لا يعلمه العبد، والثناء: الوصف بالجميل والمدح والمجد والعظمة ونهاية الشرف، والجد بفتح الجيم معناه الحظ: أي: لا ينفع ذا الحظ من عقوبتك حظه، بل ينفعه العمل الصالح، وروى بالكسر للجيم، أي: لا ينفعه جده واجتهاده، وقد ضعفت رواية الكسر.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أُمِرْت أن أَسْجُدَ على سبعة أعظمٍ: على الْجَبْهَةِ ــــ وأَشَارَ بيدهِ إلى أَنفِهِ ــــ واليَدَيْن، والرُّكْبتَيْن، وأَطْرَافِ القدمَين” متّفقٌ عليه.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أُمِرْت أن أَسْجُدَ على سبعة أعظمٍ: على الْجَبْهَةِ ــــ وأَشَارَ بيدهِ إلى أَنفِهِ ــــ واليَدَيْن، والرُّكْبتَيْن، وأَطْرَافِ القدمَين” متّفقٌ عليه).

وفي رواية: “أمرنا” أي: أيها الأمة، وفي رواية: “أمر النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” والثلاث الروايات: للبخاري، وقوله: “وأشار بيده إلى أنفه” فسرتها رواية النسائي. قال ابن طاوس: “وضع يده على جبهته، وأمرها على أنفه، وقال: هذا واحد” قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تبع لها. قال ابن دقيق العيد: معناه: أنه جعلهما كأنهما عضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية. والمراد من اليدين: الكفان، وقد وقع بلفظهما في رواية، والمراد من قوله: “وأطراف القدمين”: أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما: وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة. وقد ورد هذا في حديث أبي حميد في صفة السجود، وقيل: يندب ضم أصابع اليدين؛ لأنها لو انفرجت انحرفت رءوس بعضها عن القبلة، وأما أصابع الرجلين، فقد تقدم في حديث أبي حميد الساعدي في باب صفة الصلاة بلفظ: “واستقبل بأصابع رجليه القبلة”. هذا.

والحديث دليل على وجوب السجود على ما ذكر؛ لأنه ذكر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بلفظ الإخبار عن أمر الله له، ولأمته، والأمر لا يرد إلا بنحو صيغة أفعل، وهي تفيد الوجوب.

وقد اختلف في ذلك، فالهادوية وأحد قولي الشافعي: أنه للوجوب: لهذا الحديث، وذهب أبو حنيفة: إلى أنه يجزىء السجود على الأنف فقط، مستدلاً بقوله: “وأشار بيده إلى أنفه”. قال المصنف في فتح الباري: وقد احتج لأبي حنيفة بهذا: في السجود على الأنف، قال ابن دقيق العيد: والحق أن مثل هذا لا يعارض: التصريح بالجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه. انتهى.

واعلم أنه وقع هنا في الشرح: أنه ذهب أبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وأكثر الفقهاء إلى: أن الواجب الجبهة فقط؛ لقوله: صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث المسيء صلاته، “ومكن جبهتك”؛ فكان قرينة على حمل الأمر هنا على غير الوجوب. وأجيب عنه: بأن هذا لا يتم إلا بعد معرفة تقدم هذا على حديث المسيء صلاته، ليكون قرينة على حمل الأمر على الندب، وأما لو فرض تأخره لكان في هذا زيادة شرع، ويمكن أن تتأخر شرعيته، ومع جهل التاريخ: يرجح العمل بالموجب لزيادة الاحتياط، كذا قاله الشارح، وجعل السجود على الجبهة والأنف مذهباً للعترة، فحولنا عبارته إلى الهادوية، مع أنه ليس مذهبهم إلا السجود على الجبهة فقط، كما في البحر وغيره.

ولفظ الشرح هنا: والحديث فيه دلالة على وجوب السجود على ما ذكر فيه، وقد ذهب إلى هذا العترة، وأحد قولي الشافعي: انتهى.

وعرفت أنه وهم في قوله: إن أبا حنيفة يوجبه على الجبهة، فإنه يجيزه عليها، أو على الأنف، وأنه مخير في ذلك: ثم ظاهره وجوب السجود على العضو جميعه، ولا يكفي بعض ذلك، والجبهة يضع منها على الأرض ما أمكنه بدليل: “وتمكن جبهتك”.

وظاهره أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود عليها يصدق بوضعها من دون كشفها، ولا خلاف أن كشف الركبتين غير واجب؛ لما يخاف من كشف العورة.

واختلف في الجبهة. فقيل: يجب كشفها؛ لما أخرجه أبو داود في المراسيل: “أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: رأى رجلاً يسجد على جنبه، وقد اعتم على جبهته، فحسر عن جبهته”، إلا أنه قد علق البخاري عن الحسن: “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته”، ووصله البيهقي، وقال: هذا أصح ما في السجود موقوفاً على الصحابة، وقد وردت أحاديث: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يسجد على كور عمامته” من حديث ابن عباس: أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي إسناده ضعف، ومن حديث ابن أبي أوفى: أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه ضعف، ومن حديث جابر: عند ابن عدي، وفيه متروكان، ومن حديث أنس: عند ابن أبي حاتم في العلل، وفيه ضعف. وذكر هذه الأحاديث وغيرها البيهقي ثم قال: أحاديث “كان يسجد على كور عمامته” لا يثبت فيها شيء يعني: مرفوعاً. والأحاديث من الجانبين غير ناهضة على الإيجاب، وقوله: “سجد على جبهته” يصدق على الأمرين وإن كان مع عدم الحائل أظهر، فالأصل جواز الأمرين.

وأما حديث خباب: “شكونا إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا” الحديث. فلا دلالة فيه على كشف هذه الأعضاء، ولا عدمه، وفي حديث أنس عند مسلم: “أنه كان أحدهم يبسط ثوبه من شدة الحر، ثم يسجد عليه”، ولعل هذا مما لا خلاف فيه، والخلاف في السجود على محموله، فهو محل النزاع، وحديث أنس محتمل.

وعن ابن بُحَيْنَةَ أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان إذا صلى وسجد فرَّج بين يديه، حتى يبدو بياضُ إبطيه، متفق عليه.

(وعن ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن بحينة بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة، وسكون المثناة التحتية وبعدها نون، وهو اسم لأم عبد الله، واسم أبيه: مالك بن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة فموحدة الأزدي. مات عبد الله في ولاية معاوية بين سنة أربع وخمسين وثمان وخمسين: (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا صلى وسجد فرَّج) بفتح الفاء وتشديد الراء اخره جيم (بين يديه) أي باعد بينهما: أي نحى كل يد على الجنب الذي يليها (حتى يبدو بياض إبطيه، متفق عليه).

الحديث دليل على فعل هذه الهيئة في الصلاة. قيل: والحكمة في ذلك: أن يظهر كل عضو بنفسه ويتميز، حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده، كأنه عدد. ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض. وقد ورد هذا المعنى مصرحاً به فيما أخرجه الطبراني، وغيره: من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف أنه قال: “لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبد ضبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك”. وعند مسلم من حديث ميمونة: “كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يجافي بيديه، فلو أن بهيمة أرادت أن تمر مرت”.

وظاهر الحديث الأول، وهذا، مع قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” يقتضي الوجوب، ولكنه قد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: ما يدل على أن ذلك غير واجب بلفظ: “شكا أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم له مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب”، وترجم له: (الرخصة في ترك التفريج) قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود، وقوله: “حتى يرى بياض إبطيه” ليس فيه، كما قيل دلالة: على أنه لم يكن صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لابساً القميص؛ لأنه وإن كان لابساً فإنه قد يبدو منه أطراف إبطيه؛ لأنها كانت أكمام قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة، فيمكن أن يرى الإبط من كمها، ولا دلالة فيه: على أنه لم يكن على إبطيه شعر، كما قيل، لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه، لا باطنهما حيث الشعر؛ فإنه لا يرى إلا بتكلف، وإن صح ما قيل: إن من خواصه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه ليس على إبطيه شعر، فلا إشكال.

[رح33] ــــ وعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا سَجَدْتَ فَضَعْ كفّيك، وارْفعْ مرفقيْك” رواه مسلمٌ.

(وعن البراء) بفتح الموحدة فراء، وقيل: بالقصر ثم همزة ممدودة، هو أبو عمارة في الأشهر، وهو (ابن عازب) بعين مهملة فزاي بعد الألف مكسورة فموحدة: ابن الحرث الأوسي الأنصاري الحارثي، أول مشهد شهده الخندق، نزل الكوفة، وافتتح الريّ سنة أربع وعشرين في قول، وشهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الجمل، وصفين، والنهروان. مات بالكوفة أيام مصعب بن الزبير (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا سجدت فضع كفّيْك وارفع مرفقيك. رواه مسلم).

الحديث دليل على وجوب هذه الهيئة للأمر بها، وحمله العلماء على الاستحباب، قالوا: والحكمة فيه: أنه أشبه بالتواضع، وأتم في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئة الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة الاعتناء بها، والإقبال عليها.

وهذا في حق الرجل، لا المرأة، فإنها تخالفه في ذلك؛ لما أخرجه أبو داود في مراسيله عن زيد بن أبي حبيب: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مرَّ على امرأتين تصليان، فقال: “إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل” قال البيهقي: وهذا المرسل أحسن من موصولين فيه: يعني: من حديثين موصولين، ذكرهما البيهقي في سننه، وضعفهما.

ومن السنة: تفريج الأصابع في الركوع؛ لما رواه أبو داود من حديث أبي حميد الساعدي: “أنه كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يمسك يديه على ركبتيه كالقابض عليهما ويفرج بين أصابعه” ومن السنة في الركوع: أن يوتر يديه، فيجافي عن جنبيه، كما في حديث أبي حميد عند أبي داود بهذا اللفظ، ورواه ابن خزيمة: “ونحى يديه عن جنبيه” وتقدم قريباً، وذكر المصنف: حديث ابن بحينة هذا الذي ذكره في بلوغ المرام: في التلخيص مرتين. أولاً: في وصف ركوعه، وثانياً: في وصف سجوده، دليلاً على التفريج في الركوع، وهو صحيح، فإنه قال: “إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه”؛ فإنه يصدق على حالة الركوع والسجود.

وعن وائل بن حُجْر رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان إذا ركعَ فَرَّجَ بين أصابعهِ، وإذا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابَعَهُ. رواه الحاكِمُ.

(وعن وائل بن حجر: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا ركع فرج بين أصابعه) أي أصابع يديه (وإذا سجد ضم أصابعه، رواه الحاكم) قال العلماء: الحكمة في ضمه أصابعه عند سجوده: لتكون متوجهة إلى سمت القبلة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: رأيتُ رسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي مُتربّعاً. رواهُ النسائي، وصحّحه ابنُ خُزيمة.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: رأيتُ رسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي مُتربّعاً. رواهُ النسائي، وصحّحه ابنُ خُزيمة.)

وروى البيهقي من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه: “رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يدعو هكذا، ووضع يديه على ركبتيه، وهو متربع جالس”، ورواه البيهقي عن حميد: “رأيت أنساً يصلي متربعاً على فراشه” وعلقه البخاري. قال العلماء: وصفة التربع: أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى تحت اليمنى: مطمئناً، وكفيه على ركبتيه مفرِّقاً أنامله، كالراكع.

والحديث دليل على كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود؛ إذ الحديث وارد في ذلك، وهو في صفة صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، لما سقط عن فرسه، فانفكت قدمه، فصلى متربعاً. وهذه القعدة اختارها الهادوية في قعود المريض لصلاته. ولغيرهم اختيار اخر، والدليل مع الهادوية، وهو هذا الحديث.

وعنْ ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يقولُ بينَ السّجْدَتينِ: “اللهمَّ اغفرْ لي، وارحَمْني، واهدني وعَافِني، وارْزُقني”. رواه الأربعة إلا النسائيَّ، واللفظُ لأبي داود، وصَحّحهُ الحاكمُ.

(وعنْ ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يقولُ بينَ السّجْدَتينِ: “اللهمَّ اغفرْ لي، وارحَمْني، واهدني وعَافِني، وارْزُقني”. رواه الأربعة إلا النسائيَّ، واللفظُ لأبي داود، وصَحّحهُ الحاكمُ).

ولفظ الترمذي: “واجبرني” بدل وارحمني، ولم يقل، وعافني. وجمع ابن ماجه في لفظ روايته بين: ارحمني، واجبرني، ولم يقل: اهدني، ولا عافني، وجمع الحاكم بينهما، إلا أنه لم يقل: وعافني.

والحديث دليل: على شرعية الدعاء في القعود بين السجدتين، وظاهره أنه كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقوله جهراً.

وعن مالك بن الحُويْرثِ رضي الله عنهُ: أَنَّهُ رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي، فإذا كانَ في وترٍ من صلاته لمْ ينهض حتى يَسْتويَ قاعداً. رواهُ البُخاري.

(وعن مالك بن الحُويْرثِ رضي الله عنهُ: أَنَّهُ رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي، فإذا كانَ في وترٍ من صلاته لمْ ينهض حتى يَسْتويَ قاعداً. رواهُ البُخاري).

وفي لفظ له: “فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام” وأخرج أبو داود من حديث أبي حميد في صفة صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وفيه: “ثم أهوى ساجداً، ثم ثنى رجليه، وقعد حتى رجع كل عضو في موضعه، ثم نهض” وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته.

وفي الحديث دليل: على شرعية هذه القعدة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى، والركعة الثالثة، ثم ينهض لأداء الركعة الثانية، أو الرابعة، وتسمى جلسة الاستراحة. وقد ذهب إلى القول بشرعيتها: الشافعي في أحد قوليه، وهو غير المشهور عنه. والمشهور عنه، وهو رأي الهادوية، والحنفية، ومالك، وأحمد، وإسحاق: أنه لا يشرع القعود، مستدلين: بحديث وائل بن حجر: في صفة صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: بلفظ: “فكان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائماً” أخرجه البزار في مسنده، إلا أنه ضعفه النووي، وبما رواه ابن المنذر من حديث النعمان بن أبي عياش: “أدركت غير واحد من أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس”.

ويجاب عن الكل: بأنه لا منافاة؛ إذ من فعلها فلأنها سنة، ومن تركها فكذلك، وإن كان ذكرها في حديث المسيء يشعر بوجوبها، لكن لم يقل به أحد فيما أعلم.

وعن أَنَس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَنَتَ شهراً، بَعْدَ الرُّكوع، يَدْعُو على أحياء من العرب، ثمَّ تركَهُ، متفقٌ عليه.

ولأحْمَدَ والدارقطني نحوُهُ من وجهٍ اخر، وزاد: وأمّا في الصُّبح فلمْ يزل يَقْنُتُ حتى فارق الدنيا.

(وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَنَتَ شهراً بعد الرُّكوع يدعو على أحياء من العرب) وورد تعيينهم: أنهم، رعل، وعصية وبنو لحيان. (ثم تركه. متفق عليه) لفظه في البخاري مطولاً عن عاصم الأحول قال: “سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلاناً أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، قال: كذب، إنما قنت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد الركوع شهراً، أراه، كان بعث قوماً يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلاً إلى قوم من المشركين، فغدروا، وقتلوا القراء، دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عهد، فقنت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم شهراً يدعو عليهم”.

(ولأحمد، والدارقطني: نحوه) أي من حديث أنس: (من وجه اخر، وزاد: فأما في الصبح، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا) ، فقوله في الحديث الأول: “ثمَّ تركه” أي فيما عدا الفجر، ويدل على أنه أراده: قوله: “فلم يزل يقنت في كل صلاته”. هذا، والأحاديث عن أنس في القنوت قد اضطربت، وتعارضت في صلاة الغداة.

وقد جمع بينها في الهدى النبوي فقال: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضاً، ولا تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقته غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، الذي قال فيه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أفضل الصلاة طول القيام”، والذي ذكره بعد، هو: إطالة القيام للدعاء، ففعله شهراً يدعو إلى قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما دل له الحديث: “أن أنساً كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسى، وأخبرهم أن هذه صفة صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” أخرجه عنه في الصحيحين، فهذا هو القنوت الذي قال فيه أنس: “إنه ما زال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حتى فارق الدنيا”، والذي تركه هو الدعاء على أقوام من العرب، وكان بعد الركوع، فمراد أنس بالقنوت: قبل الركوع، وبعده، الذي أخبر أنه ما زال عليه: هو إطالة القيام في هذين المحلين بقراءة القران، وبالدعاء.

هذا مضمون كلامه. ولا يخفى أنه لا يوافق قوله: “فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا”. وأنه دل على أن ذلك خاص بالفجر، وإطالة القيام بعد الركوع عام للصلوات جميعها. وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم، وصححه: “بأنه كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح الركعة الثانية، يرفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره”. ففيه عبد الله بن سعيد المقبري ولا تقوم به حجة. وقد ذهب: إلى أن الدعاء عقيب اخر ركوع من الفجر سنة جماعة من السلف، ومن الخلف: الهادي، والقاسم، وزيد بن علي والشافعي. وإن اختلفوا في ألفاظه، فعند الهادي: بدعاء من القران، وعند الشافعي: بحديث: “اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره”.

وعنه رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان لا يقْنُتُ إلا إذا دعَا لِقَوْم، أو دعا على قوم، صَحّحهُ ابنُ خزيمةَ.

(وعنه) أي أنس: (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم. صححه ابن خزيمة). أما دعاؤه لقوم فكما ثبت: أنه كان يدعو للمستضعفين من أهل مكة. وأما دعاؤه على قوم، فكما عرفته قريباً.

ومن هنا قال بعض العلماء: يسن القنوت في النوازل، فيدعو بما يناسب الحادثة. وإذا عرفت هذا فالقول: بأنه يسن في النوازل: قول حسن، تأسياً بما فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: في دعائه على أولئك الأحياء من العرب، إلا أنه قد يقال: قد نزل به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حوادث، كحصار الخندق، وغيره، ولم يرو أنه قنت فيه، ولعله يقال: الترك لبيان الجواز.

وقد ذهب أبو حنيفة: وأبو يوسف: إلى أنه منهي عن القنوت في الفجر وكأنهم استدلوا بقوله:

وعن سعد بن طارق الأشجعي رضي الله عنه قالَ: قلتُ لأبي: يا أبَتِ، إنك قد صلّيت خلْف رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأبي بكْر، وعُمَرَ، وعُثْمان، وعليَ، أَفكانوا يَقْنُتُون في الفَجْر؟ قالَ: أي بُنيَّ، محدثٌ، رواه الخمسةُ إلا أبا داود.

(وعن سعيد) كذا في نسخ البلوغ سعيد وهو سعد بغير مثناة تحتية (بن طارق الأشجعي قال: قلت لأبي:) وهو طارق بن أشيم بفتح الهمزة فشين معجمة فمثناة تحتية مفتوحة بزنة أحمر، قال ابن عبد البر: يعد في الكوفيين. روى عنه ابنه أبو مالك سعد بن طارق (يا أبت إنك صليْتَ خَلْف رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأبي بكر، وعُمَر، وعثمان، وعلي، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أيْ بُنيّ: محدثٌ. رواه الخمسة إلا أبا داود). وقد روى خلافه عمن ذكر. والجمع بينهما. أنه وقت القنوت لهم تارة، وتركوه أخرى، وأما أبو حنيفة، ومن ذكر معه، فإنهم جعلوه منهياً عنه؛ لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان محدثاً فهو بدعة، والبدعة منهي عنها.

وعن الحسَن بنْ علي رضي الله عنهما أنَّهُ قالَ: علّمني رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كلماتٍ أقُولُهُنَّ في قُنُوت الوتْر: “اللهمَّ اهدني فيمَنْ هديْتَ، وعافِني فيمَنْ عَافَيْت، وتولَّني فيمنْ توَلّيت، وبارك لي فيما أَعْطَيْتَ، وقِني شرَّ ما قَضَيْتَ، فإنّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عليكَ، وإنّهُ لا يذِلُّ مَنْ والَيْتَ، تَبَارَكْتَ ربّنا وتعالَيْت” رواه الخمسة. وزاد الطّبرانيُّ والبيهقي: “ولا يعزُّ من عادَيْت” زادَ النسائي منْ وجْهٍ اخر في اخرهِ: “وصلَّى الله تعالى على النبيِّ”.

(وعن الحسن بن علي عليهما السلام) هو أبو محمد الحسن بن علي، سبط رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. ولد في النصف من شهر رمضان: سنة ثلاث من الهجرة. قال ابن عبد البر: إنه أصح ما قيل في ذلك. وقال أيضاً: كان الحسن حليماً ورعاً فاضلاً، ودعاه ورعه وفضله إلى أنه ترك الدنيا والملك: رغبة فيما عند الله، بايعوه بعد أبيه عليه السلام، فبقي نحواً من سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءهما من خراسان، وفضائله لا تحصى، وقد ذكرنا منها شطراً صالحاً في الروضة الندية. وفاته سنة إحدى وخمسين بالمدينة النبوية، ودفن في البقيع، وقد أطال ابن عبد البر في الاستيعاب: في عده لفضائله.

(قال: علمني رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر) أي في دعائه وليس فيه بيان لمحله (اللهُمُّ اهدني فيمَنْ هديْت وعافني فيمنْ عافيْت وتولّني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطَيْت وقِني شر ما قَضَيْت فإنك تقْضي ولا يُقضى عليْك وإنه لا يذلُّ من واليْت، تباركت ربنا وتعاليْت، رواه الخمسة، وزاد الطبراني، والبيهقي) بعد قوله: ولا يذل من واليت (ولا يعِزُّ من عاديتَ. زاد النسائي في وجه آخر في آخره: وصلى الله على النبيِّ إلخ). إلا أنه قال المصنف في تخريج أحاديث الأذكار: إن هذه الزيادة غريبة لا تثبت؛ لأن فيها عبد الله بن علي، لا يعرف، وعلى القول: بأنه عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، فالسند منقطع؛ فإنه لم يسمع من عمه الحسن؛ ثم قال: فتبين أن هذا الحديث ليس من شرط الحسن، لانقطاعه، أو جهالة رواته. انتهى. فكان عليه أن يقول: ولا تثبت هذه الزيادة.

والحديث دليل على مشروعية القنوت في صلاة الوتر، وهو مجمع عليه في النصف الأخير من رمضان، وذهب الهادوية، وغيرهم: إلى أنه يشرع أيضاً في غيره، إلا أن الهادوية لا يجيزونه بالدعاء من غير القران. والشافعية يقولون: إنه يقنت بهذا الدعاء في صلاة الفجر، ومستندهم في ذلك قوله:

وللبيْهقيِّ عن ابن عباسٍ قال: كانَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُعَلِّمْنا دُعاءً ندعو به في القُنُوتِ من صلاة الصُّبح وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ.

(وللبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُعلمنا دُعاءً ندعو به في القنوت من صلاة الصبح) قلت: أجمله هنا، وذكره في تخريج الأذكار من رواية البيهقي وقال: “اللهم اهدني. الحديث” إلى اخره، رواه البيهقي من طرق أحدها عن بريد: بالموحدة والراء تصغير برد، وهو ثقبة بن أبي مريم. سمعت ابن الحنفية، وابن عباس يقولان: “كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقنت في صلاة الصبح، ووتر الليل بهؤلاء الكلمات”، وفي إسناده مجهول، وروى من طريق أخرى، وهي التي ساق المصنف لفظها عن ابن جريج بلفظ: “يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح” وفيه عبد الرحمن بن هرمز ضعيف، ولذا قال المصنف: (وفي سنده ضعف).

وعن أَبي هُريرةَ قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا سَجَدَ أَحدُكمْ فلا يَبْرُكْ كما يبركُ البعيرُ، ولْيَضَعْ يديه قبلَ ركبتيهِ، أخرجه الثلاثة، وهوَ أقوى من حديث وائل بن حُجْر:

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا سجد أحدُكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه. أخرجه الثلاثة). هذا الحديث أخرجه أهل السنن، وعلله البخاري والترمذي، والدارقطني. قال البخاري: محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه. وقال: لا أدري: سمع من أبي الزناد أم لا. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد. وقد أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة أيضاً عنه: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” ولم يذكر فيه: “وليضع يديه قبل ركبتيه”، وقد أخرج ابن أبي داود من حديث أبي هريرة: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا سجد بدأ بيديه قبل ركبتيه”، ومثله أخرج الدراوردي من حديث ابن عمر، وهو الشاهد الذي سيشير المصنف إليه. وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: “كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين”.

والحديث دليل على أنه يقدم المصلي يديه قبل ركبتيه عند الانحطاط إلى السجود، وظاهر الحديث الوجوب؛ لقوله: لا يبركن وهو نهي، وللأمر بقوله: “وليضع” قيل: ولم يقل أحد بوجوبه، فتعين أنه مندوب.

وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الهادوية، ورواية عن مالك، والأوزاعي: إلى العمل بهذا الحديث، حتى قال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. وقال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث، وذهبت الشافعية، والحنفية، ورواية عن مالك، إلى العمل بحديث وائل وهو قوله (وهو) أي حديث أبي هريرة هذا (أقوى) في سنده (من حديث وائل) وهو أنه قال:

رأيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا سَجَدَ وضعَ ركبتيهِ قبْلَ يَدَيْهِ، أخرجه الأربعةُ.

فإنَّ للأولِ شاهداً من حديث ابن عُمرَ رضي الله تعالى عنهُ، صحّحهُ ابنُ خُزيمة، وذكره البخاري مُعلقاً موْقوفاً.

(رأيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا سجدَ وضع ركبتيه قبلَ يديه: أخرجه الأربعة، فإن للأول) أي حديث أبي هريرة (شاهداً من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة) تقدم ذكر الشاهد هذا قريباً (وذكره) أي: الشاهد (البخاري معلقاً موقوفاً) قال: قال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه، وحديث وائل أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، وابن السكن في صحيحيهما: من طريق شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه. قال البخاري، و الترمذي، و أبو داود، و البيهقي: تفرد به شريك.

ولكن له شاهد عن عاصم الأحول عن أنس قال: “رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم انحطّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه”. أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: هو على شرطهما. وقال البيهقي: تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول.

هذا، وحديث وائل هو دليل الحنفية، والشافعية، وهو مروي عن عمر، أخرجه عبد الرزاق، وعن ابن مسعود: أخرجه الطحاوي، وقال به أحمد، وإسحاق، وجماعة من العلماء، وظاهر كلام المصنف ترجيح حديث أبي هريرة، وهو خلاف مذهب إمامه الشافعي. وقال النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الاخر، ولكن أهل هذا المذهب رجحوا حديث وائل، وقالوا في أبي هريرة إنه مضطرب؛ إذ قد روى عنه الأمران. وحقق ابن القيم المسألة، وأطال فيها وقال: إن في حديث أبي هريرة قلباً من الراوي حيث قال: وليضع يديه قبل ركبتيه، وإن أصله: وليضع ركبتيه قبل يديه. قال: ويدل عليه أول الحديث وهو قوله: “فلا يبرك، كما يبرك البعير” فإن المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: الأمر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات كالتفات الثعلب، وعن افتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس: أي حال السلام، وقد تقدم ويجمعها قولنا:

[شع] إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا

نهينا عن الإتيان فيها بستة[/شع]

[شع] بروك بعير والتفات كثعلب

ونقر غراب في سجود الفريضة[/شع] [شع] وإقعاء كلب أو كبسط ذراعه

وأذناب خيل عند فعل التحية[/شع]

وزدنا على ما ذكره في الشرح قولنا:

[شع] وزدنا كتدبيح الحمار بمده

لعنق وتصويب لرأس بركعة[/شع]

هذا السابع، وهو بالدال بعدها موحدة ومثناة تحتية وحاء مهملة، وروي بالذال المعجمة. قيل: وهو تصحيف. قال في النهاية: هو أن يطأطىء المصلي رأسه حتى يكون أخفض من ظهره. انتهى. إلا أنه قال النووي: حديث التدبيح ضعيف.

وقيل: كان وضع اليدين قبل الركبتين، ثم أمروا بوضع الركبتين قبل اليدين، وحديث ابن خزيمة الذي أخرجه عن سعد بن أبي وقاص ــــ وقد قدمناه قريباً ــــ يشعر بذلك، وقول المصنف: إن لحديث أبي هريرة شاهداً يقوى به ــــ معارض: بأن لحديث وائل أيضاً شاهداً، قد قدمناه. وقال الحاكم: إنه على شرطهما. وغايته ــــ وإن لم يتم كلام الحاكم ــــ فهو مثل شاهد أبي هريرة، الذي تفرد به شريك، فقد اتفق حديث وائل، وحديث أبي هريرة في القوة.

وعلى تحقيق ابن القيم، فحديث أبي هريرة عائد إلى حديث وائل، وإنما وقع فيه قلب، ولا ينكر ذلك، فقد وقع القلب في ألفاظ الحديث.

وعن ابن عُمَر رضي الله عنهما أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: كان إذا قَعَدَ للتّشَهُّد وضع يده اليُسرى على ركْبتيهِ اليُسرى، واليُمنى على اليُمنى، وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشارَ بإصْبعهِ السّبّابةِ، رواهُ مسلمٌ. وفي رواية له: وقَبَض أصابعهُ كلَّها، وأشار بالّتي تلي الإبْهامَ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما. أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا قَعَدَ للتّشَهُّدِ وضَعَ يدهُ اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على اليمنى وعقد ثلاثاً وخمسين وأشار بأصبعه السبابة) قال العلماء: خصت السبابة بالإشارة لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره (رواه مسلم. وفي رواية له: “وقبضَ أصابعهُ كُلّها وأشار بالتي تلي الإبهام).

ووضع اليدين على الركبتين مجمع على استحبابه. وقوله: “وعقد ثلاثاً وخمسين”. قال المصنف في التلخيص: صورتها أنه يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبحة، وقوله: “وقبض أصابعه كلها” أي: أصابع يده اليمنى قبضها على الراحة وأشار بالسبابة. وفي رواية وائل بن حجر: (حلق بين الإبهام والوسطى) أخرجه ابن ماجه، فهذه ثلاث هيئات: جعل الإبهام تحت المسبحة مفتوحة، وسكت في هذه عن بقية الأصابع. هل تضم إلى الراحة أو تبقى منشورة على الركبة؟ الثانية: ضم الأصابع كلها على الراحة والإشارة بالمسبحة. الثالثة: التحليق بين الإبهام والوسطى ثم الإشارة بالسبابة.

وورد بلفظ الإشارة، كما هنا، وكما في حديث ابن الزبير: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يشير بالسبابة ولا يحركها” أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه. وعن ابن خزيمة، والبيهقي من حديث وائل: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها” قال البيهقي: “يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: الإشارة، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير، وموضع الإشارة عند قوله: لا إله إلا الله، لما رواه البيهقي من فعل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وينوي بالإشارة: التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين الفعل، والقول، والاعتقاد؛ ولذلك نهى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الإشارة بالأصبعين، وقال: “أحد أحد” لمن راه يشير بأصبعيه.

ثم الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات. ووجه الحكمة شغل كل عضو بعبادة، وورد في اليد اليسرى عند الدارقطني من حديث ابن عمر: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ألقم كفه اليسرى ركبته”. وفسر الإلقام. بعطف الأصابع على الركبة، وذهب إلى هذا بعضهم: عملاً بهذه الرواية، قال: وكأن الحكمة فيه: منع اليد عن العبث.

واعلم أن قوله في حديث ابن عمر: “وعقد ثلاثاً وخمسين” إشارة إلى طريقة معروفة، تواطأت عليها العرب في عقود الحساب، وهي أنواع من الاحاد، والعشرات، والمئين، والألوف. أما الاحاد، فللواحد: عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف. وللاثنين: عقد البنصر معها كذلك. وللثلاثة: عقد الوسطى معها كذلك. وللأربعة: حل الخنصر. وللخمسة: حل البنصر معها دون الوسطى. وللستة: عقد البنصر وحل جميع الأنامل. وللسبعة: بسط البنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف. وللثمانية: بسط البنصر فوقها كذلك. وللتسعة: بسط الوسطى فوقها كذلك.

وأما العشرات: فلها الإبهام والسبابة. فللعشرة الأولى: عقد رأس الإبهام على طرف السبابة وللعشرين: إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى. وللثلاثين: عقد رأس السبابة على رأس الإبهام، عكس العشرة. وللأربعين: تركيب الإبهام على العقد الأوسط من السبابة، وعطف الإبهام على أصلها. وللخمسين: عطف الإبهام إلى أصلها. وللستين: تركيب السبابة على ظهر الإبهام، عكس الأربعين. وللسبعين: إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة، ورد طرف السبابة إلى الإبهام. وللثمانين: رد طرف السبابة إلى أصلها، وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام. وللتسعين: عطف السبابة إلى أصل الإبهام، وضمها بالإبهام. وأما المئين فكالاحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى، والألوف كالعشرات في اليسرى.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: الْتفتَ إليْنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقَالَ: “إذا صلى أحدَكم فلْيَقُل: التّحِيّات لله، والصَّلواتُ، والطّيِّباتُ، السّلامُ عليك أيّها النبيّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحينَ، أشهدُ أن لا إلَه إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ محمداً عبْدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ ليتخَيّر من الدّعاءِ أَعْجبَهُ إليه، فيَدْعو” متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.

وللنسائي: كُنّا نقولُ قبلَ أن يُفرض علينا التشهد.

ولأحمد: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس.

(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: التفت إلينا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: إذا صلى أحدكم فليقل التّحيات) جمع تحية، ومعناها: البقاء والدوام، أو العظمة، أو السلامة من الافات، أو كل أنواع التعظيم (لله والصَّلوات) قيل: الخمس، أو ما هو أعم من الفرض والنفل، أو العبادات كلها، أو الدعوات، أو الرحمة، وقيل: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية (والطّيّبات) أي: ما طاب من كلام وحسن أن يثني به على الله، أو ذكر الله، أو الأقوال الصالحة، أو الأعمال الصالحة، أو ما هو أعم من ذلك، وطيبها: كونها كاملة خالصة عن الشوائب، والتحيات مبتدأ خبرها لله، والصلوات والطيبات عطف عليه، وخبرهما محذوف؛ وفيه تقادير أخر.

(السّلامُ) أي السلام الذي يعرفه كل أحد (علَيك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته) خصوه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أولًا بالسلام عليه لعظم حقه عليهم، وقدموه على التسليم على أنفسهم، لذلك، ثم أتبعوه بالسلام عليهم في قولهم: (السّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين) وقد ورد: أنه يشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، وفسر الصالح: بأنه القائم بحقوق الله، وحقوق عباده، ودرجاتهم متفاوتة.

(أشهد أن لا إله إلا الله) لا مستحق للعبادة بحق غيره، فهو قصر إفراد: لأن المشركين كانوا يعبدونه، ويشركون معه غيره (وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله) هكذا هو بلفظ عبده ورسوله في جميع روايات الأمهات الست، ووهم ابن الأثير في جامع الأصول، فساق حديث ابن مسعود بلفظ: (وأن محمداً رسول الله) ونسبه إلى الشيخين، وغيرهما، وتبعه على وهمه: صاحب تيسير الوصول، وتبعهما على الوهم: الجلال في ضوء النهار، وزاد: أنه لفظ البخاري، ولفظ البخاري كما قاله المصنف، فتنبه.

(ثم ليتخير من الدعاء أعجبَهُ إليه فيدعو. متفق عليه واللفظ للبخاري) قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن مسعود، يروى عنه من نيف وعشرين طريقاً، ولا نعلم روى عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في التشهد أثبت منه، ولا أصح إسناداً، ولا أثبت رجالاً، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق. وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف عنه أصحابه. وقال محمد بن يحيى الذهلي: هو أصح ما روى في التشهد. وقد روى حديث التشهد أربعة وعشرون صحابياً، بألفاظ مختلفة، اختار الجماهير منها حديث ابن مسعود.

والحديث فيه دلالة على وجوب التشهد لقوله: “فليقل”، وقد ذهب إلى وجوبه أئمة من الال، وغيرهم من العلماء، وقالت طائفة: إنه غير واجب لعدم تعليمه المسيء صلاته. ثم اختلفوا في الألفاظ التي تجب عند من أوجبه، أو عند من قال: إنه سنة. وقد سمعت أرجحية حديث ابن مسعود، وقد اختاره الأكثر، فهو الأرجح. وقد رجح جماعة غيره من ألفاظ التشهد الواردة عن الصحابة، وزاد ابن أبي شيبة قول: “وحده لا شريك له” في حديث ابن مسعود من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة من حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني، إلا أنه بسند ضعيف، وفي سنن أبي داود: قال[اث] ابن عمر[/اث]: زدت فيه: “وحده لا شريك له”. وظاهره: أنه موقوف على ابن عمر.

وقوله: “ثم ليتخير من الدعاء أعجبه”. زاد أبو داود: “فيدعو به” ونحوه للنسائي من وجه اخر بلفظ: “فليدع”. وظاهره الوجوب أيضاً للأمر به، وأنه يدعو بما شاء من خيري الدنيا والاخرة. وقد ذهب إلى وجوب الاستعاذة الاتية: طاوس، فإنه أمر ابنه بالإعادة للصلاة؛ لما لم يتعوذ من الأربع الاتي ذكرها، وبه قال بعض الظاهرية. وقال ابن حزم: ويجب أيضاً في التشهد الأول، والظاهر مع القائل بالوجوب، وذهب الحنفية، والنخعي، وطاوس: إلى أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القران. وقال بعضهم: لا يدعو إلا بما كان مأثوراً، ويرد القولين: قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ثم ليتخير من الدعاء أعجبه” وفي لفظ: “ما أحب”، وفي لفظ للبخاري: “من الثناء ما شاء” فهو إطلاق للداعي أن يدعو بما أراد. وقال ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الاخرة. وقد أخرج سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود: فعلمنا التشهد في الصلاة: أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللهم إني أسألك من الخير ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون، {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} الآية.

ومن أدلة وجوب التشهد ما أفاده قوله: (وللنسائي) أي من حديث ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) حذف المصنف تمامه وهو: “السلام على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: التحيات. إلى اخره”. ففي قوله: يفرض عليه: دليل الإيجاب، إلا أنه أخرج النسائي هذا الحديث من طريق ابن عيينة. قال ابن عبد البر في الاستذكار: تفرد ابن عيينة بذلك، وأخرج مثله: الدارقطني، والبيهقي، وصححاه.

(ولأحمد) أي من حديث ابن مسعود وهو من أدلة الوجوب أيضاً: (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم علّمه التشهد، وأمره أن يعلمهُ الناس) أخرجه أحمد عن ابن عبيدة عن عبد الله قال: “علمه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم التشهد، وأمره أن يعلمه الناس: التحيات وذكره إلخ”.

ولمسْلمٍ عن ابن عباس قالَ: كانَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُعلِّمُنا التّشهدَ: “التحيات المُباركاتُ الصلوات الطّيِّبات لله ــــ إلى اخرِهِ”.

(ولمسْلمٍ عن ابن عباس قالَ: كانَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُعلِّمُنا التّشهد: “التحيات المُباركات الصوات الطّيِّبات لله ــــ إلى اخرِهِ”).

تمامه: “السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله” هذا لفظ مسلم، وأبي داود، ورواه الترمذي، وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكراً، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: “وأشهد أن محمداً عبده ورسوله” ورواه الشافعي، وأحمد: بتنكير السلام أيضاً، وقالا فيه: “وأن محمداً”، ولم يذكرا: أشهد، وفيه زيادة: المباركات، وحذف الواو من: الصلوات ومن الطيبات. وقد اختار الشافعي: تشهد ابن عباس هذا. قال المصنف: إنه قال الشافعي لما قيل له: كيف صرت إلى حديث ابن عباس في التشهد؟ قال: لما رأيته واسعاً، وسمعته عن ابن عباس صحيحاً، كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، فأخذت به، غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح.

وعن فَضالةَ بن عُبَيْدٍ رضي الله عنهُ قالَ: سمع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحْمد الله، ولم يصل على النبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقال: “عجل هذا” ثمَّ دعاهُ، فقالَ: “إذا صلى أحدكم فلْيبدأ بتحميد ربِّه والثناء عليه، ثمَّ يصلي على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ثمَّ يدعو بما شاءَ” رواهُ أحمد والثلاثة، وصحّحهُ الترمذي، وابن حِبّان، والحاكم.

(وعن فضالة) بفتح الفاء بزنة سحابة، هو أبو محمد: فضالة (بن عبيد) بصيغة التصغير لعبد، أنصاري أوسي. أول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت الشجرة، ثم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وتولى القضاء بها، ومات بها، وقيل غير ذلك.

(قال: سمع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم يصل على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: عجل هذا) أي: بدعائه قبل تقديم الأمرين (ثم دعاه، فقال: إذا صلى أحدكمْ فلْيَبدأ بتحميدِ ربّه والثناءِ عليه) هو عطف تفسيري، ويحتمل أن يراد بالتحميد: نفسه، وبالثناء: ما هو أعم) أي: عبارة، فيكون من عطف العام على الخاص (ثمّ يصلي) هو خبر محذوف: أي ثم يصلي عطف جملة على جملة، فلذا لم تجزم (على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ثم يدعو بما شاء) من خير الدنيا والاخرة (رواه أحمد، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم).

الحديث دليل: على وجوب ما ذكر من التحميد والثناء، والصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، والدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى: لحديث ابن مسعود وغيره، فإن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء، وهي مبينة لما أجمله هذا. ويأتي الكلام في الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهذا إذا ثبت: أن هذا الدعاء الذي سمعه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من ذلك الرجل، كان في قعدة التشهد، وإلا فليس في هذا الحديث دليل على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد، إلا أن ذكر المصنف له هنا يدل على أنه كان في قعود التشهد، وكأنه عرف ذلك من سياقه. وفيه دليل على تقديم الوسائل بين يدي المسائل وهي نظير {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} (فكيف نصلي عليك؟ فسكت) أي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وعند أحمد، ومسلم زيادة: “حتى تمنينا أنه لم يسأله” (ثم قال: قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى ال محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى ال محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ).

الحميد: صيغة مبالغة فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث. أي إنك محمود بمحامدك اللائقة بعظمة شأنك، وهو تعليل لطلب الصلاة، أي: لأنك محمود، ومن محامدك: إفاضتك أنواع العنايات، وزيادة البركات على نبيك، الذي تقرب إليك بامتثال ما أهلته له من أداء الرسالة، ويحتمل أن حميداً بمعنى: حامد: أي أنك حامد من يستحق أن يحمد، ومحمد من أحق عبادك بحمدك، وقبول دعاء من يدعو له، ولاله، وهذا أنسب بالمقام، “مجيد” مبالغة ماجد، والمجد: الشرف.

(والسلام كما علمتم) بالبناء للمجهول وتشديد اللام، وفيه رواية بالبناء للمعلوم وتخفيف اللام (رواه مسلم. وزاد ابن خزيمة: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا). وهذه الزيادة رواها أيضاً ابن حبان، والدارقطني، والحاكم، وأخرجها أبو حاتم، وابن خزيمة في صحيحيهما، وحديث الصلاة أخرجه الشيخان: عن كعب بن عجرة عن أبي حميد الساعدي، وأخرجه البخاريّ: عن أبي سعيد، والنسائي: عن طلحة، والطبراني: عن سهل بن سعد، وأحمد والنسائي: عن زيد بن خارجة.

والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الصلاة؛ لظاهر الأمر، أعني: “قولوا” وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، والأئمة، والشافعي، وإسحق، ودليلهم: الحديث مع زيادته الثابتة، ويقتضي أيضاً وجوب الصلاة على الال، وهو قول الهادي، والقاسم، وأحمد بن حنبل، ولا عذر لمن قال: بوجوب الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مستدلاً بهذا الحديث من القول: بوجوبها على الال، إذ المأمور به واحد، ودعوى النووي، وغيره الإجماع على أن الصلاة على الال مندوبة: غير مسلمة، بل نقول: الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا تتم، ويكون العبد ممتثلاً بها، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الال؛ لأنه قال السائل: “كيف نصلي عليك” فأجابه بالكيفية: أنها الصلاة عليه وعلى اله، فمن لم يأت بالال، فما صلى عليه بالكيفية التي أمر بها، فلا يكون ممتثلاً للأمر، فلا يكون مصلياً عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وكذلك بقية الحديث: من قوله: “كما صليت إلى اخره” يجب؛ إذ هو من الكيفية المأمور بها، ومن فرق بين ألفاظ هذه الكيفية، بإيجاب بعضها، وندب بعضها، فلا دليل له على ذلك.

وأما استدلال المهدي في البحر على: أن الصلاة على الال سنة: بالقياس على الأذان؛ فإنهم لم يذكروا معه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيه، فكلام باطل، فإنه كما قيل: لا قياس مع النص، لأنه لا يذكر الال في تشهد الأذان لا ندباً ولا وجوباً، ولأنه ليس في الأذان دعاء له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، بل شهادة بأنه رسول الله، والال لم يأت تعبد بالشهادة بأنهم اله.

ومن هنا تعلم: أن حذف لفظ الال من الصلاة، كما يقع في كتب الحديث ليس على ما ينبغي. وكنت سئلت عنه قديماً فأجبت: أنه قد صح عند أهل الحديث بلا ريب كيفية الصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهم رواتها، وكأنهم حذفوها خطأ؛ تقية لما كان في الدولة الأموية من يكره ذكرهم. ثم استمر عليه عمل الناس متابعة من الاخر للأول، فلا وجه له، وبسطت هذا الجواب في حواشي شرح العمدة بسطاً شافياً.

وأما من هم الال، ففي ذلك أقوال: الأصح: أنهم من حرمت عليهم الزكاة، فإنه بذلك فسرهم زيد بن أرقم، والصحابي أعرف بمراده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فتفسيره قرينة على تعيين المراد من اللفظ المشترك، وقد فسرهم: بال علي، وال جعفر، وال عقيل، وال العباس.

فإن قيل: يحتمل أن يراد بقوله: “إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا” أي إذا نحن دعونا لك في دعائنا، فلا يدل على إيجاب الصلاة عليه في الصلاة. قلت: الجواب من وجهين: الأول: المتبادر في لسان الصحابة من الصلاة في قوله: “صلاتنا”: الشرعية، لا اللغوية، والحقيقة العرفية مقدمة إذا ترددت بين المعنيين. الثاني: أنه قد ثبت وجوب الدعاء في اخر التشهد، كما عرفت من الأمر به، والصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قبل الدعاء واجبة؛ لما عرفت من حديث فضالة، وبهذا يتم إيجاب الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد التشهد: قبل الدعاء الدالّ على وجوبه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا تشهّدَ أحدُكم فلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أربعٍ، يقولُ: اللّهُمَّ إني أعوذُ بكَ مِنْ عذابِ جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيحِ الدّجّالِ” متفقٌ عليه.

وفي رواية لمسلم: إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا تشهد أحدكم) مطلق في التشهد الأوسط، والأخير (فليستعذ بالله من أربع) بينها بقوله: (يقول: اللهم إني أعوذُ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: إذا فرَغَ أحدكُمْ من التشهد الأخير) هذه الرواية قيدت إطلاق الأولى، وأبانت أن الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير. ويدل التعقيب بالفاء أنها تكون قبل الدعاء المخير فيه بما شاء.

والحديث: دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، وهو مذهب الظاهرية. وقال ابن حزم منهم: ويجب أيضاً في التشهد الأول عملاً منه بإطلاق اللفظ المتفق عليه، وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ فيها؛ فإنه يقول بالوجوب، وبطلان صلاة من تركها، والجمهور حملوه على الندب.

وفيه: دلالة على ثبوت عذاب القبر. والمراد من فتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات. وأعظمها ــــ والعياذ بالله ــــ أمر الخاتمة عند الموت. وقيل: هي: الابتلاء مع عدم الصبر. وفتنة الممات، قيل: المراد بها الفتنة عند الموت؛ أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة، وقد أخرج البخاري: “إنكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريباً من فتنة الدجال” ولا يكون هذا تكريراً لعذاب القبر؛ لأن عذاب القبر متفرع على ذلك.

وقوله: “فتنة المسيح الدجال” قال العلماء أهل اللغة: الفتنة: الامتحان، والاختبار، وقد يطلق على: القتل، والإحراق، والتهمة، وغير ذلك، والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين المهملة، واخره حاء مهملة، وفيه ضبط اخر، وهذا الأصح، ويطلق على الدجال، وعلى عيسى، ولكن إذا أريد به الدجال: قيد باسمه. سمي المسيح؛ لمسحه الأرض، وقيل: لأنه ممسوح العين. وأما عيسى فقيل له: المسيح؛ لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ. وذكر صاحب القاموس: أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولاً.

وعن أبي بكْر الصّديق رضي الله عنه أنهُ قال لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: علّمْني دُعاءً أدْعو به في صلاتي، قال: “قلْ: “اللهم إني ظلَمْت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغْفِرُ الذنوبَ إلَّا أنت، فاغْفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم” متّفقٌ عليه.

(وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهُمّ إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) يروى بالمثلثة وبالموحدة فيخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع بينهما، لأنه لم يرد إلا أحدهما (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) إقرار بالوحدانية (فاغفر لي) استجلاب للمغفرة (مغفِرة) نكرها للتعظيم: أي مغفرة عظيمة، وزادها تعظيماً بوصفها بقوله: (من عندك) ؛ لأن ما يكون من عنده تعالى لا تحيط بوصفه عبارة (وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) توسل إلى نيل مغفرة الله ورحمته بصفتي غفرانه، ورحمته (متفق عليه).

الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق من غير تعيين محل له، ومن محلاته بعد التشهد، والصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، والاستعاذة لقوله: “فليتخير من الدعاء ما شاء” والإقرار بظلم نفسه: اعتراف بأنه لا يخلو أحد من البشر عن ظلم نفسه: بارتكابه ما نهى عنه، أو تقصيره عن أداء ما أمر به. وفيه: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات، واستدفاع المكروهات، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه، كلفظ الغفور الرحيم عند طلب المغفرة، ونحو: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} عند طلب الرزق. والقران، والأدعية النبوية: مملوءة بذلك.

وفي الحديث دليل على طلب التعليم من العالم، سيما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.

واعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ غير ما ذكر. أخرج النسائي عن جابر: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدى محمد”، وأخرج أبو داود عن ابن مسعود: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يعلمهم من الدعاء بعد التشهد: اللهم ألِّف على الخير بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن: ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا” أخرجه أبو داود. وأخرج أبو داود أيضاً، عن بعض الصحابة: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لرجل: “كيف تقول في الصلاة؟” قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “حول ذلك ندندن أنا، ومعاذ” ففيه أنه يدعو الإنسان بأيّ لفظ شاء: من مأثور، وغيره.

وعن وائل بنُ حُجر رضي الله عنه قال: صَلّيت مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فكان يسلِّم عن يمينه: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه” وعن شماله: “السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ” رواهُ أبو داود بإسناد صحيح.

(وعن وائل بنُ حُجر رضي الله عنه قال: صَلّيت مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فكان يسلِّم عن يمينه: “السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه” وعن شماله: “السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتهُ” رواهُ أبو داود بإسناد صحيح).

هذا الحديث أخرجه أبو داود من حديث علقمة بن وائل عن أبيه، ونسبه المصنف في التلخيص إلى عبد الجبار بن وائل، وقال: لم يسمع من أبيه، فأعله بالانقطاع، وهنا قال: صحيح، وراجعنا سنن أبي داود، فرأيناه: رواه عن علقمة بن وائل عن أبيه، وقد صح سماع علقمة عن أبيه، فالحديث سالم عن الانقطاع، فتصحيحه هنا هو الأولى، وإن خالف ما في التلخيص.

وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة: “وبركاته” إلا في رواية وائل هذه، ورواية عن ابن مسعود. وعند ابن ماجه، وعند ابن حبان، ومع صحة إسناد حديث وائل، كما قال المصنف هنا: يتعين قبول زيادته؛ إذ هي زيادة عدل، وعدم ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها. قال الشارح: إنه لم ير من قال: وجوب زيادة وبركاته، إلا أنه قال: قال الإمام يحيى: إذا زاد وبركاته ورضوانه وكرامته أجزأ، إذ هو زيادة فضيلة، وقد عرفت أن الوارد زيادة “وبركاته”، وقد صحت ولا عذر عن القول بها، وقال به السرخسي، والإمام، والروياني في الحلية.

وقول ابن الصلاح: إنها لم تثبت قد تعجب منه المصنف وقال: هي ثابتة عند ابن حبان في صحيحه، وعند أبي داود، وعند ابن ماجه قال المصنف: إلا أنه قال ابن رسلان في شرح السنن: لم نجدها في ابن ماجه. قلت: راجعنا سنن ابن ماجه من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: “باب التسليم” حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عمر بن عبيد عن ابن إسحاق عن الأحوص عن عبد الله: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى يرى بياض خده: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”، انتهى بلفظه: وفي تلقيح الأفكار تخريج الأذكار للحافظ ابن حجر: لما ذكر النووي: أن زيادة وبركاته زيادة فردة، ساق الحافظ طرقاً عدة لزيادة “وبركاته” ثم قال: فهذه عدة طرق ثبتت بها: “وبركاته” بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية فردة، انتهى كلامه.

وحيث ثبت أن التسليمتين من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الصلاة، وقد ثبت قوله: “صلوا كما رأيتموني أصلي”، وثبت حديث: “تحريمها التكبير وتحليلها السلام” أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، فيجب التسليم لذلك. وقد ذهب إلى القول بوجوبه الهادوية، والشافعية. وقال النووي: إنه قول جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم.

وذهب الحنفية، واخرون إلى: أنه سنة، مستدلين على ذلك بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث ابن عمر: “إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل التسليم، فقد تمت صلاته” فدل على أن التسليم ليس بركن واجب، وإلا لوجبت الإعادة؛ ولحديث المسيء صلاته؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمره بالسلام. وأجيب عنه: بأن حديث ابن عمر ضعيف باتفاق الحفاظ؛ فإنه أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده. وحديث المسيء صلاته لا ينافي الوجوب؛ فإن هذه الزيادة، وهي مقبولة، والاستدلال بقوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} على عدم وجوب السلام: استدلال غير تام؛ لأن الاية مجملة بيّن المطلوب منها فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولو عمل بها وحدها لما وجبت القراءة، ولا غيرها.

ودل الحديث: على وجوب التسليم على اليمين واليسار، وإليه ذهبت الهادوية، وجماعة، وذهب الشافعي: إلى أن الواجب تسليمة واحدة، والثانية مسنونة. قال النووي: أجمع العلماء الذين يعتد بهم: أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن اقتصر عليها استحب له أن يسلم تلقاء وجهه، فإن سلم تسليمتين، جعل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ولعل حجة الشافعي حديث عائشة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا أوتر بتسع ركعات، لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة” أخرجه ابن حبان، وإسناده على شرط مسلم. وأجيب عنه: بأنه لا يعارض حديث الزيادة، كما عرفت من قبول الزيادة إذا كانت من عدل. وعند مالك: أن المسنون تسليمة واحدة. وقد بين ابن عبد البر: ضعف أدلة هذا القول من الأحاديث.

واستدل المالكية: على كفاية التسليمة الواحدة: بعمل أهل المدينة، وهو عمل توارثوه كابراً عن كابر. وأجيب عنه: بأنه قد تقرر في الأصول: أن عملهم ليس بحجة، وقوله: “عن يمينه وعن شماله” أي منحرفاً إلى الجهتين بحيث يرى بياض خده، كما ورد في رواية سعد: “رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سلم عن يمينه وعن شماله، حتى كأني أنظر إلى صفحة خده” وفي لفظ: “حتى أرى بياض خده”. أخرجه مسلم والنسائي.

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يقولُ في دُبُر كل صلاة مكتوبة: “لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ الملك ولهُ الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، اللهم لا مانع لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجدِّ منْك الجدُّ” متفقٌ عليه.

(وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقول في دبر) قال في القاموس: الدبر بضم الدال وبضمتين: نقيض القبل من كل شيء، عقبه ومؤخره، وقال في الدبر محركة الدال والباء بالفتح: الصلاة في اخر وقتها، وتسكن الباء ولا يقال بضمتين؛ فإنه من لحن المحدثين (كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما مَنعت) ووقع عند عبد بن حميد بعده: “ولا راد لما قضيت” (ولا ينفع ذا الجد منك الجدُّ. متفق عليه). زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة بعد قوله: “له الملك وله الحمد” ــــ “يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير” ورواته موثوقون، وثبت مثله عند البزار: من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح، لكنه في القول: إذا أصبح وإذا أمسى.

ومعنى: “لا مانع لما أعطيت”: أن من قضيت له بقضاء من رزق، أو غيره، لا يمنعه أحد عنه، ومعنى: “لا معطي لما منعت”: أنه من قضيت له بحرمان، لا معطى له. والجد بفتح الجيم كما سلف. قال البخاري: معناه الغنى، والمراد: لا ينفعه، ولا ينجيه حظه في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك.

والحديث دليل على استحباب هذا الدعاء عقب الصلوات، لما اشتمل على توحيد الله، ونسبة الأمر كله إليه، والمنع، والإعطاء، وتمام القدرة.

وعن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه، أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يَتَعَوَّذُ بهنَّ دُبُر كلِّ صلاة: “اللهُمَّ إني أعوذُ بك من البخلِ وأعوذُ بك من الجبن، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمر، وأعوذُ بك من فِتْنَةِ الدنيا، وأعوذُ بك من عذاب القبر” رواه البخاري.

(وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يتعوَّذُ بهنَّ دُبُر كلِّ صلاة اللهُمَّ إنِّي أعوذ بك) أي: ألتجيء إليك (من البُخْل) بضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة. وفيه لغات (وأعوذُ بك من الجبن) بزنة البخل (وأعوذُ بك من أن أراد إلى أرذل العمر، وأعوذُ بك من فتنة الدنيا، وأعوذُ بك من عذاب القبر. رواه البخاري).

قوله: دبر الصلاة هنا، وفي الأول، يحتمل، أنه قبل الخروج؛ لأن دبر الحيوان منه، وعليه بعض أئمّة الحديث، ويحتمل: أنه بعدها، وهو أقرب. والمراد بالصلاة عند الإطلاق: المفروضة. والتعوذ من البخل قد كثر في الأحاديث، قيل: والمقصود منه: منع ما يجب بذله من المال شرعاً، أو عادة. والجبن: هو المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها يقال منه: جبان، كسحاب: لمن قام به، والمتعوذ منه هو: التأخر عن الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والتأخر: عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. والمراد من الرد إلى أرذل العمر: هو بلوغ الهرم والخرف حتى يعود، كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. وأما فتنة الدنيا، فهي: الافتتان بشهواتها وزخارفها، حتى تلهيه عن القيام بالواجبات، التي خلق لها العبد، وهي عبادة بارئه وخالقه، وهو المراد من قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وتقدم الكلام على عذاب القبر.

[رح55]ـــ وعن ثوبان رضي الله عنهُ قالَ: كانَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: “اللهمَّ أنت السّلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام” رواه مسلم.

(وعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا انصرف من صلاته) أي سلم منها (استغفر الله ثلاثاً) بلفظ: أستغفر الله. وفي الأذكار للنووي: قيل للأوزاعي، وهو أحد رواة هذا الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله أستغفر الله (وقال: اللهُمَّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، رواه مسلم).

والاستغفار: إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه؛ لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركاً لذلك.

وشرع له: أن يصف ربه بالسلام، كما وصف به نفسه، والمراد: ذو السلامة من كل نقص وافة، مصدر وصف به للمبالغة “ومنك السلام” أي منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والاخرة، والمراد بقوله: يا ذا الجلال والإكرام: يا ذا الغنى المطلق والفضل التام، وقيل: الذي عنده الجلال والإكرام لعباده المخلصين، وهو من عظائم صفاته تعالى، ولذا قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام” ومر برجل يصلي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال: “قد استجيب لك”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “من سَبّح الله دُبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبّر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تِسْعٌ وتسْعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحمْد، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، غفرَت خطاياه، ولوْ كانتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْر” رواه مسلمٌ، وفي رواية أخرى: أنَّ التكبير أربعٌ وثلاثون.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: من سبّح الله دُبُر كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين) يقول: سبحان الله (وحمد الله ثلاثاً وثلاثين) يقول: الحمد لله (وكبر الله ثلاثاً وثلاثين) يقول: الله أكبر (فتلك تسعٌ وتسعون) عدد أسماء الله الحسنى (وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمْدُ، وهُوَ على كلِّ شيء قديرٌ، غُفِرَت خطاياه، ولو كانت مثل زَبَد البحر) وهو ما يعلو عليه عند اضطرابه (رواه مسلم، وفي رواية أخرى) لمسلم، عن أبي هريرة: (أنَّ التكبير أربعٌ وثلاثون) وبه تتم المائة، فينبغي العمل بهذا تارة، وبالتهليل أخرى؛ ليكون قد عمل بالروايتين.

وأما الجمع بينهما، كما قال الشارح، وسبقه غيره، فليس بوجه؛ لأنه لم يرد الجمع بينهما، ولأنه يخرج العدد عن المائة، هذا.

وللحديث سبب، وهو: “أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقالوا: يا رسول الله، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى، والنعيم المقيم، فقال: وما ذلك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أفلا أعلمكم شيئاً، تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا بلى: قال: سبحوا الله. الحديث” وكيفية التسبيح وأخويه كما ذكرناه. وقيل: يقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين.

وقد ورد في البخاري من حديث أبي هريرة أيضاً: “يسبحون عشراً، يحمدون عشراً، ويكبرون عشراً”. وفي صفة أخرى: “يسبحون خمساً وعشرين تسبيحة، ومثلها تحميداً، ومثلها تكبيراً، ومثله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فتتم المائة”.

وأخرج أبو داود من حديث زيد بن أرقم: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول دبر كل صلاة: اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد: أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد: أن محمداً صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد: أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء، اجعلني مخلصاً لك وأهلي، في كل ساعة من الدنيا والاخرة، يا ذا الجلال والإكرام، استمع واستجب، الله أكبر الله أكبر، الله نور السموات والأرض، الله أكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر”.

وأخرج أبو داود من حديث علي عليه السلام: “وكان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا سلم من الصلاة قال: اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت” وأخرج أبو داود، والنسائي: من حديث عقبة بن عامر: “أمرني رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة”، وأخرج مسلم من حديث البراء: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقول بعد الصلاة: “رب قني عذابك يوم تبعث عبادك”.

وورد بعد صلاة المغرب، وبعد صلاة الفجر، بخصوصهما: “قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات” أخرجه أحمد، وهو زيادة على ما ذكر في غيرهما، وأخرج الترمذي عن أبي ذر: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرز من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله عزَّ وجل”، وقال الترمذي: غريب حسن صحيح. وأخرجه النسائي من حديث معاذ، وزاد فيه: “بيده الخير” وزاد فيه أيضاً: “وكان له بكل واحدة قالها: عتق رقبة”.

وأخرج الترمذي والنسائي من حديث عمارة بن شبيب قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، على إثر المغرب، بعث الله له ملائكة يحفظونه من الشيطان الرجيم حتى يصبح، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت له بعدل عشر رقبات مؤمنات” قال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن سعد، ولا نعرف لعمارة سماعاً من النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

وأما قراءة الفاتحة بنية كذا، وبنية كذا، كما يفعل الان، فلم يرد بها دليل، بل هي بدعة. وأما الصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد تمام التسبيح وأخويه من الثناء، فالدعاء بعد الذكر سنة، والصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمام الدعاء كذلك سنة، إنما الاعتياد لذلك، وجعله في حكم السنن الراتبة، ودعاء الإمام مستقبل القبلة مستدبراً للمأمومين، فلم يأت به سنة، بل الذي ورد: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يستقبل المأمومين إذا سلم، قال البخاري: “باب يستقبل الإمام الناس إذا سلم”، وورد في حديث سمرة بن جندب، وحديث زيد بن خالد: “كان إذا صلى أقبل علينا بوجهه”، وظاهره المداومة على ذلك.

وعن مُعاذ بن جبل، أنَّ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ لَهُ: “أُوصِيك يا مُعَاذُ: لا تدعنَّ دُبُرَ كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذِكْرك وشُكركَ وحسْنِ عبادتك” رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنسائي بسند قوي.

(وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال له: أُوصيك يا معاذ لا تدعَنَّ) هو نهي من ودعه، إلا أنه هجر ماضيه في الأكثر، استغناء عنه بترك، وقد ورد قليلاً وقرىء: “ما ودعك ربك” (دُبرَ كلِّ صلاة أن تقول: اللهمَّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بسند قوي) النهي أصله: التحريم، فيدل على إيجاب هذه الكلمات دبر الصلاة، وقيل: إنه نهى إرشاد، ولا بد من قرينة على ذلك. وقيل: يحتمل أنها في حق معاذ نهي تحريم، وفيه بعد. وهذه الكلمات عامة لخير الدنيا والآخرة.

وعن أبي أُمامة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “منْ قرَأَ اية الكرسيِّ دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دُخُول الجنّةِ إلَّا المَوْت”. رواهُ النسائي، وصحيحه ابن حبّان.

وزاد فيه الطّبراني: “وقُلْ هوَ الله أحدٌ”.

(وعن أبي أمامة) هو إياس على الأصح، كما قاله ابن عبد البر، ابن ثعلبة، الحارثي الأنصاري الخزرجي، لم يشهد بدراً، إلا أنه عذره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الخروج، لعلته بمرض والدته. وأبو أمامة الباهلي، تقدم في أول الكتاب، فإذا أطلق فالمراد به: هذا، وإذا أريد الباهلي، قيد به.

(قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: من قرأ اية الكرسي دُبُر كلِّ صلاة مكتوبة) أي مفروضة (لم يمْنَعْهُ من دخول الجنّة إلا الموت. رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني: و”قُل هو الله أحدٌ”) وقد ورد نحوه من حديث علي عليه السلام بزيادة: من قرأها حين يأخذ مضجعه، أمنه الله على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله، رواه البيهقي في شعب الإيمان، وضعف إسناده. وقوله: “لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت” هو على مضاف: أي: لا يمنعه إلا عدم موته، حذف لدلالة المعنى عليه. واختصت اية الكرسي بذلك؛ لما اشتملت عليه من أصول الأسماء، والصفات الإلهية، والوحدانية، والحياة، والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة. وقل هو الله أحد: متمحضة لذكر صفات الله تعالى.

وعن مالك بن الحُويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلُّوا كما رأَيْتُمُوني أصلي” رواهُ البخاريُّ.

(وعن مالك بن الحُويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلُّوا كما رأَيْتُمُوني أصلي” رواهُ البخاريُّ).

هذا الحديث: أصل عظيم في دلالته: على أن أفعاله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الصلاة، وأقواله: بيان لما أجمل من الأمر بالصلاة في القران، وفي الأحاديث، وفيه دلالة: على وجوب التأسي به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيما فعله في الصلاة، فكل ما حافظ عليه من أفعالها، وأقوالها، وجب على الأمة، إلا لدليل يخصص شيئاً من ذلك، وقد أطال العلماء الكلام في الحديث، واستوفاه ابن دقيق العيد في شرح العمدة، وزدناه تحقيقاً في حواشيها.

وعن عِمْران بن حصين رضي لله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “صلِّ قائماً، فإن لم تَسْتطع فقاعداً، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ، وإلا فأَوْم”. رواه البخاري.

(يتبع…)

(تابع… 1): واختلف العلماء في حكم تكبير النقل: فقيل: إنه واجب، وروي قولاً لأحمد… …

(وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: صلِّ قائماً، فإن لم تستطع) أي الصلاة قائماً (فقاعداً فإن لم تستطع) أي وإن لم تستطع الصلاة قاعداً (فعلى جنْب، وإلَّا) أي: وإن لم تستطع الصلاة على جنب (فأوْم) لم نجده في نسخ بلوغ المرام منسوباً، وقد أخرج البخاري دون قوله: “وإلا فأوْم” والنسائي، وزاد: “فإن لم تستطع فمستلق” لا يكلف الله نفساً إلا وسعها وقد رواه الدارقطني من حديث علي عليه السلام بلفظ: “فإن لم تستطع أن تسجد أوم، واجعل سجودك أخفض من ركوعك، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن، صلى مستلقياً رجلاه مما يلي القبلة” وفي إسناده ضعف، وفيه متروك.

وقال المصنف: لم يقع في الحديث ذكر الإيماء، وإنما أورده الرافعي. قال: ولكنه ورد في حديث جابر: “إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك” أخرجه البزار، والبيهقي في المعرفة. قال البزار: وقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: الصواب عن جابر موقوفاً، ورفعه خطأ، وقد روي أيضاً من حديث ابن عمر، وابن عباس، وفي إسناديهما ضعف.

والحديث دليل: على أنه لا يصلي الفريضة قاعداً إلا لعذر، وهو عدم الاستطاعة، ويلحق به ما إذا خشي ضرراً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وكذا قوله: “فإن لم تستطع فعلى جنب” وفي قوله في حديث الطبراني: “فإن نالته مشقة فجالساً، فإن نالته مشقة فنائماً” أي مضجعاً، وفيه حجة على من قال: إن العاجز عن القعود تسقط عنه الصلاة، وهو يدل على أن من نالته مشقة، ولو بالتألم، يباح له الصلاة من قعود، وفيه خلاف. والحديث مع من قال: إن التألم يبيح ذلك. ومن المشقة: صلاة من يخاف دوران رأسه، إذا صلى قائماً في السفينة، أو يخاف الغرق: أبيح له القعود، هذا.

ولم يبين الحديث هيئة القعود على أي صفة، ومقتضى إطلاقه صحته على أي هيئة شاءها المصلي، وإليه ذهب جماعة من العلماء. وقال الهادي وغيره: إنه يتربع واضعاً يده على ركبتيه، ومثله عند الحنفية، وذهب زيد بن علي، وجماعة إلى: أنه مثل قعود التشهد. قيل: والخلاف في الأفضل.

قال المصنف في فتح الباري: اختلف في الأفضل، فعند الأئمة الثلاثة: التربع، وقيل: مفترشاً، وقيل متوركاً، وفي كل منها أحاديث. وقوله في الحديث: “على جنب” الكلام في الاستطاعة هنا، كما مر، وهو هنا مطلق. وقيده في حديث عليّ عليه السلام عند الدارقطني، على جنبه الأيمن، مستقبل القبلة بوجهه، وهو حجة الجمهور. وأنه يكون على هذه الصفة، كتوجه الميت في القبر. ويؤخذ من الحديث: أنه لا يجب شيء بعد تعذر الإيماء على الجنب. وعن الشافعي، والمؤيد: يجب الإيماء بالعينين والحاجبين. وعن زفر: الإيماء بالقلب.

وقيل: يجب إمرار القران، والذكر على اللسان، ثم على القلب، إلا أن هذه الكلمة لم تأت في الأحاديث، وفي الاية {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} وإن كان عدم الذكر لا ينفي الوجوب بدليل اخر. وقد وجبت الصلاة على الإطلاق، وثبت: “إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” فإذا استطاع شيئاً مما يفعل في الصلاة وجب عليه، لأنه مستطيع له.

وعن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لمريضٍ ــــ صلى على وسادةٍ، فرمى بها ــــ وقال: “صلِّ على الأرض إن اسْتطعْتَ، وإلَّا فأوم إيماءً، واجْعَل سُجودكَ أخْفض منْ رُكوعكَ” روَاهُ البيهقي بسندٍ قوي، ولكن صَحّح أبو حاتمٍ وقْفَهُ.

(وعن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لمريضٍ ــــ صلى على وسادةٍ، فرمى بها ــــ وقال: “صلِّ على الأرض إن اسْتطعْتَ، وإلَّا فأوم إيماءً، واجْعَل سُجودكَ أخْفض منْ رُكوعكَ” روَاهُ البيهقي بسندٍ قوي، ولكن صَحّح أبو حاتمٍ وقْفَهُ).

الحديث أخرجه البيهقي في المعرفة من طريق سفيان الثوري. وفي الحديث: “فرمى بها وأخذ عوداً ليصلي عليه، فأخذه ورمى به” وذكر الحديث. وقال البزار: لا يعرف أحد رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي. وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب عن جابر موقوفاً ورفعه خطأ. وقد روى الطبراني من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: “عاد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مريضاً فذكره”، وفي إسناده ضعف.

والحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد عليه، حيث تعذر سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن تعذر عليه القيام والركوع، فإنه يومىء من قعود لهما، جاعلاً الإيماء بالسجود أخفض من الركوع، أو لم يتعذر عليه القيام، فإنه يومىء للركوع من قيام، ثم يقعد ويومىء للسجود من قعود، وقيل في هذه الصورة: يومىء لهما من قيام ويقعد للتشهد، وقيل: يومىء لهما كليهما من القعود، ويقوم للقراءة، وقيل: يسقط عنه القيام ويصلي قاعداً، فإن صلى قائماً جاز، وإن تعذر عليه القعود أومأ لهما من قيام.

باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر

عن عبد الله بن بُحَيْنَةَ رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم الظهرَ، فقامَ في الركعتين الأوليَين، ولمْ يجلسْ، فقامَ النّاسُ معهُ، حتى إذا قضى الصَّلاة، وانتظَرَ النّاس تسْليمَهُ، كَبّر وهو جالسٌ. وسَجَدَ سَجْدتين، قبْلَ أنْ يسَلّمَ، ثم سَلّمَ. أخرجه السبعة وهذا اللفظ للبخاريِّ.

وفي رواية لمسلم: يُكبِّر في كلِّ سجْدةٍ وهو جالسٌ ويَسْجُد. ويَسْجُدُ الناسُ معهُ، مكان ما نسي من الجلوس.

(وعن عبد الله بن بحينة رضي الله عنه) تقدم ضبطه وترجمته، وتكرر على الشارح ترجمته فأعادها هنا (أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأولييْن) بالمثناتين التحتيتين (ولم يجْلس) هو تأكيد لقام من باب: أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا (فقام الناسُ معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس وسجد سجدتين قبل أنْ يسلم ثمَّ سلم. أخرجه السبعة وهذا لفظ البخاري).

الحديث: دليل على أن ترك التشهد الأول سهواً يجبره سجود السهو، وقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” يدل على وجوب التشهد الأول، وجبرانه هنا عند تركه: دل على أنه وإن كان واجباً، فإنه يجبر بسجود السهو، والاستدلال على عدم وجوبه: بأنه لو كان واجباً لما جبره السجود؛ إذ حق الواجب أن يفعل بنفسه ــــ لا يتم؛ إذ يمكن أنه كما قال أحمد بن حنبل: واجب، ولكنه إن ترك سهواً جبره سجود السهو. وحاصله أنه لا يتم الاستدلال على عدم وجوبه، حتى يقوم الدليل على أن كل واجب لا يجزىء عنه سجود السهو إن ترك سهواً. وقوله: “كبر” دليل على شرعية تكبيرة الإحرام لسجود السهو، وأنها غير مختصة بالدخول في الصلاة، وأنه يكبرها، وإن كان لم يخرج من صلاته بالسلام منها.

وأما تكبيرة النقل فلم تذكر هنا، ولكنها ذكرت في قوله: (وفي رواية لمسلم) أي عند عبد الله بن بحينة: (يكبِّر في كلِّ سجدة وهو جالسٌ ويسجُدُ، ويسجدُ معهُ النّاس) فيه دليل على شرعية تكبير النقل، كما سلف في الصلاة، وقوله: (مكان ما نسي من الجلوس) كأنه عرف الصحابي ذلك من قرينة الحال، فهذا لفظ مدرج من كلام الراوي، ليس حكاية لفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الذي شاهده، ولا لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

ثم فيه دليل: على أن محل مثل هذا السجود قبل السلام، ويأتي ما يخالفه والكلام عليه. وفي رواية مسلم دلالة: على وجوب متابعة الإمام. وفي الحديث دلالة أيضاً: على وجوب متابعته، وإن ترك ما هذا حاله؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أقرهم على متابعته، مع تركهم للتشهد عمداً، وفيه تأمل، لاحتمال أنه ما ذكر أنه ترك وتركوا إلا بعد تلبسه وتلبسهم بواجب اخر.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إحْدى صلاتي العشيِّ ركعتين، ثمَّ سلّم، ثمَّ قام إلى خشبةٍ في مقدَّم المسْجد، فوضعَ يدهُ عليها، وفي القوْم أبو بكر وعُمَرُ، فهابا أنْ يُكلماهُ وخرج سرعانُ النّاس، فقالوا: قُصِرتِ الصَّلاة، وفي القوم رجُلٌ يدْعُوهُ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أمْ قُصِرتِ الصَّلاةُ؟ فقالَ: “لمْ أنسَ ولمْ تُقْصَرْ” فقال: بَلى، قدْ نَسِيتَ، فَصَلى ركعتين ثمَّ سلّم، ثمَّ كبّر، ثمَّ سَجَد مثل سُجوده أَوْ أَطْوَل، ثمَّ رفع رأسَهُ فكبر، ثمَّ وَضع رأسَهُ، فكبّرَ، فسَجَدَ مثل سُجوده، أَو أَطوَل، ثمَّ رفع رأسه وكبّر. متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري.

وفي رواية لمسلم: صلاة العَصْر.

ولأبي داود، فقال: “أَصَدقَ ذو اليدينْ؟” فأَوْمَأُوا: أي نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: فقالوا.

وفي رواية لهُ: ولمْ يسْجد حتى يقّنَهُ الله تعالى ذلك.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إحدى صلاتي العشي) هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة التحتية. قال الأزهري: هو ما بين زوال الشمس وغروبها، وقد عينها أبو هريرة في رواية لمسلم: أنها الظهر، وفي أخرى أنها العصر، ويأتي، وقد جمع بينهما بأنها تعددت القصة (ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم) المصلين (أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه) أي بأنه سلم على ركعتين (وخرج) من المسجد (سرعان الناس) بفتح السين المهملة وفتح الراء هو المشهور، ويروى بإسكان الراء، هم المسرعون إلى الخروج، قيل وبضمها وسكون الراء على أنه جمع سريع كقفيز وقفزان (فقالوا قصرت) بضم القاف وكسر الصاد (الصلاة) وروى بفتح القاف وضم الصاد، وكلاهما صحيح، والأول أشهر (ورجل يدعوه) أي يسميه (النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذا اليدين) وفي رواية: “رجل يقال له: الخرباق بن عمرو” بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء فباء موحدة، آخره قاف، لقب ذي اليدين، لطول كان في يديه، وفي الصحابة رجل اخر يقال له: ذو الشمالين هو غير ذي اليدين، ووهم الزهري فجعل ذا اليدين وذا الشمالين واحداً، وقد بين العلماء وهمه.

(فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟) أي شرع الله قصر الرباعية إلى اثنتين (فقال: لم أنس ولم تقصر) أي في ظني (فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. متفق عليه، واللفظ للبخاري).

هذا الحديث قد أطال العلماء الكلام عليه، وتعرضوا لمباحث أصولية، وغيرها، وأكثرهم استيفاء لذلك، القاضي عياض، ثم المحقق: ابن دقيق العيد في شرح العمدة، وقد وفينا المقام حقه في حواشيها، والمهم هنا: الحكم الفرعي المأخوذ منه، وهو: أن الحديث دليل على أن نية الخروج من الصلاة، وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام، لا يوجب بطلانها، ولو سلم التسليمتين، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظن التمام، و بهذا قال جمهور العلماء من السلف، والخلف، وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وأخيه عروة، وعطاء، والحسن وغيرهم، وقال به: الشافعي، وأحمد، وجميع أئمة الحديث. وقال به: الناصر من أئمة الال.

وقالت الهادوية والحنفية: التكلم في الصلاة ناسياً، أو جاهلاً يبطلها مستدلين بحديث ابن مسعود، وحديث زيد بن أرقم: في النهي عن التكلم في الصلاة، وقالوا: هما ناسخان لهذا الحديث.

وأجيب: بأن حديث ابن مسعود كان بمكة متقدماً على حديث الباب بأعوام، والمتقدم لا ينسخ المتأخر، وبأن حديث زيد بن أرقم، وحديث ابن مسعود أيضاً عمومان، وهذا الحديث خاص بمن تكلم ظاناً لتمام صلاته، فيخص به الحديثان المذكوران، فتجتمع الأدلة من غير إبطال لشيء منها.

ويدل الحديث أيضاً على أن الكلام عمداً الإصلاح الصلاة لا يبطلها، كما في كلام ذي اليدين، وقوله: “فقالوا: ــــ يريد الصحابة ــــ: نعم” كما في رواية تأتي؛ فإنه كلام عمد لإصلاح الصلاة.

وقد روي عن مالك: أن الإمام إذا تكلم بما تكلم به النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: من الاستفسار، والسؤال عند الشك، وإجابة المأموم، أن الصلاة لا تفسد. وقد أجيب: بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تكلم معتقداً للتمام، وتكلم الصحابة معتقدين للنسخ، وظنوا حينئذ التمام. قلت: ولا يخفى أن الجزم باعتقادهم التمام محل نظر، بل فيهم متردد بين القصر والنسيان، وهو ذو اليدين، نعم سرعان الناس اعتقدوا القصر، ولا يلزم اعتقاد الجميع، ولا يخفى أنه لا عذر عن العمل بالحديث لمن يتفق له مثل ذلك، وما أحسن كلام صاحب المنار، فإنه ذكر كلام الهدى ودعواه نسخه، كما ذكرناه، ثم رده بما رددناه، ثم قال: وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقي الله عاملاً لذلك: أن يثبته في الجواب بقوله: صح لي ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك، ويثاب عن العمل به، وأخاف على المتكلفين، وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة للاستئناف، فإنه ليس بأحوط، كما ترى، لأن الخروج بغير دليل ممنوع، وإبطال للعمل.

وفي الحديث دليل، على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهواً، أو مع ظن التمام لا تفسد بها الصلاة، فإن في رواية “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خرج إلى منزله” وفي أخرى: “يجرّ رداءه مغضباً” وكذلك خروج سرعان الناس فإنها أفعال كثيرة قطعاً، وقد ذهب إلى هذا الشافعي.

وتقدم حديث عائشة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يذكر الله على كل أحيانه”، وقدّمنا أنه مخصص بحديث علي عليه السلام هذا، ولكن الحق أنه لا ينهض على التحريم، بل يحتمل أنه ترك ذلك حال الجنابة للكراهة، أو نحوها، إلا أنه أخرج أبو يعلى من حديث علي عليه السلام قال: “رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توضأ، ثم قرأ شيئاً من القران، ثم قال هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا اية”. قال الهيثمي: رجاله موثقون، وهو يدل على التحريم؛ لأنه نهي، وأصله ذلك، ويعاضد ما سلف.

وفيه دليل: على صحة البناء على الصلاة بعد السلام، وإن طال زمن الفصل بينهما، وقد روي هذا عن ربيعة، ونسب إلى مالك، وليس بمشهور عنه. ومن العلماء من قال: يختص جواز البناء إذا كان الفصل بزمن قريب، وقيل: بمقدار ركعة، وقيل: بمقدار الصلاة.

ويدل أيضاً أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوباً لحديث: “صلوا كما رأيتموني أصلي” ويدل أيضاً: على أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد أسباب السهو، ويدل على أن سجود السهو بعد السلام خلاف الحديث الأول، ويأتي فيه الكلام.

وأما تعيين الصلاة التي اتفقت فيها القصة فيدل له قوله: (وفي رواية لمسلم) أي من حديث أبي هريرة: (صلاة العصر) عوضاً عن قوله في الرواية الأولى: “إحدى صلاتي العشي” (ولأبي داود) أي من حديثه أيضاً: (فقال) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: (أصَدَق ذُو اليدين، فأومئوا، أي نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: فقالوا) قلت: وهي في رواية لأبي داود بلفظ: “فقال الناس: نعم”، وقال أبو داود: إنه لم يذكر: “فأومئوا” إلا حماد بن زيد (وفي رواية له) أي لأبي داود من حديث أبي هريرة: (ولم يسجد حتى يقنه الله ذلك) ولفظ أبي داود: “ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك” أي صير تسليمه على ثنتين يقيناً عنده، إما بوحي، أو تذكر حصل له اليقين به. والله أعلم ما مستند أبي هريرة في هذا.

وعن عمْران بن حُصَين رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم، فسَهَا فسجد سجْدتين، ثمَّ تشهّد، ثمَّ سلم، رواهُ أبو داود والترمذي وحسّنه، والحاكم وصَحّحهُ.

(وعن عمْران بن حُصَين رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم، فسَهَا فسجد سجْدتين، ثمَّ تشهّد، ثمَّ سلم، رواهُ أبو داود والترمذي وحسّنه، والحاكم وصَحّحهُ).

في سياق حديث السنن: أن هذا السهو سهوه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، الذي في خبر ذي اليدين، فإن فيه: بعد أن ساق حديث أبي هريرة: مثل ما سلف من سياق الصحيحين إلى قوله: “ثم رفع وكبر” ما لفظه: فقيل لمحمد: أي ابن سيرين الراوي: سلم في السهو؟ فقال: لم أحفظه من أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال: “ثم سلم”، وفي السنن أيضاً من حديث عمران بن حصين، قال: “سلم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل، فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، كان طويل اليدين. إلى قوله: فقال:أصدق؟ فقالوا: نعم، فصلى تلك الركعة، ثم سجد سجدتيها، ثم سلم” انتهى. ويحتمل أنها تعددت القصة.

وفي الحديث: دليل أنه يستحب عقيب الصلاة، كما تدل له الفاء وفيه تصريح بالتشهد، قيل: ولم يقل أحد: بوجوبه، ولفظ تشهد: يدل أنه أتى بالشهادتين، وبه قال بعض العلماء، وقيل: ــــ يكفي التشهد الأوسط، واللفظ في الأول أظهر، وفيه دليل على شرعية التسليم، كما تدل له رواية عمران بن حصين التي ذكرناها، لا الرواية التي أتى بها المصنف، فإنها ليست بصريحة: أن التسليم كان لسجدتي السهو، فإنها تحتمل أنه لم يكن سلم للصلاة، وأنه سجد لها قبل السلام، ثم سلم تسليم الصلاة.

وعن أبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا شكَّ أحدكُمْ في صلاته، فلم يدْرِ كَمْ صلى أثلاثاً أمْ أربعاً؟ فلْيطرح الشكَّ وليَبْن على ما استيقنَ، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدتين قبل أن يُسَلِّمَ، فإن كانَ صلى خمساً شَفَعْنَ لهُ صلاتَهُ، وإن كانَ صلى تماماً كانتا ترْغيماً للشيطان” رواهُ مسلمٌ.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً) في رباعية (شفَعْنَ) أي السجدتان (له صلاته) صيرنها شفعاً؛ لأن السجدتين قامتا مقام ركعة، وكأن المطلوب من الرباعية: الشفع، وإن زادت على الأربع (وإنْ كان صلى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان) أي إلصاقاً لأنفه بالرغام، والرغام: بزنة غراب: التراب، وإلصاق الأنف به في قولهم: رغم أنفه: كناية عن إذلاله وإهانته، والمراد: إهانة الشيطان حيث لبس عليه صلاته (رواه مسلم).

الحديث فيه دلالة على أن الشاك في صلاته يجب عليه البناء على اليقين عنده، ويجب عليه أن يسجد سجدتين، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، ومالك، والشافعي، وأحمد. وذهب الهادوية، وجماعة من التابعين: إلى وجوب الإعادة عليه حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة، فلا إعادة عليه. والحديث مع الأولين. والحديث ظاهر في أن هذا حكم الشاك مطلقاً: مبتدأ كان أو مبتلي. وفرق الهادوية بينهم، فقالوا: في الأول يجب عليه الإعادة، وفي الثاني يتحرى بالنظر في الأمارات، فإن حصل له ظن التمام، أو النقص عمل به، وإن كان النظر في الأمارات لا يحصل له بحسب العادة شيئاً، فإنه يبني على الأقل، كما في هذا الحديث، وإن كان عادته أن يفيده النظر الظن، ولكنه لم يفده في هذه الحالة، وجب عليه أيضاً الإعادة، وهذا التفصيل يرد عليه هذا الحديث الصحيح، ويرد عليه أيضاً حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى، أو اثنتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثاً، فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثة صلى، أو أربعاً، فليجعلها ثلاثاً، ثم يسجد ــــ إذا فرغ من صلاته، وهو جالس قبل أن يسلم ــــ سجدتين”.

وعن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: صلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. فلمَّا سَلّمَ قيلَ لهُ: يا رسول الله، أَحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ قال: “وما ذاكَ؟” قالوا: صلّيْتَ كذا وكذا، قالَ: فَثَنَى رجْلَيْهِ واستقْبَلَ القِبلةَ، فسجد سَجْدتين، ثمَّ سلّم، ثمَّ أَقبلَ على النّاس بوجهِهِ فقالَ: “إنّه لو حدثَ في الصَّلاةِ شيءٌ أَنبأتُكُمْ به، ولكن إنّما أنا بشرٌ مثْلُكم أنسى كما تَنْسَون، فإذا نسيتُ فذكِّروني، وإذا شكَّ أحدكُمْ في صلاته فلْيَتَحَرَّ الصَّواب، فَلْيُتِمَّ عليه، ثمَّ ليَسْجُدْ سَجْدتين” متفقٌ عليه.

وفي رواية للبخاريِّ: “فلْيُتمَّ ثمَّ يسلم ثمَّ يسْجُد”.

ولمسلم: أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سَجَدَ سَجْدتي السّهْوِ بَعْد السلام والكلامِ.

(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي: إحدى الرباعيات خمساً، وفي رواية: أنه قال إبراهيم النخعي: “زاد أو نقص” (فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه فقال: إنّه لو حدث في الصلاة شيءٌ أنبأتكم به، ولكن إنّما أنا بشرٌ مثلكم) في البشرية، وبين وجه المثلية بقوله: (أنسى، كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني، وإذا شكَّ أحدُكم في صلاته) هل زاد أو نقص؟ (فليتحرّ الصواب) بأن يعمل بظنه من غير تفرقة بين الشك في ركعة، أو ركن، وقد فسره حديث عبد الرحمن بن عوف الذي قدمناه (فليُتمّ عليه ثم ليسجدْ سجدتين. متفقٌ عليه).

ظاهر هذا الحديث أنهم تابعوه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الزيادة، ففيه دليل: على أن متابعة المؤتم للإمام فيما ظنه واجباً لا يفسد صلاته، فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمرهم بالإعادة، وهذا في حق أصحابه في مثل هذه الصورة؛ لتجويزهم التغيير في عصر النبوة، فأما لو اتفق الان قيام الإمام إلى الخامسة سبح له من خلفه، فإن لم يقعد انتظروه قعوداً، حتى يتشهدوا بتشهده ويسلموا بتسليمه، فإنها لم تفسد عليه حتى يقال يعزلون، بل فعل ما هو واجب في حقه.

وفي هذا دليل، على أن محل سجود السهو بعد السلام، إلا أنه قد يقال: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما عرف سهوه في الصلاة إلا بعد أن سلم منها، فلا يكون دليلاً.

واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في محل سجود السهو. واختلفت بسبب ذلك أقوال الأئمة. قال بعض أئمة الحديث: أحاديث باب سجود السهو قد تعددت: منها حديث أبي هريرة فيمن شك، فلم يدر كم صلى؟.. وفيه الأمر أن يسجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وهو حديث أخرجه الجماعة، ولم يذكروا فيه محل السجدتين، هل هو قبل السلام أو بعده؟ نعم عند أبي داود، وابن ماجه فيه زيادة: “قبل أن يسلم”. ومنها حديث أبي سعيد من شك. وفيه: “أنه يسجد سجدتين قبل التسليم”. ومنها حديث أبي هريرة، وفيه: “القيام إلى الخشبة، وأنه سجد بعد السلام” ومنها حديث ابن بحينة، وفيه: السجود قبل السلام.

ولما وردت هكذا اختلفت اراء العلماء في الأخذ بها، فقال داود: تستعمل في مواضعها على ما جاءت به، ولا يقاس عليها، ومثله قال أحمد في هذه الصلاة خاصة، وخالف فيما سواها، فقال: يسجد قبل السلام لكل سهو. وقال اخرون: هو مخير في كل سهو: إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبل السلام في الزيادة والنقص. وقال مالك: إن كان السجود لزيادة سجد بعد السلام، وإن كان لنقصان سجد قبله. وقالت الهادوية، والحنفية: الأصل في سجود السهو بعد السلام، وتأولوا الأحاديث الواردة في السجود قبله، وستأتي أدلتهم. وقال الشافعي: الأصل السجود قبل السلام، وردّ ما خالفه من الأحاديث بادعائه نسخ السجود بعد السلام. وروى عن الزهري قال: سجد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجدتي السهو قبل السلام، وبعده، واخر الأمرين قبل السلام، وأيده برواية معاوية: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجدهما قبل السلام” وصحبته متأخرة. وذهب إلى مثل قول الشافعي أبو هريرة، ومكحول، والزهري، وغيرهم.

قال في الشرح: وطريق الإنصاف: أن الأحاديث الواردة في ذلك قولاً وفعلاً فيها نوع تعارض، وتقدم بعضها، وتأخر البعض غير ثابت برواية صحيحة موصولة، حتى يستقيم القول بالنسخ، فالأولى الحمل على التوسع في جواز الأمرين.

ومن أدلة الهادوية والحنفية: رواية البخاري التي أفادها قوله: (وفي رواية للبخاري) أي من حديث ابن مسعود: (فليتم ثم يسلم ثم يسجد) ما يدل على أنه بعد السلام. وكذلك رواية مسلم التي أفادها قوله: (ولمسلم) أي من حديث ابن مسعود: (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجد سجدتي السهو بعد السلام) من الصلاة (والكلام) أي الذي خوطب به وأجاب عنه بما أفاده اللفظ الأول؛ ويدل له أيضاً:

ولأحْمَد وأبي داود والنّسائيِّ من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً: “مَنْ شكَّ في صلاته فلْيسجدْ سجْدتين بعد ما يُسلِّمُ” وصَحّحهُ ابنُ خُزيمةَ.

(ولأحْمَد وأبي داود والنّسائيِّ من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعاً: “مَنْ شكَّ في صلاته فلْيسجدْ سجْدتين بعد ما يُسلِّمُ” وصَحّحهُ ابنُ خُزيمةَ).

فهذه أدلة من يقول: إنه يسجد بعد السلام مطلقاً، ولكنه قد عارضها ما عرفت، فالقول بالتخيير أقرب الطرق إلى الجمع بين الأحاديث، كما عرفت. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه سجد للسهو قبل السلام، وأنه أمر بذلك، وروينا: أنه سجد بعد السلام، وأنه أمر به، وكلاهما صحيح، ولهما شواهد يطول بذكرها الكلام، ثم قال: الأشبه بالصواب جواز الأمرين جميعاً، قال: وهذا مذهب كثير من أصحابنا.

وعن المغيرة بن شُعبةَ أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا شكَّ أحدُكمْ، فقامَ في الرَّكعتينِ، فاستْتمَّ قائماً، فلْيمضِ، ولا يعودُ، ولْيَسْجد سَجْدتين، فإنْ لمْ يَسْتَتِمَّ قائماً فَلْيَجْلس ولا سهو عليه” رواه أبو داود وابن ماجهْ والدارقطني، واللفظُ لهُ، بسَنَد ضَعيفٍ.

(وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: إذا شك أحدكم، فقام في الركعتين فاستتم قائماً، فليمض ولا يعود) للتشهد الأول (ولَيسْجد سجْدتين) لم يذكر محلهما (فإنْ لم يستتم قائماً فليجلس) ليأتي بالتشهد الأول (ولا سهو عليه. رواه أبو داود وابن ماجه، والدارقطني واللفظ له بسند ضعيف) وذلك أن مداره في جميع طرقه على جابر الجعفي، وهو ضعيف. وقد قال أبو داود: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غير هذا الحديث.

وفي الحديث دلالة: على أنه لا يسجد للسهو إلا لفوات التشهد الأول، لا لفعل القيام لقوله: “ولا سهو عليه” وقد ذهب إلى هذا جماعة.

وذهبت الهادوية، وابن حنبل: إلى أنه يسجد للسهو؛ لما أخرجه البيهقي من حديث أنس: “أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على جهة السهو، فسبحوا فقعد، ثم سجد للسهو” وأخرجه الدارقطني، والكل من فعل أنس موقوف عليه؛ إلا أن في بعض طرقه أنه قال: “هذه السنة” وقد رجح حديث المغيرة عليه، لكونه مرفوعاً؛ ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعاً: “لا سهو إلا في قيام عن جلوس، أو جلوس عن قيام” أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وفيه ضعف، ولكن يؤيد ذلك: أنها وردت أحاديث كثيرة في الفعل القليل، وأفعال صدرت منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ومن غيره مع علمه بذلك، ولم يأمر فيها بسجود السهو، ولا سجد لما صدر عنه منها.

قلت: وأخرج النسائي من حديث ابن بحينة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى فقام في الركعتين، فسبحوا به، فمضى، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين، ثم سلم” وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه من حديث زياد بن علاقة قال: “صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين، قام ولم يجلس، فسبح له من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم، ثم سجد سجدتين وسلم؛ ثم قال هكذا صنع بنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”، إلا أن هذه فيمن مضى بعد أن يسبحوا له، فيحتمل أنه سجد لترك التشهد، وهو الظاهر.

وعن عُمَر رضي الله عنه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “ليس على من خَلْف الإمام سَهْوٌ، فإنْ سَهَا الإمامُ فَعَلَيْهِ وعلى من خَلْفهُ”. رواهُ الترمذي، والبيْهَقِي بسندٍ ضعيفٍ.

(وعن عُمَر رضي الله عنه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “ليس على من خَلْف الإمام سَهْوٌ، فإنْ سَهَا الإمامُ فَعَلَيْهِ وعلى من خَلْفهُ”. رواهُ الترمذي، والبيْهَقِي بسندٍ ضعيفٍ).

وأخرجه الدارقطني في السنن بلفظ اخر، وفيه زيادة: “وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه” والكل من الروايات فيها خارجة بن مصعب: ضعيف. وفي الباب عن ابن عباس، إلا أن فيه متروكاً.

والحديث دليل: على أنه لا يجب على المؤتم سجود السهو إذا سها في صلاته، وإنما يجب عليه إذا سها الإمام فقط، وإلى هذا ذهب زيد بن علي، والناصر، والحنفية، والشافعية. وذهب الهادي: إلى أنه يسجد للسهو؛ لعموم أدلة سجود السهو للإمام، والمنفرد، والمؤتم. والجواب: أنه لو ثبت هذا الحديث لكان مخصصاً لعمومات أدلة سجود السهو، ومع عدم ثبوته، فالقول قول الهادي.

[رح9]ـــ وعن ثوْبانَ عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنّه قال: “لكُلِّ سَهْوٍ سجْدتان بعدما يُسلِّم” رواهُ أبو داود وابن ماجه بسندٍ ضعيف.

(وعن ثوْبانَ عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنّه قال: “لكُلِّ سَهْوٍ سجْدتان بعدما يُسلِّم” رواهُ أبو داود وابن ماجه بسندٍ ضعيف).

قالوا: لأن في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه مقال وخلاف. قال البخاري: إذا حدّث عن أهل بلده: يعني الشاميين فصحيح، وهذا الحديث من روايته عن الشاميين، فتضعيف الحديث به: فيه نظر.

والحديث دليل لمسألتين: الأولى: أنه إذا تعدد المقتضى لسجود السهو تعدد لكل سهو سجدتان. وقد حكي عن ابن أبي ليلى. وذهب الجمهور: إلى أنه لا يتعدد السجود، وإن تعدد موجبه، لأن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث ذي اليدين سلم، وتكلم، ومشى ناسياً، ولم يسجد إلا سجدتين. ولئن قيل: إن القول أولى بالعمل به من الفعل، فالجواب: أنه لا دلالة فيه على تعدد السجود لتعدد مقتضيه، بل هو للعموم لكل ساه، فيفيد الحديث: أن كل من سها في صلاته بأي سهو كان يشرع له سجدتان، ولا يختصان بالمواضع التي سها فيها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا بالأنواع التي سها بها، والحمل على هذا المعنى أولى من حمله على المعنى الأول، وإن كان هو الظاهر فيه، جمعاً بينه وبين حديث ذي اليدين، على أن لك أن تقول: إن حديث ذي اليدين لم يقع فيه السهو المذكور حال الصلاة، فإنه محل النزاع، فلا يعارض حديث الكتاب.

والمسألة الثانية: يحتج به من يرى سجود السهو بعد السلام، وتقدم فيه تحقيق الكلام.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَجدَنا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} و {الْحَاقَّةُ} رواه مسلم.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في {إذا السماء انشقت} و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} رواه مسلم) هذا من أحاديث سجود التلاوة وهو داخل في ترجمة المصنف الماضية كما عرفت، حيث قال: باب سجود السهو وغيره.

والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة، وقد أجمع على ذلك العلماء، وإنما اختلفوا في الوجوب، وفي مواضع السجود، فالجمهور أنه سنة، وقال أبو حنيفة: واجب غير فرض ثم هو سنة في حق التالي والمستمع إن سجد التالي، وقيل: وإن لم يسجد، فأما مواضع السجود، فقال الشافعي: يسجد فيما عدا المفصل فيكون أحد عشر موضعاً.

وقالت الهادوية والحنفية: في أربعة عشر محلاً إلا أن الحنفية لا يعدون في الحج إلا سجدة، واعتبروا بسجدة سور ص والهادوية عكسوا ذلك كما ذكر ذلك المهدي في البحر، وقال أحمد وجماعة: يسجد في خمسة عشر موضعاً عدوا سجدتي الحج وسجدة ص، واختلفوا أيضاً هل يشترط فيها ما يشترط في الصلاة من الطهارة وغيرها، فاشترط ذلك جماعة، وقال قوم: لا يشترط.

وقال البخاري: كان عمر يسجد على غير وضوء، وفي مسند ابن أبي شيبة: “كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ”، ووافقه الشعبي على ذلك، وروي عن ابن عمر أٌّه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله على الطهارة من الحدث الأكبر.

قلت: والأصل إنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة لا تسمى صلاة، فالدليل على من شرط ذلك وكذلك أوقات الكراهة ورد النهي عن الصلاة فيها فلا تشمل السجدة الفردة.

وهذا الحديث دل على السجود للتلاوة في المفصل، ويأتي الخلاف في ذلك. ثم رأيت لابن حزم كلاماً في شرح المحلي لفظه: السجود في قراءة القرآن ليس ركعة أو ركعتين فليس صلاة، وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء وللجنب والحائض وإلى غير القِبْلة كسائر الذكر ولا فرق، إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة ولم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل: السجود من الصلاة وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة والجلوس والقيام والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئاً من هذه الأفعال والأقوال إلا وهو على وضوء هذا لا يقولونه ولا يقوله أحد. انتهى.

[رح 11/123] ـ وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسجد فيها. روَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسجد فيها. رواه البخاري) أي ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا تحريص ولا تخصيص ولا حث، وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داود عليه السلام بأنه فعلها وسجد نبينا صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيها اقتداء به لقوله تعالى: {فبهداهم اقتده}.

وفيه دلالة على: أن المسنونات قد يكون بعضها اكد من بعض، وقد روي: أنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “سجدها داود توبة وسجدناها شكراً” وروى ابن المنذر، وغيره بإسناد حسن: عن علي بن أبي طالب عليه السلام: “إن العزائم حم، والنجم، واقرأ، وألم تنزيل”، وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر، وقيل: في الأعراف، وسبحان، وحم، وألم. أخرجه ابن أبي شيبة.

وعنهُ: أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سَجَدَ بالنّجْمِ،…. رواهُ البخاريُّ.

(وعنه) أي ابن عباس: (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجد بالنجم. رواه البخاري).

هو دليل على السجود في المفصل، كما أن الحديث الأول دليل على ذلك، وقد خالف فيه مالك، وقال: لا سجود لتلاوة في المفصل، وقد قدمنا لك الخلاف في أول الفصل محتجاً بما روي عن ابن عباس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة” أخرجه أبو داود، وهو ضعيف الإسناد، وفيه أبو قدامة، واسمه الحارث بن عبد الله، إيادي، بصري، لا يحتج بحديثه، كما قال الحافظ المنذري في مختصر السنن، ومحتجاً أيضاً بقوله:

وعن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنهُ قال: قرَأَتُ على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم النّجْم، فلمْ يَسْجُدْ فيها، متفق عليه.

(وعن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنهُ قال: قرَأَتُ على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم النّجْم، فلمْ يَسْجُدْ فيها، متفق عليه).

وزيد بن ثابت من أهل المدينة، وقراءته بها كانت في المدينة، قال مالك: فأيد حديث ابن عباس. وأجيب عنه: بأن ترك السجود، تارة، وفعله تارة: دليل السنية، أو لمانع عارض ذلك، ومع ثبوت حديث زيد، فهو نافٍ، وحديث غيره ــــ وهو ابن عباس ــــ مثبت، والمثبت مقدم.

وعن خالد بن معدان رضي الله عنه قال: فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ بسَجْدتين، رواهُ أبو داود في المراسيل.

(وعن خالد بن معدان رضي الله عنه) بفتح الميم وسكون العين المهملة وتخفيف الدال، وخالد هو أبو عبد الله بن معدان، الشامي، الكلاعي بفتح الكاف، تابعي، من أهل حمص قال: لقيت سبعين رجلاً من أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وكان من ثقات الشاميين، مات سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث (قال: فضلت سورة الحج بسجدتين. رواه أبو داود في المراسيل) كذا نسبه المصنف إلى مراسيل أبي داود، وهو موجود في سننه مرفوعاً: من حديث عقبة بن عامر بلفظ: “قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما”. فالعجب كيف نسبه المصنف إلى المراسيل مع وجوده في سننه مرفوعاً؟ ولكنه قد وصل في.

ورواه أحمد والترمذي موْصولاً من حديث عُقبةَ بن عامرٍ، وزادَ: فمن لم يَسجدْهما فلا يقرأهما، وسندُهُ ضعيفٌ.

(ورواه أحمد والترمذي موصولاً من حديث عقبة بن عامر، وزاد) أي الترمذي في روايته: (فمن لم يسجدها فلا يقرأها) بضمير مفرد: أي السورة، أو اية السجدة ويراد الجنس (وسنده ضعيف) ؛ لأن فيه ابن لهيعة. قيل: إنه تفرد به، وأيده الحاكم: بأن الرواية صحت فيه من قول عمر، وابنه، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعمار، وساقها موقوفة عليهم، وأكده البيهقي بما رواه في المعرفة: من طريق خالد بن معدان.

وفي الحديث ردّ على أبي حنيفة وغيره ممن قال: إنه ليس بواجب، كما قال: إنه ليس في سورة الحج إلا سجدة واحدة: في الأخيرة منها، وفي قوله: “فمن لم يسجدها فلا يقرأها” تأكيد لشرعية السجود فيها، ومن قال بإيجابه، فهو من أدلته، ومن قال: ليس بواجب، قال: لما ترك السنة، وهو سجود التلاوة بفعل المندوب، وهو القران، كان الأليق الاعتناء بالمسنون وأن لا يتركه، فإذا تركه، فالأحسن له أن لا يقرأ السورة.

وعنْ عُمَرَ رضي الله عنهُ قال: يا أيها النّاسُ إنا نمرّ بالسجود فَمَنْ سجدَ فَقَدْ أصابَ، ومَنْ لمْ يَسْجُدْ فلا إثم عليه. رواهُ البخاري، وفيه: إن الله تعالى لمْ يفرض السُّجودَ إلا أن نشاءَ، وهُو في الموطأ.

(وعن عمر رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنا نمرّ بالسجود) أي بايته (فمن سجد، فقد أصاب) أي السنة (ومن لم يسجد، فلا إثم عليه. رواه البخاري. وفيه) أي البخاري عن عمر: (إن الله لم يفرض السجود) أي لم يجعله فرضاً (إلا أن نشاء، وهو في الموطأ).

فيه دلالة على أن عمر كان لا يرى وجوب سجود التلاوة، واستدل بقوله: “إلا أن نشاء”: أن من شرع في السجود وجب عليه إتمامه؛ لأنه مخرج من بعض حالات عدم فرضية السجود. وأجيب: بأنه استثناء منقطع، والمراد: ولكن ذلك موكول إلى مشيئتنا.

وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأُ عَلَيْنا القران، فإذا مَرَّ بالسّجدَةِ كَبّرَ وسَجَدَ وَسَجَدْنا مَعَهُ. رواهُ أبو داود بسَنَدٍ فيه لينٌ.

(وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأُ عَلَيْنا القران، فإذا مَرَّ بالسّجدَةِ كَبّرَ وسَجَدَ وَسَجَدْنا مَعَهُ. رواهُ أبو داود بسَنَدٍ فيه لينٌ).

لأنه من رواية عبد الله ــــ المكبر ــــ العمري، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من رواية عبيد الله ــــ المصغر ــــ وهو ثقة.

وفي الحديث دلالة على التكبير، وأنه مشروع، وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه، لأنه كبر، وهل هو تكبير الافتتاح، أو النقل؟ الأول أقرب، ولكنه يجتزىء بها عن تكبيرة النقل، لعدم ذكر تكبيرة أخرى، وقيل: يكبر له، وعدم الذكر ليس دليلاً، قال بعضهم: ويتشهد ويسلم، قياساً للتحليل على التحريم، وأجيب: بأنه لا يجزىء هذا القياس، فلا دليل على ذلك.

وفي الحديث دليل: على مشروعية سجود التلاوة للسامع؛ لقوله: وسجدنا، وظاهره سواء كانا مصليين معاً، أو أحدهما في الصلاة. وقالت الهادوية: إذا كانت الصلاة فرضاً أخرها حتى يسلم. قالوا: لأنها زيادة عن الصلاة فتفسدها، ولما رواه نافع عن ابن عمر أنه قال: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ علينا السورة في غير الصلاة، فيسجد، ونسجد معه” أخرجه أبو داود. قالوا: ويشرع له أن يسجد إذا كانت الصلاة نافلة، لأن النافلة مخفف فيها. وأجيب عن الحديث: بأنه استدلال بالمفهوم، وقد ثبت من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أنه قرأ سورة الانشقاق في الصلاة، وسجد، وسجد من خلفه، وكذلك: سورة تنزيل السجدة، قرأ بها، وسجد فيها. وقد أخرج أبو داود، والحاكم، والطحاوي من حديث ابن عمر: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجد في الظهر، فرأى أصحابه أنه قرأ اية سجدة، فسجدوها”.

واعلم أنه قد ورد الذكر في سجود التلاوة بأن يقول: “سجد وجهي للذي خلقه، وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته” أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن السكن، وزاد في اخره: “ثلاثاً” وزاد الحاكم في اخره: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} ، وفي حديث ابن عباس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقول في سجود التلاوة: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً، وتقبلها مني، كما تقبلتها من عبدك داود”.

وعن أبي بكرة رضي الله عنهُ، أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ إذا جاءَهُ خَبَرٌ يسرُّهُ خَرَّ ساجداً لله. رواه الخمسة إلا النسائي.

(وعن أبي بكرة رضي الله عنهُ، أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ إذا جاءَهُ خَبَرٌ يسرُّهُ خَرَّ ساجداً لله. رواه الخمسة إلا النسائي).

هذا مما شملته الترجمة بقوله: وغيره، وهو دليل على شرعية سجود الشكر، وذهبت إلى شرعيته الهادوية، والشافعي، وأحمد، خلافاً لمالك، ورواية أبي حنيفة: بأنه لا كراهة فيه: ولا ندب، والحديث دليل للأولين، وقد سجد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في اية ص، وقال: “هي لنا شكر”.

واعلم أنه قد اختلف: هل يشترط لها الطهارة أم لا؟ فقيل: يشترط قياساً على الصلاة، وقيل: لا يشترط؛ لأنها ليست بصلاة، وهو الأقرب كما قدمناه. وقال المهدي: إنه يكبر لسجود الشكر. وقال أبو طالب: ويستقبل القبلة. وقال الإمام يحيى: ولا يسجد للشكر في الصلاة قولاً واحداً؛ إذ ليس من توابعها. قيل: ومقتضى شرعيته: حدوث نعمة، أو اندفاع مكروه، فيفعل ذلك في الصلاة، ويكون كسجود التلاوة.

وعن عبدِ الرَّحْمن بن عوف رضي الله عنه قالَ: سَجَدَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فأطالَ السُّجودَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ، فقالَ: “إن جبريلَ أتاني، فبَشّرني، فسَجَدْتُ لله شُكراً” رواهُ أحمد وصححهُ الحاكمُ.

(وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سجد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فأطال السجود، ثم رفع رأسه، فقال: إن جبريل أتاني فبشرني) وجاء تفسير البشرى: بأنه تعالى قال: “من صلى عليك صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاة: صلى الله عليه بها عشراً” رواه أحمد في المسند من طرق (فسجدت لله شكراً. رواه أحمد، وصححه الحاكم) أخرجه البزار، وابن أبي عاصم في فضل الصلاة عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

قال البيهقي: وفي الباب عن جابر، وابن عمر، وأنس، وجرير، وأبي جحيفة.

وعنَ البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنهُ، أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بَعثَ علياً إلى اليمن ــــ فذكرَ الحديث ــــ قالَ: فَكَتَبَ عليٌّ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الكتابَ خرَّ ساجداً، شُكراً لله تعالى على ذلك. رواهُ البيهقيُّ. وأصْلُهُ في البُخاريِّ.

(وعنَ البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنهُ، أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بَعثَ علياً إلى اليمن ــــ فذكرَ الحديث ــــ قالَ: فَكَتَبَ عليٌّ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الكتابَ خرَّ ساجداً، شُكراً لله تعالى على ذلك. رواهُ البيهقيُّ. وأصْلُهُ في البُخاريِّ).

وفي معناه سجود كعب بن مالك لما أنزل الله توبته، فإنه يدل على أن شرعية ذلك كانت متقررة عندهم.

باب صلاة التطوع

أي صلاة العبد التطوع فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله. في القاموس صلاة التطوع: النافلة.

[رح 1/133] ـ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكٍ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “سَلْ”، فَقُلتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: “أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ”. فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه) من أهل الصفة كان خادماً لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صحبه قديماً ولازمه حضراً وسفراً، مات سنة ثلاث وستين من الهجرة، وكنيته أبو فراس بكسر الفاء فراء آخره سين مهملة، (قال: قال لي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: سل، فقلت: اسألك مرافقتك في الجنة، فقال أو غير ذلك) ، قلت: هو ذاك، قال: “فأعني على نفسك” أي على نيل مراد نفسك، (بكثرة السجود”. رواه مسلم) حمل المصنف السجود على الصلاة نفلاً فجعل الحديث دليلاً على التطوع، وكأنه صرفه عن الحقيقة كون السجود بغير صلاة غير مرغب فيه على انفراده والسجود وإن كان يصدق على الفرض، لكن الإتيان بالفرائض لا بد منه لكل مسلم، وإنما أرشده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى شيء يختص به ينال به ما طلبه.

وفيه دلالة على كمال إيمان المذكور وسمو همته إلى أشرف المطالب وأغلى المراتب وعزف نفسه عن الدنيا وشهواتها. ودلالة على أن الصلاة أفضل الأعمال في حق من كان مثله فإنه لم يرشده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى نيل ما طلبه إلا بكثرة الصلاة مع أن مطلوبة أشرف المطالب.

[رح 2/233] ـ وَعَنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: “حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عَشْرَ رَكَعاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدِ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: “وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجَمْعَةِ فِي بَيْتِهِ”.

وَلِمُسْلِمٍ: “كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفجْرُ لا يُصَلِّي إِلا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ”.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عشر ركعات) هذا إجمال فصله بقوله: (ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته) تقييدها يدل على أن ما عداها كان يفعله في المسجد، “وكذلك” قوله: (ركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الصبح) لم يقيدهما مع أنه كان يصليهما صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بيته وكأنه ترك التقييد لشهرة ذلك من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (متفق عليه. وفي رواية لهما وركعتين بعد الجمعة في بيته) فيكون قوله عشر ركعات نظراً إلى التكرار كل يوم، (ولمسلم) أي من حديث ابن عمر (كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين) هما المعدوتان في العشر، وإنما أفاد لفظ مسلم خفتهما، وإنه لا يصلي بعد طلوعه سواهما وتخفيفهما مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقد جاء في حديث عائشة. “حتى أقول أقرأ بأم الكتاب” يأتي قريباً.

والحديث دليل على أن هذه النوافل للصلاة، وقد قيل في حكمة شرعيتها إن ذلك ليكون ما بعد الفريضة جبراً لما فرط فيها من أدابها وما قبلها لذلك وليدخل في الفريضة ، وقد انشرح صدره للإتيان بها وأقبل قلبه علي فعلها.

قلت: قد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث تميم الداري قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن لم يكن أتمها، قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته ثم الزكاة كذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك”. انتهى وهو دليل لما قيل من حكمة شرعيتها، وقوله في حديث مسلم: “إنه لا يصلي بعد طلوع الفجر إلا ركعتيه”. قد استدل به من يرى كراهة النفل بعد طلوع الفجر وقد قدمنا ذلك.

[رح 3/333] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: “أَن النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وعن عائشة رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة. رواه البخاري) لا ينافي حديث ابن عمر في قوله ركعتين قبل الظهر لأن هذه زيادة علمتها عائشة ولم يعلمها ابن عمر، ثم يحتمل أن الركعتين اللتين ذكرهما من الأربع وأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصليهما مثنى، وأن ابن عمر شاهد اثنتين فقط ويحتمل أنهما من غيرها، وأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصليهما أربعاً متصلة.

ويؤيد هذا حديث أبي أيوب عند أبي داود، والترمذي في الشمائل، وابن ماجه، وابن خزيمة بلفظ: “أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء”. وحديث أنس: “أربع قبل الظهر كعدلهن بعد العشاء وأربع بعد العشاء كعدلهن من ليلة القدر”. أخرجه الطبراني في الأوسط، وعلى هذا فيكون قبل الظهر ست ركعات، ويحتمل أنه كان يصلي الأربع تارة ويقتصر عليها وعنها أخبرت عائشة، وتارة يصلي ركعتين وعنهما أخبر ابن عمر.

[رح 4/433] ـ وَعَنْها رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: “لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُداً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتِي الْفَجْرِ”. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ.

وَلِمُسْلِمٍ: “رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا”.

(وعنها) أي عن عائشة (قالت: لم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر. متفق عليه) تعاهداً، أي محافظة، وقد ثبت أنه كان لا يتركهما حضراً ولا سفراً، وقد حكى وجوبهما عن الحسن البصري (ومسلم) أي عن عائشة مرفوعاً، (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) ، أي أجرهما خير من الدنيا، وكأنه أريد بالدنيا الأرض وما فيها أثاثها ومتاعها. وفيه دليل على الترغيب في فعلهما وأنها ليستا بواجبتين إذ لم يذكر العقاب في تركهما بل الثواب في فعلهما.

[رح 5/333] ـ وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَقُولُ: مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: تَطَوُّعاً”.

وَللتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ، وزَادَ: “أَرْبعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الْفَجْرِ”.

وَلِلْخَمْسَةِ عَنْهَا: “مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَع قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ الله تَعَالَى عَلَى النَّارَ”.

(وعن أم حبيبة أم المؤمنين) تقدم ذكر اسمها وترجمتها، (قالت: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته) كأن المراد في كل يوم وليلة لا في يوم من الأيام وليلة من الليالي، (بني له بهن بيت في الجنة) ، ويأتي تفصيلها في رواية الترمذي، (رواه مسلم وفي رواية) أي مسلم عن أم حبيبة (تطوعاً) تمييز للاثنتي عشرة زيادة في البيان وإلا فإنه معلوم، (وللترمذي) أي عن أم حبيبة (نحوه) أي نحو حديث مسلم، (وزاد) تفصيل ما أجملته رواية مسلم (أربعاً قبل الظهر) هي التي ذكرتها عائشة في حديثها السابق، (وركعتين بعدها) هي التي في حديث ابن عمر، (وركعتين بعد المغرب) هي التي قيدها حديث ابن عمر بفي بيته، (وركعتين بعد العشاء) هي التي قيدها أيضاً بفي بيته، (وركعتين قبل الصلاة الفجر) هما اللتان اتفق عليهما ابن عمر وعائشة في حديثيهما السابقين، (وللخمسة عنها) أي عن أم حبيبة، (من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها) يحتمل أنها غير الركعتين المذكورتين سابقاً، ويحتمل أن المراد أربع فيها الركعتان اللتان مر ذكرهما، (حرمه الله على النار) أي منعه عن دخولها كما يمنع الشيء المحرم ممن حرم عليه.

[رح 6/633] ـ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “رَحِمَ الله أَمْراً صَلَّى أَرْبَعَاً قَبْلَ الْعَصْرِ”. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “رحم الله أمراً صلى أربعاً قبل العصر”) هذه الأربع لم تذكر فيما سلف من النوافل، فإذا ضمت إلى حديث أم حبيبة الذي عند الترمذي كانت النوافل قبل الفرائض وبعدها ست عشرة ركعة، (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه). وأما صلاة ركعتين قبل العصر فقط فيشملها حديث: “بين كل أذانين صلاة”.

[رح 7/733] ـ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ”. ثُمَّ قَالَ في الثَّالِثَةِ: “لِمَنْ شَاءَ”. كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ حِبَّانَ، أَن النَّبِي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ.

(وعن عبد الله بن مغفل المزني) بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء مفتوحة هو أبو سعيد في الأشهر عبد الله بن مغفل بن غنم كان من أصحاب الشجرة سكن المدينة المنورة ثم تحول إلى البصرة وابتني بها داراً، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس، ومات عبد الله بها سنة ستين وقيل قبلها بسنة، (قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة “لمن شاء كراهية) أي لكراهية (أن يتخذها الناس”) أي طريقة مألوفة لا يتخلفون عنها فقد يؤدي إلى فوات أول الوقت، (رواه البخاري) وهو دليل على أنها تندب الصلاة قبل صلاة المغرب، إذ هو المراد من قوله: “قبل المغرب” لا أن المراد قبل الوقت لما علم من أنه منهي عن الصلاة فيه، (وفي رواية لابن حبان) أي من حديث عبد الله المذكور (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى قبل المغرب ركعتين) فثبت شرعيتهما بالقول والفعل.

[رح 8/833] ـ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: “كُنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا”.

(ولمسلم عن أنس قال: كنا نصل ركعتين بعد غروب الشمس، وكان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا) فتكون ثابتة بالتقرير أيضاً، فثبتت هاتان الركعتان بأقسام السنة الثلاثة، ولعل أنساً لم يبلغه حديث عبد الله الذي فيه الأمر بهما، وبهذه تكون النوافل عشرين ركعة تضاف إلى الفرائض وهي سبع عشرة ركعة فيتم لمن حافظ على هذه النوافل في اليوم والليلة سبع وثلاثون ركعة وثلاث ركعات الوتر تكون أربعين ركعة في اليوم والليلة، وقال ابن القيم: ثبت أنه كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة سبع عشرة الفرائض واثنتي عشرة التي روت أم حبيبة وإحدى عشرة صلاة الليل فكانت أربعين ركعة انتهى، ولا يخفى أنه بلغ عدد ما ذكر هنا من النوافل غير الوتر اثنتين وعشرين إن جعلنا الأربع قبل الظهر وبعده داخلة تحتها الاثنتان اللتان في حديث ابن عمر ويزاد ما في حديث أم حبيبة التي بعد العشاء فالجميع أربع وعشرون ركعة من دون الوتر والفرائض.

[رح 9/933] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُخَفَّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

(وعن عائشة رضي الله عنه قالت: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يخفف الركعتين اللتين قبل الصبح) أي نافلة الفجر (حتى إني أقول أقرأ بأم الكتاب) يعني أم لا لتخفيفه قيامها (متفق عليه) ، وإلى تخفيفهما ذهب الجمهور ويأتي تعيين قدر ما يقرأ فيهما وذهبت الحنفية إلى تطويلهما ونقل عن النخعي، وأورد فيه البيهقي حديثاً مرسلاً عن سعيد بن جبير وفيه لم يسم، وما ثبت في الصحيح لا يعارضه مثل ذلك.

[رح 01/043] ـ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَرَأَ فِي رَكْعَتِي الْفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، و {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قرأ في ركعتي الفجر {قل يا أيها الكافرون}) أي في الأولى بعد الفاتحة، و {قل هو الله أحد} أي في الثانية بعد الفاتحة، (رواه مسلم) ، وفي رواية لمسلم أي عن أبي هريرة: “قرأ الآيتين أي في ركعتي الفجر: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} ـ إلى آخر الآية في البقرة ـ عوضاً عن: {قل يا أيها الكافرون} ، و {قل يا أهل الكتاب تعالوا} ـ الآية في آل عمران ـ عوضاً عن {قل هو الله أحد} ، وفيه دليل على جواز الاقتصار على آية من وسط السورة.

[رح 11/143] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ”. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن. رواه البخاري) العلماء في هذه الضجعة بين مفرط ومفرط ومتوسط فأفرط جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم ومن تابعه فقالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها، وذلك لفعله المذكور في هذا الحديث، ولحديث الأمر بها في حديث أبي هريرة عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن”. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقال ابن تيمية: ليس بصحيح لأنه تفرد به عبد الواحد ابن زياد وفي حفظ مقال.

قال المصنف: والحق أنه تقوم به الحُجَّة إلا أنه صرف الأمر عن الوجوب ما ورد من عدم مداومته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على فعلها.

وفرط جماعة فقالوا بكراهتها واحتجوا بأن ابن عمر كان لا يفعل ذلك ويقول: “كفى بالتسليم” أخرجه عبد الرزاق وبأنه كان يحصب من يفعلها، وقال ابن مسعود: “ما بال الرجل إذا صلى الركعتين تمعك كما يتمعك الحمار”، وتوسط فيها طائفة منهم مالك وغيره فلم يروا بها بأساً لم فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها استناناً. ومنهم من قال باستحبابها على الإطلاق سواء فعلها استراحة أم لا.

قيل: وقد شرعت لمن يتجهد من الليل لما أخرجه عبد الرزاق عن عائشة كانت تقول: “إن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يضطجع لسنة لكنه كان يدأب ليلة فيضطجع ليستريح منه”. وفيه راوٍ لم يسم، وقال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة. قلت: وهو الأقرب وحديث عائشة لو صح فغايته أنه إخبار عن فهمها، وعدم استمراره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عليها دليل سنيتها ثم إنه يسن على الشق الأيمن، قال ابن حزم: فإن تعذر على الأيمن فإنه يوميء ولا يضطجع على الأيسر.

[رح 21/243] ـ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الصُّبْحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ”. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه) تقدم الكلام، وأنه كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يفعلها، وهذه رواية في الأمر بها وتقدم أنه صرفه عن الإيجاب ما عرفت وعرفت كلام الناس فيه.

[رح 31/343] ـ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ مَا قَدْ صَلَّى”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلِلْخَمْسَةِ وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، بِلَفْظِ: “صَلاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى”. وقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى” متفق عليه).

الحديث دليل على مشروعية نافلة الليل مثنى مثنى، فيسلم على كل ركعتين. وإليه ذهب جماهير العلماء، وقال مالك: لا تجوز الزيادة على اثنتين لأن مفهوم الحديث الحصر، لأنه في قوة ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى لأن تعريف المبتدأ قد يفيد ذلك على الأغلب، وأجاب الجمهور بأن الحديث وقع جواباً لمن سأل عن صلاة الليل فلا دلالة فيه على الحصر، وبأنه لو سلم فقد عارضه فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو ثبوت إيتاره بخمس، كما في حديث عائشة عند الشيخين والفعل قرينة على عدم إرادة الحصر.

وقوله: “فإذا خشي أحدكم الصبح أوتر بركعة” دليل على أنه لا يوتر بركعة واحدة إلا لخشية طلوع الفجر وإلا أوتر بخمس أو سبع أو نحوها لا بثلاث للنهي عن الثلاث، فإنه أخرج الدارقطني، والحاكم، وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعاً “أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع أو إحدى عشرة”، زاد الحاكم: “ولا توتروا بثلاث لا تشبهوا بصلاة المغرب”. قال المصنف: ورجاله كلهم ثقات ولا يضره وقف من وقفه، إلا أنه قد عارضه حديث أبي أيوب: “من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل”، أخرجه أبو داود والنسائي، وابن ماجه وغيرهم.

وقد جمع بينهما بأن النهي عن الثلاثة إذا كان يقعد للتشهد الأوسط لأنه يشبه المغرب، وأما إذا لم يقعد إلا في آخرها فلا يشبه المغرب، وهو جمع حسن قد أيده حديث عائشة عند أحمد، والنسائي، والبيهقي، والحاكم: “كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوتر بثلاث لا يجلس إلا في آخرتهن”. ولفظ أحمد: “كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن”. ولفظ الحاكم: “لا يقعد”.

هذا وأما مفهوم أنه لا يوتر بواحدة إلا لخشية طلوع الفجر، فإنه يعارضه حديث أبي أيوب هذا فإن فيه: “ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل”. وهو أقوى من مفهوم حديث الكتاب، وفي حديث أبي أيوب دليل على صحة الإحرام بركعة واحدة، وسيأتي قريباً.

(وللخمسة) أي من حديث أبي هريرة، (وصححه ابن حبان بلفظ: “صلاة الليل والنهار مثنى مثنى”، وقال النسائي: هذا خطأ) أخرجه المذكورين من حديث عليّ بن عبد الله البارقي عن ابن عمر بهذا، وأصله في الصحيحين بدون ذكر النهار، وقال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير عليّ وأنكروه عليه، وكان ابن معين يضعف حديثه هذا ولا يحتج به، ويقول: إن نافعاً وعبد الله بن دينار وجماعة رووه عن ابن عمر بدون ذكر النهار، وروي بسنده عن يحيى بن معين أنه قال: صلاة النهار أربع لا يفصل بينهن فقيل له: فإن أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، قال: بأي حديث قيل بحديث الأزدي، قال: ومن الأزدي حتى أقبل منه. قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ، وكذا قال الحاكم في علوم الحديث، وقال الدارقطني في العلل: ذكر النهار فهي وهم، وقال الخطابي: روي هذا الحديث طاوس ونانع وغيرهما عن ابن عمر فلم يذكر أحد فيه النهار إلا أن سبيل الزيادة من الثقة أن تقبل، وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وقال: والبارقي احتج به مسلم والزيادة من الثقة مقبولة، انتهى كلام المصنف في التلخيص.

فانظر إلى كلام الأئمة في هذه الزيادة فقد اختلفوا فيها اختلافاً شديداً. ولعل الأمرين جائزان، وقال أبو حنيفة: يخير في النهار بين أن يصلي ركعتين ركعتين أو أربعاً أربعاً ولا يزيد على ذلك. وقد أخرج البخاري ثمانية أحاديث في “صلاة النهار ركعتين”.

[رح 41/443] ـ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ”. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أفضل الصلاة بعد الفريضة) فإنها أفضل الصلاة، (صلاة الليل” أخرجه مسلم) يحتمل أنه يريد بالليل جوفه، لحديث أبي هريرة عند الجماعة إلا البخاري قال: “سئل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: “الصلاة في جوف الليل”. وفي حديث عمرو بن عبسة عند الترمذي وصححه: “أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن”. وفي حديثه أيضاً عند أبي داود: “قلت: يا رسول الله أي الليل أسمع”؟ قال: “جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة فيه مكتوبة مشهودة”. والمراد من جوفه الآخر هو الثلث الآخر كما وردت به الأحاديث.

[رح 51/543] ـ وَعَنْ أَبِي أَيُوبَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ: “الْوَتْرُ حَقُّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يُوِتَرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ”. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَرَجّحَ النَّسَائِي وَقْفَهُ.

(وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “الوتر حق على كل مسلم) هو دليل لمن قال بوجوب الوتر، (من أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) ، قد قدمنا الجمع بينه وبين ما عارضه، (ومن أحب أن يوتر بواحدة) من دون أن يضيف إليها غيرها كما هو الظاهر، (فليفعل” رواه الأربعة إلا الترمذي وصححه ابن حبان ورجح النسائي وقفه) ، وكذا صحح أبو حاتم، والذهلي، والدارقطني في العلل، والبيهقي وغير واحد وقفه.

قال المصنف: وهو الصواب، قلت: وله حكم الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد فيه أي في المقادير.

والحديث دليل على إيجاب الوتر، ويدل له أيضاً حديث أبي هريرة عند أحمد: “من لم يوتر فليس منا”. وإلى وجوبه ذهبت الحنفية، وذهب الجمهور إلى أنه ليس بواجب مستدلين بحديث عليّ رضي الله عنه: “الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” ويأتي، ولفظه عند ابن ماجه: “إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ولكن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أوتر وقال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر”.

وذكر المجد ابن تيمية أن ابن المنذر روى حديث أبي أيوب، بلفظ: “الوتر حق وليس بواجب”، وبحديث: “ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع”.

وعد منها الوتر وإن كان ضعيفاً فله متابعات يتأيد بها، على أن حديث أبي أيوب الذي استدل به على الإيجاب قد عرفت أن الأصح وقفه عليه، وإن سبق أن له حكم المرفوع فهو لا يقاوم الأدلة الدالة على عدم الإيجاب، والإيجاب قد يطلق على المسنون تأكيداً كما سلف في غسل الجمعة، وقوله: “بخمس وبثلاث” أي: ولا يقعد إلا في آخرها، ويأتي حديث عائشة في الخمس. وقوله: “بواحدة” ظاهره مقتصراً عليها، وقد روى فعل ذلك عن جماعة من الصحابة، فأخرج محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد: “أن عمر قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها”. وروى البخاري: “أن معاوية أوتر بركعة وأن ابن عباس استصوبه”.

[رح 61/643] ـ وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: “لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسْنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ.

(وعن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” رواه الترمذي والنسائي وحسنه والحاكم وصححه) تقدم أنه من أدلة الجمهور على عدم الوجوب.

وفي حديث عليّ هذا عاصم بن ضمرة تكلم في غير واحد وذكره القاضي الخيمي في حواشيه على بلوغ المرام ولم أجده في التلخيص، بل ذكر هنا أنه صححه الحاكم ولم يتعقبه فما أدري من أين نقل القاضي ثم رأيت في التقريب ما لفظه: عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي صدوق من السادسة، مات سنة أربع وسبعين.

[رح 71/743] ـ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: “إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ الْوِتْرُ” رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.

(وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قام في شهر رمضان ثم انتظروه من القابلة فلم يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر. وراه ابن حبان) أبعد المصنف النجعة.

والحديث في البخاري إلا أنه بلفظ: “أن تفرض عليكم صلاة الليل”، وأخرجه أبو داود من حديث عائشة، ولفظه: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فلما أصبح قال: “قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم” هذا، والحديث في البخاري بقريب من هذا.

وأعلم أنه قد أشكل التعليل لعدم الخروج بخشية الفرضية عليهم مع ثبوت حديث: “هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي”، فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف من الزيادة، وقد نقل المصنف عنه أجوبة كثيرة وزيفها، وأجاب بثلاثة أجوبة، قال: إنه فتح الباري عليه بها وذكرها واستجود منها أن خوفه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان من افتراض قيام الليل يعني جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً في صحة التنقل بالليل قال: ويوميء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: “حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم” فمنعهم من التجمع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه انتهى.

قلت: ولا يخفى أنه لا يطابق قوله: “أن تفرض عليكم صلاة الليل” كما في البخاري، فإنه ظاهر أنه خشية فرضها مطلقاً، وكان ذلك في رمضان، فدل على أنه صلى بهم ليلتين. وحديث الكتاب أنه صلى بهم ليلة واحدة وفي رواية أحمد: “إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم ثلاث ليال وغص المسجد بأهله في الليلة الرابعة”، وفي قوله: “خشيت أن يكتب عليكم الوتر” دلالة على أن الوتر غير واجب.

واعلم أن أثبت صلاة التراويح وجعلها سنة في قيام رمضان استدل بهذا الحديث على ذلك، وليس فيه دليل على كيفية ما يفعلونه ولا كميته، فإنهم يصلونها جماعة عشرين يتروحون بين كل ركعتين، فأما الجماعة فإن عمر أول من جمعهم على إمام معين وقال: “إنها بدعة” كما أخرجه مسلم في صحيحه، وأخرجه غيره من حديث أبي هريرة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، قال: وتوفي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم والأمر على ذلك، وفي خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر”، زاد في رواية عند البيهقي: “قال عروة فأخبرني عبد الرحمن القاري أن عمر بن الخطاب خرج ليلة فطاف في رمضان في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط”، فقال عمر: والله لأظن لو جمعناهم على قارىء واحد فأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في رمضان فخرج عمر والناس يصلون بصلاته فقال عمر: “نعم البدعة هذه”، وساق البيهقي في السنن عدة روايات في هذا المعنى.

واعلم أنه يتعين حمل قوله بدعة على جمعه لهم على معين وإلزامهم بذلك لا أنه أراد أن الجماعة بدعة فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قد جمع بهم كما عرفت. إذا عرفت هذا عرفت أن عمر هو الذي جعلها جماعة على معين وسماها بدعة.

وأما قوله: “نعم البدعة”، فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة، وأما الكمية وهي جعلها عشرين ركعة، فليس فيه حديث مرفوع إلا ما رواه عبد بن حميد والطبراني من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر”، قال في سبل الرشاد: أبو شيبة ضعفه أحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وداود، والترمذي والنسائي، وغيرهم وكذبه شعبة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وعد هذا الحديث من منكراته، وقال الأذرعي في المتوسط: وأما ما نقل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى في الليلتين اللتين خرج فيهما عشرين ركعة فهو منكر، وقال الزركشي في الخادم: دعوى أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم في تلك الليلة عشرين ركعة لم تصح، بل الثابت في الصحيح الصلاة من غير ذكر بالعداد ولما في رواية جابر: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم ثمان ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم”. رواه ابن حبان في صحيحهما انتهى.

وأخرج البيهقي رواية ابن عباس من طريق أبي شيبة، ثم قال: إنه ضعيف وساق روايات: “أن عمر أمر أبياً وتميماً الداري يقومان بالناس بعشرين ركعة”. وفي رواية: “أنهم كانوا يقومون في زمن عمر بعشرين ركعة”، وفي رواية بثلاث وعشرين ركعة. وفي رواية: “أن علياً رضي الله عنه كان يؤمهم بعشرين ركعة ويوتر بثلاث”، قال: وفيه قوة.

إذا عرفت هذا علمت أنه ليس في العشرين رواية مرفوعة، بل يأتي حديث عائشة المتفق عليه قريباً: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة”، فعرفت من هذا كله أن صلاة التراويح على هذا الأسلوب الذي اتفق عليه الأكثر بدعة نعم قيام رمضان سنة بلا خلاف، والجماعة في نافلته لا تنكر، وقد ائتم ابن عباس رضي الله عنه وغيره به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في صلاة الليل، لكن جعل هذه الكيفية والكمية سنة، والمحافظة عليها هو الذي نقول: إنه بدعة، وهذا عمر رضي الله عنه خرج أولاً، والناس أوزاع متفرقون منهم من يصلي منفرداً ومنهم من يصلي جماعة على ما كانوا في عصره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وخير الأمور ما كان على عهده.

وأما تسميتها بالتراويح فكأن وجهه ما أخرجه البيهقي من حديث عائشة قالت: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي أربع ركعات في الليل ثم يتروح فأطال حتى رحمته”. الحديث، قال البيهقي: تفرد به المغيرة بن دياب وليس بالقوي، فإن ثبت فهو أصل في تروح الإمام في صلاة التراويح. انتهى.

وأما حديث: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ”. أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وصححه الحاكم، وقال: على شرط الشيخين. ومثله حديث: “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر” أخرجه الترمذي، وقال: حسن، وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، وله طرق فيها مقال إلا أنه يقوي بعضها بعضاً. فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أن ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم عمر رضي الله عنه نفسه الخليفة الراشد سمي ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل: إنها سنة فتأمل على أن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنه لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حُجَّة، وقد حقق البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه مع أنه قال: إنما الحديث الأول يدل أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على قول كان حُجَّة لا إذا انفرد واحد منهم والتحقيق أن الاقتداء ليس هو التقليد بل هو غيره كما حققناه في شرح نظم الكافل في بحث الإجماع.

[رح 81/843] ـ وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنَّ الله أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ”. قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: “الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ”. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائِيَّ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ.

(وعن خارجة) بالخاء المعجمة فراء بعد الألف فجيم هو (ابن حذافة) بضم المهلمة فذال بعدها معجمة ففاء بعد الألف وهو قَرشي عدوي كان يعدل بألف فارس، روي أن عمرو بن العاص استمد من عمر بثلاثة آلاف فارس فأمده بثلاثة وهم خارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود. ولي خارجة القضاء بمصر لعمرو بن العاص، وقيل: كان على شرطته وعداده في أهل مصر، قتله الخارجي ظناً منه أنه عمرو بن العاص حين تعاقدت الخوارج على قتل ثلاثة علي عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما فتم أمر الله في أمير المؤمنين عليّ عليه السلام دون الآخرين وإلى الغلط بخارجة أشار من قال شعراً:

[شع] فليتها إذ فدت عمراً بخارجة

فدت علياً بمن شاءت من البَشر [/شع].

وكان قتل خارجة سنة أربعين (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم” قلنا: وما هي يا رسول الله قال: “الوتر ما بين الصلاة العشاء إلى طلوع الفجر”. رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم).

قلت: قال الترمذي عقيب إخراجه له: حديث خارجة بن حذافة، حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث ثم ساق الوهم فيه؟ فكان يحسن من المصنف التنبيه على ما قاله الترمذي هذا.

وفي الحديث ما يفيد عدم وجوب الوتر لقوله: “أمدكم”، فإن الإمداد هو الزيادة بما يقوي المزيد عليه، يقال: مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره ومد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها، ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد.

“فائدة في حكمة شرعية النوافل”

أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم من حديث تميم الداري مرفوعاً: “أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها، قال الله تعالى لملائكته: {انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته} ثم الزكاة كذلك} ، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك”، وأخرجه الحاكم في الكنى من حديث ابن عمر مرفوعاً: “أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس، وأول ما يرفع من أعمالهم الصلوات الخمس، وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس، فمن كان ضيع شيئاً منها يقول نقص من الفريضة؟ وانظروا صيام عبدي شهر رمضان فإن كان ضيع شيئاً منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها ما نقص من الصيام؟ وانظروا في زكاة عبدي، فإن كان ضيع شيئاً فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة؟ فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة الله وعدله، فإن وجد له فضل وضع في ميزانه، وقيل له: ادخل الجنة مسروراً وإن لم يوجد له شيء من ذلك أمرت الزبانية، فأخذت بيديه ورجليه ثم قذف في النار”، وهو كالشرح والتفصيل لحديث تميم الداري (وروي أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه) أي نحو حديث خارجة فشرحه شرحه.

[رح 91/943] ـ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ رَضِيَ الله عَنْه، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “الْوِتْرُ حَقٌ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا”. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عِنْدَ أَحْمَدَ.

(وعن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة بعدها راء مهملة مفتوحة ثم مثناة تحتية ساكنة فدال مهملة مفتوحة هو ابن الحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة والمثناة التحتية والباء الموحدة الأسلمي وعبد الله من ثقات التابعين سمع أباه وسمرة بن جندب وآخرين وتولي قضاء مرو وماب بها (عن أبيه) بريدة بن الحصيب تقدم ذكره (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “الوتر حق) أي لازم فهو من أدلة الإيجاب، (فمن لم يوتر فليس منا” أخرجه أبو داود بسند لين) لأن فيه عبد الله بن عبد الله العتكي، ضعفه البخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، (وصححه الحاكم) ، وقال ابن معين: إنه موقوف (وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد) ، رواه بلفظ: “من لم يوتر فليس منا”، وفيه الخليل بن مرة منكر الحديث، وإسناده منقطع كما قاله أحمد، ومعنى “ليس منا” ليس على سنتنا وطريقتنا، والحديث محمول على تأكد السنية للوتر جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب.

[رح 02/053] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَتْ: “مَا كَانَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَة رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلَّي ثَلاثاً. قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وفَي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: “كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.

(وعن عائشة رضي الله عنه قالت: ما كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) ، ثم فصلتها بقولها (يصلي أربعاً) يحتمل أنها متصلاً وهو الظاهر، ويحتمل أنها مفصلات وهو بعيد إلا أنه يوافق حديث “صلاة الليل مثنى مثنى”، (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) نهت عن سؤال ذلك إما أنه لا يقدر المخاطب على مثله فأي حاجة له في السؤال، أو لأنه قد علم حسنهن وطولهن لشهرته فلا يسئل عنه أو لأنها لا تقدر تصف ذلك، (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً قالت: فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن يوتر) كأنه كان ينام بعد الأربع ثم يقوم فيصلي الثلاث وكأنه كان قد تقرر عند عائشة أن النوم ناقض للوضوء فسألته فأجابها بقوله: (قال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) دل على أن الناقض نوم القلب وهو حاصل مع كل من نام مستغرقاً فيكون من الخصائص أن النوم لا ينقض وضوءه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقد صرح المصنف بذلك في التلخيص، واستدل بهذا الحديث وبحديث ابن عباس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ”. وفي البخاري: “إن الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم” (متفق عليه).

اعلم أنه قد اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الليل وعددها، فقد روي عنها سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر ومنها هذه الرواية التي أفادها قوله: (وفي رواية لهما) أي الشيخين (عنها) أي عن عائشة (كان يصلي من الليل عشر ركعات) وظاهره أنها موصولة لا قعود فيها، (ويوتر بسجدة) أي ركعة، (ويركع ركعتي الفجر) أي بعد طلوعه، (فتلك) أي الصلاة في الليل مع تغليب ركعتي الفجر أو فتلك الصلاة جميعاً، (ثلاث عشرة ركعة) ، وفي رواية: “أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين فكانت خمس عشرة ركعة”. ولما اختلفت ألفاظ حديث عائشة زعم البعض أنه حديث مضطرب، وليس كذلك، بل الروايات محمولة على أوقات متعددة وأوقات مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز وأن الكل جائز، وهذا لا يناسبه قولها ولا في غيره، والأحسن أن يقال: إنها أخبرت عن الأغلب من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلا ينافيه ما خالفه لأنه إخبار عن النادر.

[رح 12/153] ـ وَعَنْها رَضِيَ قَالَتْ: “كَانَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلا فِي آخِرِهَا.

(وعنها) أي عائشة، (قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة) لم تفصلها وتبين على كم كان يسلم كما ثبت ذلك في الحديث السابق إنما بينت هذا في الوتر بقولها: (ويوتر من ذلك) أي العدد المذكور (بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها) كأن هذا أحد أنواع إيتاره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كما إن الإيتار بثلاث أحدها كما أفاده حديثها السابق.

[رح 22/253] ـ وَعَنْها رَضِيَ الله عَنْه قَالَتْ: “مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

(وعنها) أي عائشة (قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي من أوله وأوسطه وآخره، (وانتهى وتره إلى السحر. متفق عليهما) أي على الحديثين وهذا الحديث بيان لوقت الوتر وأنه الليل كله من بعد صلاة العشاء، وقد أفاد ذلك حديث خارجة حيث قال: “الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر”، وقد ذكرنا أنواع الوتر التي وردت في حاشية ضوء النهار.

[رح 32/353] ـ وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عَنْهُما، قَالَ: قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يَا عَبْدَ الله، لا تَكُنْ مِثْلَ فَلانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل. متفق عليه).

قوله: “مثل فلان” قال المصنف في فتح الباري: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق وكأن إبهام هذا القصد للستر عليه، قال ابن العربي: هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجباً لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ ذم. وفيه استحباب الدوام على ما اعتداه المرء من الخير من غير تفريط ويستنبط منه كراهة قطع العبادة.

[رح 42/453] ـ وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ”. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.

(وعن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أوتروا يا أهل القرآن فإن الله وتر”) في النهاية أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام ولا التجزئة واحد في صفاته لا شبيه له ولا مثل. واحد في أفعاله لا شريك له ولا معين، (يحب الوتر) يثيب عليه ويقبله من عامله، (رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة).

المراد بأهل القرآن المؤمنون لأنهم الذي صدقوا القرآن وخاصة من يتولى حفظه ويقوم بتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه. والتعليل بأنه تعالى وتر فيه ـ كما قال القاضي عياض: ـ أن كل ما ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه وقد عرفت أن الأمر للندب للأدلة التي سلفت الدالة على عدم وجوب الوتر.

[رح 52/553] ـ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ: “اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمُ بِاللَّيْلِ وِتْراً”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً” متفق عليه) في فتح الباري أنه اختلف السَلَف في موضعين: أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر من جلوس. والثاني: من أوتر ثم أراد أن ينتفل من الليل هل يكتفي بوتره الأول وينتفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة ثم ينتفل، ثم إذا فعل هذا هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا.

أما الأول فوقع عند مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصلي من الليل ركعتين بعد الوتر وهو جالس”. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم وجعل الأمر في قوله: “اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً” مختصاً بمن أوتر آخر الليل، وأجاب من لم يقل بذلك بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النووي على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر وجواز التنفل جالساً.

وأما الثاني: فذهب الأكثر إلى أنه يصلي شفعاً ما أراد ولا ينقض وتره الأول عملاً بالحديث.

[رح 62/653] ـ وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَقُولُ: “لا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ”. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلاثَةُ، وصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وهو (وعن طلق بن عليّ رضي الله عنه سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “لا وتران في ليلة” رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان) ، فدل على أنه لا يوتر بل يصلي شفعاً ما شاء، وهذا نظر إلى ظاهر فعله وإلا فإنه لما شفع وتره الأول لم يبق إلا وتر واحد هو ما يفعله آخراً. وقد روي، عن ابن عمر أنه قال: لما سئل عن ذلك: “إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صل ما بدا لك ثم أوتر”.

[رح 72/753] ـ وَعَنَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: “كَانَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ الله أَحدٌ”. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ: “وَلا يُسَلِّمُ إِلا فِي آخِرِهِنَّ”.

(وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوتر) أي يقرأ في صلاة الوتر (بسبح اسم ربك الأعلى) أي في الأولى بعد قراءة الفاتحة، (وقل يا أيها الكافرون) أي في الثانية بعدها، (وقل هو الله أحد) أي في الثالثة بعدها. (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد) أي النسائي (ولا يسلم إلا في آخرهن) الحديث دليل على الإيتار بثلاث، وقد عارضه حديث: “لا توتروا بثلات” وهو عن أبي هريرة، صححه الحاكم، وقد صحح الحاكم عن ابن عباس، وعائشة كراهية الوتر بثلاث، وقد قدمنا وجه الجمع ثم الوتر بثلاث أحد أنواعه كما عرفت فلا يتعين فيه.

فذهبت الحنفية والهادوية إلى تعيين الإيتار بالثلاث تصلي موصولة، قالوا: لأن الصحابة أجمعوا على أن الإيتار بثلاث موصولة جائز، اختلفوا فيما عداه، فالأخذ به أخذ بالإجماع ورد عليهم بعدم صحة الإجماع كما عرفت.

[رح 82/853] ـ وَلأَبِي دَاُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، وَفِيه: “كُلّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيرَةِ {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} (الإخلاص: 1) وَالْمُعَوذَتَيْنِ”.

(ولأبي داود والترمذي نحوه) أي حديث أبي (عن عائشة وفيه كل سورة) من سبح والكافرون (في ركعة) من الأولى والثانية كما بيناه، (وفي الأخيرة {قل هو الله أحد} والمعوذتين) في حديث عائشة لين لأن فيه خصيفاً الجزري، ورواه ابن حبان والدارقطني من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. قال العقيلي: إسناده صالح. وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن له شاهداً من حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب.

[رح 92/953] ـ وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَن النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلابْنِ حَبَّانَ: “مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلا وِتْرَ لَهُ”.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: أوتروا قبل أن تصبحوا. رواه مسلم) هو دليل على أن الوتر قبل الصبح (ولابن حبان) أي من حديث أبي سعيد، (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له) وهو دليل على أنه لا يشرع الوتر بعد خروج الوقت.

وإما أنه لا يصح قضاؤه فلا، إذ المراد من تركه متعمداً فإنه فاتته السنة العظمى حتى أنه لا يمكنه تداركه، وقد حكى ابن المنذر عن جماعة من السَلَف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، وأما وقته الاضطراري فيبقى إلى قيام صلاة الصبح، وأما من نام عن وتره ونسيه فقد بين حكمه الحديث:.

[رح 03/063] ـ وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نِسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ”. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا النَّسائِيَّ.

(وهو قوله): (وعنه) أي عن أبي سعيد (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر”) لف ونشر مرتب، حيث كان نائماً أو ذكر إذا كان ناسياً (رواه الخمسة إلا النسائي) ، فدل على أن من نام عن وتره أو نسيه فحكمه حكم من نام عن الفريضة أو نسيها أنه يأتي بها عند الاستيقاظ أو الذكر أو القياس أنه أداء كما عرفت فيمن نام عن الفريضة أو نسيها.

[رح 13/163] ـ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَنْ خَافَ أنْ لا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن جابر رضي الله عنه) هو ابن عبد الله، (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من خاف أن لا يقوم من الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل” رواه مسلم) فيه دلالة على أن تأخير الوتر أفضل، ولكن إن خاف أن لا يقوم قدمه لئلا يفوته فعلاً، وقد ذهب جماعة من السَلَف إلى هذا وإلى هذا وفعل كل بالحالين، ومعنى كون صلاة آخر الليل مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

[رح 23/263] ـ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ: “إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاةِ اللَّيْلِ وَالْوَتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا طلع الفجر فقد ذهب وقت كل صلاة الليل) أي النوافل المشروعة فيه، (والوتر) عطف خاص على عام فإنه من صلاة الليل عطفه عليه لبيان شرفه، (فأوتروا قبل طلوع الفجر).

فتخصيص الأمر بالإيتار لزيادة العناية بشأنه وبيان أنه أهم صلاة الليل، فإنه يذهب وقته بذهاب الليل وتقدم في حديث أبي سعيد أن النائم والناسي يأتيان بالوتر عند اليقظة إذا أصبح والناسي عند التذكر فهو مخصص لهذا، فبين أن المراد بذهاب وقت الوتر بذهاب الليل على من ترك الوتر لغير العذرين. وفي ترك ذلك للنوم ما رواه الترمذي عن عائشة: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا لم يصل من الليل منعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة”. وقال: حسن صحيح، وكأنه تداركه لما فات، (رواه الترمذي) ، قلت: وقال عقيبه: سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ.

[رح 33/363] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله. رواه مسلم) هذا يدل على شرعية صلاة الضحى، وأن أقلها أربع، وقيل: ركعتان، وهذا في الصحيحين من رواية أبي هريرة “وركعتي الضحى”.

وقال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله. قال: وفي هذا دليل على استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على فعلها لا ينافي استحبابها لأنه حاصل بدلالة القول وليس من شرط الحكم أن تتظافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على فعل مرجح على ما لم يواظب عليه انتهى.

وأما حكمها فقد جمع ابن القيم الأقوال فبلغت ستة أقوال. الأول: أنها سنة مستحبة. الثاني: لا تشرع إلا لسبب. الثالث: لا تستحب أصلاً. الرابع: يستحب فعلها تارة وتركها تارة فلا يواظب عليها. الخامس: يستحب الموظبة عليها في البيوت. السادس: أنها بدعة. وقد ذكر هنالك مستند كل قول. هذا وأرجح الأقوال أنها سنة مستحبة كما قرره ابن دقيق العيد، نعم وقد عارض حديث عائشة هذا حديثها الذي أفاده قوله:

[رح 43/463] ـ وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّها سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لا. إِلا أنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ.

وَلَهُ عَنْهَا: “مَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإنِّي لأُسَبِّحُهَا”.

(وله) أي لمسلم (عنها) أي عن عائشة (أنها سئلت هل كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي الضحى؟ قالت: لا. إلا أن يجيء من مغيبه) فإن الأول دل على أنه كان يصليها دائماً لما تدل عليه كلمة كان فإنها تدل على التكرار، والثانية دلت على أنه كان لا يصليها إلا في حال مجيئه من مغيبه وقد جمع بينهما. فإن كلمة كان يفعل كذا لا تدل على الدوام دائماً بل غالباً، وإذا قامت قرينة على خلاف صرفتها عنه كما هنا، فإن اللفظ الثاني صرفها عن الدوام وأنها أرادت بقولها: “لا إلا أن يجيء من مغيبه” نفي رؤيتها صلاة الضحى، وأنها لم تره يفعلها إلا في ذلك الوقت، واللفظ الأول إخبار عما بلغها في أنه ما كان يترك صلاة الضحى إلا أنه يضعف هذا قوله، (وله) أي لمسلم وهو أيضاً في البخاري بلفظه، فلو قال: ولهما كان أولى (عنها) أي عائشة (ما رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلي قط سبحة الضحى) بضم السين وسكون الباء أي نافلته، (وإني لأسبحها) فنفت رؤيتها لفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لها، وأخبرت أنها كانت تفعلها كأنه استناد إلى ما بلغها من الحث عليها ومن فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لها فألفاظها لا تتعارض حينئذ.

وقال البيهقي: المراد بقولها ما رأيته سبحها أي داوم عليها، وقال ابن عبد البر: يرجح ما اتفق عليه الشيخان وهو رواية إثباتها دون ما انفرد به مسلم وهي رواية نفيها، قال: وعدم رؤية عائشة لذلك لا يستلزم عدم الوقوع الذي أثبته غيرها هذا معنى كلامه. قلت: ومما اتفقا عليه في إثباتها حديث أبي هريرة في الصحيحين: “أنه أوصاه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأن لا يترك ركعتي الضحى”، وفي الترغيب في فعلها أحاديث كثيرة وفي عددها كذلك: مبسوطة في كتب الحديث.

[رح 53/563] ـ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ الله عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَالَ: “صَلاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

(وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: صلاة الأوابين) الأواب: الرجاع إلى الله تعالى بترك الذنوب وفعل الخيرات (حين ترمض الفصال) بفتح الميم من رمضت بكسرها أي تحترق من الرمضاء وهو شدة حرارة الأرض من قوع الشمس على الرمل وغيره، وذلك يكون عند ارتفاع الشمس وتأثيرها الحر والفصال جمع فصيل وهو ولد الناقة سمي بذلك لفصله عن أمه، (رواه الترمذي) ولم يذكر لها عدداً.

وقد أخرج البزار من حديث ثوبان: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يستحب أن يصلي بعد نصف النهار، فقال عائشة: يا رسول الله إنك تستحب الصلاة هذه الساعة؟ قال: “تفتح فيها أبواب السماء وينظر تبارك وتعالى فيها بالرحمة إلى خلقه وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى.

[رح 63/663] ـ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَنَى الله لَهُ قَصْراً فِي الْجَنَّةِ”. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى له قصراً في الجنة رواه الترمذي واستغربه) قال المصنف: وإسناده ضعيف. وأخرج البزار عن ابن عمر، قال: “قلت لأبي ذر: يا عماه أوصني، قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فقال: إن صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعاً كتبت من العابدين، وإن صليت ستاً لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانياً كتبت من القانتين، وإن صليت ثنتي عشرة بني لك بيت في الجنة”. وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطيء ويدلس، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن مقال.

[رح 73/763] ـ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: “دَخَلَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بَيْتِي. فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ”. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات. رواه ابن حبان في صحيحه) ، وقد تقدم رواية مسلم عنها “أنا ما رأته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي سبح الضحى”.

وهذا الحديث أثبتت فيه صلاته في بيتها وجمع بينهما بأنها نفت الرؤية وصلاته في بيتها يجوز أنها لم تره، ولكنه ثبت لها برواية، واختار القاضي عياض هذا الوجه ولا يعد في ذلك، وإن كان في بيتها لجواز غفلتها في الوقت فلا منافاة والجمع مهما أمكن هو الوجب.

“فائدة”

من فوائد صلاة الضحى أنها تجزىء عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم وهي ثلاثمائة وستون مفصلاً، لما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر قال فيه: وتجزىء من ذلك ركعتا الضحى”.

باب صلاة الجماعة والإمامة

1 ــــ[رح] عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشرينَ دَرَجَةً” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.

2 ــــ وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رَضيَ اللَّهُ عَنهُ “بِخَمْسٍ وَعشْرين جُزْءًا وَكَذَا لِلْبُخَاريِّ عَنْ أَبي سَعِيدٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: “دَرَجَةً”.

(عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ” بالفاء والذال المعجمة: الفرد “بسبع وعشرين درجة” متفق عليه).

(ولهما) أي الشيخين (عن أبي هريرة رضي الله عنه: بخمس وعشرين جزءاً) عوضاً عن قوله: “سبع وعشرين درجة” (وكذا) أي وبلفظ “بخمس وعشرين” (للبخاري عن أبي سعيد وقال: “درجة”) عوضاً عن جزء.

ورواه جماعة من الصحابة غير الثلاثة المذكورين منهم أنس وعائشة وصهيب ومعاذ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت.

قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمساً وعشرين إلا ابن عمر فقال: “سبعة وعشرين” وله رواية فيها “خمساً وعشرين” ولا منافاة فإن مفهوم العدد غير مراد فرواية الخمس والعشرين داخلة تحت رواية السبع والعشرين، أو أنه أخبر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالأقل عدداً أولاً ثم أخبر بالأكثر، وأنه زيادة تفضل الله بها.

وقد زعم قوم أن السبع محمولة على من صلى في المسجد، والخمس لمن صلى في غيره.

وقيل: السبع لبعيد المسجد والخمس لقريبه، ومنهم من أبدى مناسبات وتعليلات استوفاها المصنف في فتح الباري، وهي أقوال تخمينية ليس عليها نص.

والجزء والدرجة بمعنى واحد هنا لأنه عبر بكل واحد منهما عن الآخر وقد ورد تفسيرهما بالصلاة وأن الصلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى.

والحديث حث على الجماعة. وفيه دليل على عدم وجوبها، وقد قال بوجوبها جماعة من العلماء مستدلين بقوله:

[رح3] ــــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “وَالّذي نَفْسي بيدَهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بحَطَبٍ فيحتطب ثُمَّ آمُرُ بالصَّلاةِ فَيُؤدَّنُ لهَا ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النّاسَ ثُمَّ أُخَالِفُ إلى رجَالٍ “لا يَشْهَدُنَ الصَّلاة” فأُحَرِّقُ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالّذي نَفْسي بيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مِرْمَامتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ” مُتّفقٌ عَلَيْهِ وَاللّفْظُ للْبُخَاريِّ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “والذي نفسي بيده) أي في ملكه وتحت تصرفه (لقد هممت) جواب القسم، والإقسام منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لبيان عظم شأن ما يذكره زجراً عن ترك الجماعة (أن آمر بحطب فيُحطب ثم آمرُ بالصَّلاة فيؤذَّن لها ثمَّ آمرُ رجلاً فيؤُمَّ الناس ثم أُخالِف) في الصحاح خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه (إلى رجال “لا يشهدون الصَّلاة”) أي لا يحضرون الجماعة فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدُهم أنه يجد عرقاً) بفتح المهملة وسكون الراء ثم قاف هو العظم إذا كان عليه لحم (سميناً أوْ مرمامتين) تثنية مرماة بكسر الميم فراء ساكنة وقد تفتح الميم وهي ما بين ظلفي الشاة من اللحم (حسنتين) بمهملتين من الحسن (لشهد العِشاء”) أي صلاته جماعة (متفق عليه) أي بين الشيخين (واللفظ للبخاري).

والحديث دليل على وجوب الجماعة عيناً لا كفاية إذ قد قام بها غيرهم فلا يستحقون العقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم.

وإلى أنها فرض عين: ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ومن أهل البيت أبو العباس وقالت به الظاهرية.

وقال داود: إنها شرط في صحة الصلاة بناءً على ما يختاره من أن كل واجد في الصلاة فهو شرط فيها، ولم يسله له هذا، لأن الشرطية لا بد لها من دليل، ولذا قال أحمد وغيره: إنها واجبة غير شرط.

وذهب أبو العباس تحصيلاً لمذهب الهادي أنها فرض كفاية، وإليه ذهب الجمهور من متقدمي الشافعية، وكثير من الحنفية والمالكية.

وذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة وصاحباه والناصر إلى أنها سنة مؤكدة.

استدل القائل بالوجوب بحديث الباب، لأن العقوبة البالغة لا تكون إلا على ترك الفرائض، وبغيره من الأحاديث كحديث ابن مكتوم أنه قال: يا رسول الله قد علمت ما بي وليس لي قائد ــــ زاد أحمد ــــ وإن بيني وبين المسجد شجراً ونخلاً ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أتسمع الإقامة؟” قال: نعم، قال: “فاحضرها” أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وابن حبان بلفظ “أتسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فاتها ولو حَبْواً” والأحاديث في معناه كثيرة ويأتي حديث ابن أم مكتوم، وحديث ابن عباس، وقد أطلق البخاري الوجوب عليها وبوّبة بقوله: “باب وجوب صلاة الجماعة”. وقالوا: هي فرض عين إذ لو كانت فرض كفاية لكان قد أسقط وجوبها فعل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ومن معه لها.

وأما التحريق في العقوبات بالنار فإنه وإن كان قد ثبت النهي عنه عاماً، فهذا خاص.

وأدلة القائل بأنها فرض كفاية أدلة من قال إنها فرض عين بناءً على قيام الصارف للأدلة على فرض العين إلى فرض الكفاية.

وقد أطال القائلون بالسنية الكلام في الجوابات عن هذا الحديث بما لا يشفي وأقربها أنه خرج مخرج الزجر لا الحقيقة بدليل أنه لم يفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

واستدل القائل بالسنية بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث أبي هريرة “صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ” فقد اشتركا في الفضيلة، ولو كانت الفرادى غير مجزئة لما كانت لها فضيلة أصلاً وحديث “إذا صليتما في رحالكما” فأثبت لهما الصلاة في رحالهما ولم يبين أنها إذا كانت جماعة وسيأتي.

[رح4] ــــ وَعَنْهُ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلى المُنَافقينَ صَلاةُ العِشَاءِ وَصَلاةُ الْفجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهمَا لأتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعنه) أي أبي هريرة (قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أثقل الصلاة على المنافقين) فيه أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة فإنهم الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ولكن الأثقل عليهم (صلاة العشاء) لأنها في وقت الراحة والسكون (وصلاة الفجر) لأنها في وقت النوم وليس لهم داع ديني ولا تصديق بأجرهما حتى يبثهم على إتيانهما، ويخف عليهم الإتيان بهما، ولأنهما في ظلمة الليل، وداعي الرياء الذي لأجله يصلون منتفٍ، لعدم مشاهدة من يراءونه من الناس إلا القليل، فانتفى الباعث الديني منهما كما انتفى في غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما. ولذا قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ناظراً إلى انتفاء الباعث الديني عندهم: (ولو يعلمون ما فيهما) في فعلهما من الأجر (لأتوهما) إلى المسجد (ولوْ حَبْواً”) أي ولو مشوا حبواً أي كحبو الصبيّ على يديه وركبتيه، وقيل هو الزحف على الركب، وقيل على الإست، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني “ولو حبواً على يديه ورجليه”. وفي رواية جابر عنده أيضا بلفظ: “ولو حبواً أو زحفاً”.

فيه حث بليغ على الإتيان إليهما. وأن المؤمن إذا علم ما فيهما أتى إليهما على أي حال، فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الإتيان إلا عدم تصديقه بما فيهما (متفق عليه).

[رح5] ـــ وَعَنْهُ رضيَ الله عنه قالَ: أتَى النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رَجُلٌ أعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إنّهُ لَيْسَ لي قَائِدٌ يَقُودُني إلى المَسْجِدِ فَرَخّص لَهُ فَلَمّا وَلّى دَعَاهُ فَقَالَ: “هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: “فَأَجِبْ” رَوَاهُ مُسْلمٌ.

(وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: أتى النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجلٌ أعمى) قد وردت بتفسيره الرواية الأخرى وأنه ابن أم مكتوم (قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فرخص له) أي في عدم إتيان المسجد (فلما ولى دعاه فقال: “هل تسمع النداءَ) وفي رواية “الإقامة” (بالصلاة؟” قال: نعم قال: “فأجب” رواه مسلم).

كان الترخيص أولاً مطلقاً عن التقييد بسماعه النداء فرخص له ثم سأله هل تسمع النداء قال: نعم فأمره بالإجابة.

ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك عذراً له، وإذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور.

والحديث من أدلة الإيجاب للجماعة عيناً، لكن ينبغي أن يقيد الوجوب عيناً على سامع النداء لتقييد حديث الأعمى وحديث ابن عباس له، وما أطلق من الأحاديث يحمل على المقيد.

وإذا عرفت هذا فاعلم أن الدعوى وجوب الجماعة عيناً أو كفاية، والدليل هو الحديث الهمِّ بالتحريق وحديث الأعمى، وهما إنما دلاّ على وجوب حضور جماعته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في مسجده لسامع النداء وهو أخص من وجوب الجماعة، ولو كانت الجماعة واجبة مطلقاً لبين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذلك للأعمى ولقال له انظر من يصلي معك، ولقال في المتخلفين إنهم لا يحضرون جماعته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولا يجمعون في منازلهم. والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

فالأحاديث إنما دلت على وجوب حضور جماعته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عيناً على سامع النداء لا على وجوب مطلق الجماعة كفاية ولا عيناً.

وفيه أنه لا يرخص لسامع النداء عن الحضور وإن كان له عذر فإن هذا ذكر العذر وأنه لا يجد قائداً فلم يعذره إذن.

ويحتمل أن الترخيص له ثابت للعذر، ولكنه أمره بالإجابة ندباً لا وجوباً ليحرز الأجر في ذلك. والمشقة تغتفر بما يجده في قلبه من الروح في الحضور ويدل لكون الأمر للندب أي مع العذر قوله:

[رح6] ـــ وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فلم يأت فَلا صَلاةَ لَهُ إلا مِنْ عُذْرٍ” رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالدَّارَقُطْنيُّ وابْنُ حِبّانَ وَالحْاكِمُ وَإسْنَادُهُ عَلى شَرْطِ مُسْلمٍ لكنْ رَجّجَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ.

الحديث أخرج من طريق شعبة موقوفاً ومرفوعاً، والموقوف في زيادة “إلا من عذر” فإن الحاكم وقفه عند أكثر أصحاب شعبة.

وأخرج الطبراني في الكبير من حديث أبي موسى عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من سمع النداء فلم يجب من غير ضرر ولا عذر فلا صلاة له”، قال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة وسفيان الثوري وضعفه جماعة.

وقد أخرج حديث ابن عباس المذكور أبو داود بزيادة “قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى” بإسناد ضعيف.

والحديث دليل على تأكد الجماعة وهو حجة لمن يقول إنها فرض عين.

ومن يقول إنها سنة يؤول قوله: “فلا صلاة له” أي كاملة، وأنه نزَّل نفي الكمال منزلة نفي الذات مبالغة.

والأعذار في ترك الجماعة منها ما في حديث أبي داود. ومنها المطر والريح الباردة. ومن أكل كراثاً أو نحوه من ذوات الريح الكريهة فليس له أن يقرب المسجد؛ قيل: ويحتمل أن يكون النهي عنها لما يلزم من أكلها من تفويت الفريضة فيكون آكلها آثماً لما تسبب له من ترك الفريضة، ولكن لعل من يقول إنها فرض عين يقول تسقط بهذه الأعذار صلاتها في المسجد لا في البيت فيصليها جماعة.

[رح7] ـــ وَعَنْ يَزيدَ بنِ الأسْودِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنّهُ صَلى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا صلى رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا هُوَ برَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا فَدَعَا بِهِمَا، فجيءَ بهمَا تَرْعُدُ فَرَئِصُهُما فَقَالَ لَهُمَا: “مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيا مَعَنَا؟” قالَا: قَدْ صَلّينَا في رحَالِنَا، قالَ: “فلا تَفْعَلا إذَا صَلّيْتُما في رحَالِكُما ثمَّ أَدْرَكْتُما الإمامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ فإنها لَكُمَا نَافِلَة” رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاللّفْظُ لَهُ والثّلاثَةُ وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابنُ حِبّانَ.

(وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه) هو أبو جابر يزيد بن الأسود السُّوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد ويقال الخزاعي ويقال العامري روى عنه ابنه جابر وعداده في أهل الطائف وحديثه في الكوفيين (أنه صلى مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي فرغ من صلاته (إذا هو برجلين لم يصليا) أي معه (فدعا بهما فجيء بهما ترعد) بضم المهملة (فرائضهما) جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفيها أي ترجف من الخوف قاله في النهاية (فقال لهما: “ما منعكما أن تصليا معنا؟” قالا: قد صلينا في رحالنا) جمع رحل بفتح الراء وسكون المهملة هو المنزل ويطلق على غيره ولكن المراد هنا به المنزل (قال: “فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها) أي الصلاة مع الإمام بعد صلاتهما الفريضة (لكما نافلة”) والفريضة هي الأولى سواء صليت جماعة أو فرادى لإطلاق الخبر (رواه أحمد واللفظ له والثلاثة وصححه الترمذي وابن حبان) زاد المصنف في التلخيص: “والحاكم والدارقطني وصححه ابن السكن كلهم من طريق يعلي بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه”.

قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول، قال البيهقي: لأن يزيد بن الأسود ليس له راوٍ غير ابنه ولا لابنه جابر راوٍ غير يعلى. قلت: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره. انتهى”.

وهذا الحديث وقع في مسجد الخيف، في حُجَّة الوداع.

فدل على مشروعية الصلاة مع الإمام إذا وجده يصلي أو سيصلي بعد أن كان قد صلى جماعة أو فرادى، والأولى هي الفريضة والأخرى نافلة كما صرح به الحديث.

وظاهره أنه لا يحتاج إلى رفض الأول. وذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد وجماعة من الآل وهو قول الشافعي.

وذهب الهادي ومالك وهو قول الشافعي إلى أن الثانية هي الفريضة، لما أخرجه أبو داود من حديث يزيد بن عامر: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم إن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة”.

وأجيب بأنه حديث ضعيف ضعفه النووي وغيره، وقال البيهقي هو مخالف لحديث يزيد بن الأسود وهو أصح ورواه الدارقطني بلفظ: “وليجعل التي صلى في بيته نافلة” قال الدارقطني هذه رواية ضعيفة شاذة وعلى هذا القول لا بدّ من الرفض للأولى بعد دخوله في الثانية، وقيل بشرط فراغه من الثانية صحيحة.

وللشافعي قول ثالث أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء، لقول ابن عمر لمن سأله عن ذلك: “أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله تعالى يحتسب بأيهما شاء” أخرجه مالك في الموطأ.

وقد عورض حديث الباب بما أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عمر يرفعه “لا تصلوا صلاة في يوم مرتين”.

ويجاب عنه بأن المنهي عنه أن يصلي كذلك على أنهما فريضة لا على أن إحداهما نافلة، أو المراد لا يصليهما مرتين منفرداً.

ثم ظاهر حديث الباب عموم ذلك في الصلوات كلها وإليه ذهب الشافعي.

وقال أبو حنيفة: لا يعاد إلا الظهر والعشاء أما الصبح والعصر فلا. للنهي عن الصلاة بعدهما وأما المغرب فلأنها وتر النهار فلو أعادها صارت شفعاً.

وقال مالك: إذا كان صلاها في جماعة لم يعدها وإن كان صلاها منفرداً أعادها.

والحديث ظاهر في خلاف ما قاله أبو حنيفة ومالك بل في حديث يزيد بن الأسود أن ذلك كان في صلاة الصبح فيكون أظهر في ردّ ما قاله أبو حنيفة ويخص به عموم النهي عن الصلاة في الوقتين.

[رح8] ــــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنّما جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِه، فإذَا كَبّرَ فَكَبِّرُوا وَلا تُكَبِّرُوا حتى يُكبِّرَ، وإذَا رَكَعَ فَارْكَعوا وَلا تَرْكَعُوا حَتى يَرْكَعَ، وإذَا قالَ: سمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا وَلا تَسْجُدُوا حَتى يَسْجُدَ، وَإذا صَلى قائماً فَصلُّوا قِيَاماً، وَإذا صلى قاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً أَجْمعينَ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهذَا لَفْظُهُ وَأَصلُهُ في الصّحيحيْنِ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنما جُعِل الإمام ليؤتمَّ به فإذا كبّر) أي للإحرام أو مطلقاً فيشمل تكبير النقل (فكبروا ولا تكبروا حتى يكبِّر) زاده تأكيداً لما أفاده مفهوم الشرط كما في سائر الجمل الآتية: (وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع) أي حتى يأخذ من الركوع لا حتى يفرغ منه كما يتبادر من اللفظ (وإذا قال: سمع الله لمنْ حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد؛ وإذا سجد) أخذ في السجود (فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجدَ وإذا صلى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلى قاعداً) لعذر (فصلوا قُعُوداً أَجمعين”) هكذا بالنصب على الحال وهي رواية في البخاري وأكثر الروايات على “أجمعون” بالرفع تأكيداً لضمير الجمع (رواه أبو داود وهذا لفظه وأصله في الصحيحين).

إنما يفيد جعل الإمام مقصوراً على الاتصاف بكونه مؤتماً به لا يتجاوزه المؤتم إلى مخالفته.

والائتمام: الاقتداء والاتباع.

والحديث دل على أن شرعية الإمامة ليقتدى بالإمام، ومن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، وقد فصل الحديث ذلك بقوله فإذا كبر إلى آخره.

ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم على ما ذكر فمن خالفه في شيء مما ذكر فقد أثم ولا تفسد صلاته بذلك، إلا أنه إن خالف في تكبيرة الإحرام بتقديمها على تكبيرة الإمام فإنها لا تنعقد معه صلاته لأنه لم يجعله إماماً إذ الدخول بها بعده وهي عنوان الاقتداء به واتخاذه إماماً.

واستدل على عدم فساد الصلاة بمخالفته لإمامه لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم توعد من سابق الإمام في ركوعه أو سجوده بأن الله يجعل رأسه رأس حمار ولم يأمره بإعادة صلاته ولا قال فإنه لا صلاة له.

ثم الحديث لم يشترط المساواة في النية فدل أنها إذا اختلفت نية الإمام والمأموم كأن ينوي أحدهما فرضاً والآخر نفلاً أو ينوي هذا عصراً والآخر ظهراً أنها تصح الصلاة جماعة وإليه ذهبت الشافعية. ــــ ويأتي الكلام على ذلك في حديث جابر في صلاة معاذ ــــ.

وقوله: “إذا قال سمع الله لمن حمده” يدل أنه الذي يقوله الإمام ويقول المأموم: اللهم ربنا لك الحمد، وقد ورد بزيادة الواو وورد بحذف اللهم والكل جائز، والأرجح العمل بزيادة اللهم وزيادة الواو لأنهما يفيدان معنى زائداً.

وقد احتج بالحديث من يقول إنه لا يجمع الإمام والمؤتم بين التسميع والتحميد وهم الهادية والحنفية، قالوا: ويشرع للإمام والمنفرد التسميع وقد قدمنا هذا.

وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما الإمام والمنفرد ويقول المؤتم: سمع الله لمن حمده لحديث أبي هريرة أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يفعل ذلك، وظاهره منفرداً وإماماً فإن صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مؤتماً نادرة.

ويقال عليه فأين الدليل على أنه يشمل المؤتم فإن الذي في حديث أبي هريرة هذا أنه يحمد.

وذهب الإمام يحيى والثوري والأوزاعي إلى أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ويحمد المؤتم لمفهوم حديث الباب إذ يفهم من قوله: “فقولوا اللهم..” إلخ أنه لا يقول المؤتم إلا ذلك.

وذهب الشافعي إلى أنه يجمع بينهما المصلي مطلقاً مستدلاً بما أخرجه مسلم من حديث ابن أبي أوفى “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد”. الحديث قال: والظاهر عموم أحوال صلاته جماعة ومنفرداً وقد قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” ولا حجة في سائر الروايات على الاقتصار إذ عدم الذكر في اللفظ لا يدل على عدم الشرعية، فقوله إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده لا يدل على نفي قول المؤتم سمع الله لمن حمده، وحديث ابن أبي أوفى في حكايته لفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم زيادة وهي مقبولة، لأن القول غير معارض لها.

وقد روى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وابن سيرين وغيرهما فلم ينفرد به الشافعي ويكون قول سمع الله لمن حمده عند رفع رأسه وقوله ربنا لك الحمد عند انتصابه.

وقوله: “فصلوا قعوداً أجمعين” دليل أنه يجب متابعة الإمام في القعود لعذر وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام. وقد ورد تعليله بأنه فعل فارس والروم أي القيام مع قعود الإمام فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا” وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل وإسحق وغيرهما.

وذهبت الهادوية ومالك وغيرهم إلى أنها لا تصح متابعة القاعد لا قائماً ولا قاعداً لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا تختلفوا على إمامكم ولا تتابعوه في القعود” كذا في شرح القاضي ولم يسنده إلى كتاب ولا وجدت قوله: “ولا تتابعوه في القعود” في حديث فينظر.

وذهب الشافعي إلى أنها تصح صلاة القائم خلف القاعد ولا يتابعوه في القعود قالوا: لصلاة أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في مرض موته قياماً حين خرج وأبو بكر قد افتتح الصلاة فقعد عن يساره فكان ذلك ناسخاً لأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لهم بالجلوس في حديث أبي هريرة فإن ذلك كان في صلاته حين جحش وانفكت قدمه فكان هذا آخر الأمرين فتعين العمل به كذا قرره الشافعي.

وأجيب: بأن الأحاديث التي أمرهم فيها بالجلوس لم يختلف في صحتها ولا في سياقها. وأما صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في مرض موته، فقد اختلف فيها هل كان إماماً أو مأموماً، والاستدلال بصلاته في مرض موته لا يتم إلا على أنه كان إماماً:

ومنها أنه يحتمل أن الأمر بالجلوس للندب، وتقرير القيام قرينة على ذلك فيكون هذا جمعاً بين الروايتين خارجاً عن المذهبين جميعاً، لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود.

ومنها أنه قد ثبت فعل ذلك عن جماعة من الصحابة بعد وفاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنهم أمّوا قعوداً أيضاً منهم أسيد بن حضير وجابر وأفتى به أبو هريرة قال ابن المنذر: ولا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك.

وأما حديث “لا يؤمن أحدكم بعدي قاعداً قوماً قياماً” فإنه حديث ضعيف أخرجه البيهقي والدارقطني من حديث جابر الجعفي عن الشعبي عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. [تض]وجابر[/تض] ضعيف جداً وهو مع ذلك مرسل، قال الشافعي: قد علم من احتج به أنه لا حجة فيه لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه ــــ يعني جابراً الجعفي ــــ.

وذهب أحمد بن حنبل في الجمع بين الحديثين إلى أنه ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه، فإنهم يصلون خلفه قعوداً، وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موته، فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمرهم بالقعود لأنه ابتدأ إمامهم صلاته قائماً، ثم أمّهم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بقية الصلاة قاعداً، بخلاف صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بهم في مرضه الأول فإنه ابتدأ صلاته قاعداً فأمرهم بالقعود وهو جمع حسن.

[رح9] ــــ وَعَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْري رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى في أَصْحَابِهِ تَأَخُّراً فَقَالَ لهم: “تَقَدَّمُوا فَائْتَمُوا بي وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى في أصحابه تأخراً فقال لهم: “تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم” رواه مسلم) كأنهم تأخروا عن القرب والدنو منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وقوله: “ائتموا بي” أي اقتدوا بأفعالي وليقتد بكم من بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي.

والحديث دليل على أنه يجوز اتباع من خلف الإمام ممن لا يراه ولا يسمعه كأهل الصف الثاني يقتدون بالأول، وأهل الصف الثالث بالثاني ونحوه أو بمن يبلغ عنه.

وفي الحديث حث على الصف الأول وكراهة البعد عنه. وتمام الحديث “لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل”.

[رح10] ــــ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حُجْرَةً بخَصَفَةٍ فَصَلّى فيها فَتَتَبّعَ إلَيْهِ رجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ”، الحديث. وَفِيهِ: “أَفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلاَّ المَكْتُوبَةَ” مُتّفقٌ عَلَيْهِ.

(وعن زيد بن ثابت قال: احتجر) هو بالراء المنع أي اتخذ شيئاً كالحجارة من الخصف وهو الحصير ويروى بالزاي أي اتخذ حاجزاً بينه وبين غيره أي مانعاً (رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حجرة مخصفة فصلى فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته” الحديث وفيه “أَفضلُ صلاة المرءِ في بيته إلا المكتوبة” متفق عليه) وقد تقدم في شرح حديث جابر في باب صلاة التطوع.

وفيه دلالة على جواز فعل مثل ذلك في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين لأنه كان يفعله بالليل ويبسط بالنهار، وفي رواية مسلم “ولم يتخذه دائماً”.

وقوله “فتتبع” من التتبع الطلب والمعنى طلبوا موضعه واجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري “فثار إليه” وفي رواية له “فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة” هذا لفظه، وفي مسلم قريب منه.

والمصنف ساق الحديث في أبواب الإمامة لإفادة شرعية الجماعة في النافلة وقد تقدم معناه في التطوّع.

[رح11] ــــ وَعَنْ جَابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: صَلّى مُعَاذٌ بأَصْحَابه العشاءَ فطَوّلَ عَلَيْهَمْ فَقَال النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أتُريدُ يا مُعاذُ أَنْ تَكُونَ فَتّاناً؟ إذا أَممْتَ النّاسَ فَاقْرَأ بالشمس وَضُحَاهَا، وَسَبّحِ اسْم رَبِّكَ الأعْلى، وَاقْرَأ باسْم رَبِّكَ، وَالليّل إذا يغشى” مُتّفقٌ عَلَيْهِ واللّفظ لِمُسْلِمٍ.

والحديث في البخاري لفظ “أقبل رجلين بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذاً يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو النساء فانطلق الرجل” بعد أن قطع الاقتداء بمعاذ وأتم صلاته منفرداً، وعليه بوب البخاري بقوله: “إذا طول الإمام وكان للرجل أي المأموم حاجة فخرج” “وبلغه أن معاذاً نال منه” وقد جاء ما قاله معاذ مفسراً بلفظ “فبلغ ذلك معاذاً فقال إنه منافق” “فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا إليه معاذاً فقال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: يا معاذ أفتان أنت؟ أو أفاتن ــــ ثلاث مرات ــــ فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة” وله في البخاري ألفاظ غير هذه.

والمراد بفتان أي أتعذب أصحابك بالتطويل، وحمل ذلك على كراهة المأمومين للإطالة وإلا فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قرأ الأعراف في المغرب وغيرها. وكان مقدار قيامه في الظهر بالستين آية وقرأ بأقصر من ذلك. والحاصل أنه يختلف ذلك باختلاف الأوقات في الإمام والمأمومين.

والحديث دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل فإن معاذاً كان يصلي فريضة العشاء معه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم يذهب إلى أصحابه فيصليها بهم نفلاً. وقد أخرج عبد الرزاق والشافعي والطحاوي من حديث جابر بسند صحيح وفيه “هي له تطوع” وقد طول المصنف الكلام على الاستدلال بالحديث على ذلك في فتح الباري، وقد كتبنا فيه رسالة مستقلة جواب سؤال وأبَنّا فيها عدم نهوض الحديث على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل.

والحديث أفاد أنه يخفف الإمام في قراءته وصلاته وقد عين صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مقدار القراءة ويأتي حديث “إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف”.

[رح12] ــــ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهَا في قِصّةِ صَلاةِ رَسُول اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالنّاسِ وَهُوَ مَريضٌ قَالَتْ: “فَجَاءَ حتى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلي بالنّاس جَالِساً وَأَبُو بَكْرٍ قائماً، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بصَلاةِ النّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وَيَقْتَدي النّاس بصلاةِ أَبي بَكْرٍ” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعن عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالناس وهو مريض قالت: فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر) هكذا في رواية البخاري في “باب الرجل يأتم بالإمام” تعيين مكان جلوسه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وأنه عن يسار أبي بكر، وهذا هو مقام الإمام. ووقع في البخاري في “باب حد المريض أن يشهد الجماعة” بلفظ “جلس إلى جنبه” ولم يعين فيه محل جلوسه، لكن قال المصنف: إنه عين المحل في رواية بإسناد حسين “أنه عن يساره” قلت: حيث قد ثبت في الصحيح في بعض رواياته فهي تبين ما أجمل في أخرى، وبه يتضح أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إماماً (فكان) النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (يصلي بالناس جالساً وأبو بكر) يصلي (قائماً، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر” متفق عليه).

فيه دلالة على أنه يجوز وقوف الواحد عن يمين الإمام، وإن حضر معه غيره ويحتمل أنه صنع ذلك ليبلغ عنه أبو بكر، أو لكونه كان وإماماً أول الصلاة أو لكون الصف قد ضاق، أو لغير ذلك من المحتملات، ومع عدم الدليل على أنه فعل لواحد منها فالظاهر الجواز على الإطلاق.

وقولها: “يقتدي أبو بكر” يحتمل أن يكون ذلك الاقتداء على جهة الائتمام فيكون أبو بكر إماماً ومأموماً ويحتمل أن يكون أبو بكر إنما كان مبلغاً وليس بإمام.

واعلم أنه قد وقع الاختلاف في حديث عائشة وفي غيره هل كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إماماً أو مأموماً ووردت الروايات بما يفيد هذا وما يفيد هذا، لكنا قدمنا ظهور أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان الإمام، فمن العلماء من ذهب إلى الترجيح بين الروايات فرجح أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان الإمام لوجوه من الترجيح مستوفاة في فتح الباري. وفي الشرح بعض من ذلك. وتقدم في شرح الحديث التاسع بعض وجوه ترجيح خلافه.

ومن العلماء من قال بتعدد القصة وأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى تارة إماماً وتارة مأموماً في مرض موته.

هذا: وقد استدل بحديث عائشة هذا وقولها: “يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر” أن أبا بكر كان مأموماً إماماً: وقد بوب البخاري على هذا فقال: “باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم”.

قال ابن بطال: هذا يوافق قول مسروق والشعبي: أن الصفوف يؤم بعضها بعضاً خلافاً للجمهور.

قال المصنف: قال الشعبي فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة أنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك لأن بعضهم لبعض أئمة.

فهذا يدل أنه يرى أنهم متحملون عن بعضهم بعضاً ما يتحمله الإمام. ويؤيد ما ذهب إليه قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم” وقد تقدم.

وفي رواية مسلم “أن أبا بكر كان يسمعهم التكبير” دليل على أنه يجوز رفع الصوت بالتكبير لاسماع المأمومين فيتبعونه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبر، وهذا مذهب الجمهور وفيه خلاف للمالكية.

قال القاضي عياض عن مذهبهم: إن منهم من يبطل صلاة المقتدي ومنهم من لا يبطلها ومنهم من قال إن أذن له بالإسماع صح الاقتداء به وإلا فلا، ولهم تفاصيل غير هذه ليس عليها دليل، وكأنهم يقولون في هذا الحديث إن أبا بكر كان هو الإمام ولا كلام أنه يرفع صوته لإعلام من خلفه.

[رح13] ــــ وَعَنْ أبي هُرَيْرةَ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَال: “إذا أمَّ أَحَدُكُمْ النّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فإنَّ فيهمُ الصَّغيرَ وَالْكبيرَ والضَّعِيفَ وَذا الْحاجَةِ، فإذا صَلّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ” مُتّفقٌ عَلَيْهِ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذا أمَّ أَحدكم النّاس فليخفف فإن فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف وذا الحاجة) وهؤلاء يريدون التخفيف فيلاحظهم الإمام (فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء” متفق عليه) مخففاً ومطولاً.

وفيه دليل على جواز تطويل المنفرد للصلاة في جميع أركانها ولو خشي خروج الوقت، وصححه بعض الشافعية، ولكنه معارض بحديث أبي قتادة “إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى” أخرجه مسلم فإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى”.

ويحتمل أنه إنما يريد بالمؤخر حتى يخرج الوقت من لم يدخل في الصلاة أصلاً حتى خرج، وأما من خرج وهو في الصلاة فلا يصدق عليه ذلك.

[رح14] ــــ وَعَنْ عَمْرو بْنِ سَلِمَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ أبي: جِئْتُكُمْ ــــ والله ــــ مِنْ عِنْد النّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حَقّاً فقال: “فَإذا حَضَرَتِ الصّلاةُ فَلْيُؤذِّنْ أَحَدُكُمْ وليؤمكم أَكثرُكُم قُرآناً” قَال: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَر قُرْآناً مِنِّي فَقَدَّمُوني بين أيديهم وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْع سِنِينَ، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ وَأَبو دَاوُدَ وَالنّسَائيُّ.

(وعن عمرو بن سلمة) بكسر اللام هو أبو يزيد من الزيادة كما قاله البخاري وغيره، وقال مسلم وآخرون: بُريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية فدال مهملة هو: عمرو بن سلمة الجرمي بالجيم والراء مخفف قال ابن عبد البر: عمرو بن سلمة أدرك زمن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وكان يؤم قومه على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، لأنه كان أقرأهم للقرآن، وقيل إنه، قدم على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مع أبيه، ولم يختلف في قدوم أبيه نزل عمرو البصرة وروى عنه أبو قلابة وعامر الأحول وأبو الزبير المكي (قال: قال أبي) أي سلمة بن نُفَيْع بضم النون أو ابن لأيْ بفتح اللام وسكون الهمزة على الخلاف في اسمه (جئتكم من عند النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حقاً) نصب على صفة المصدر المحذوف أي نبوة حقاً أو أنه مصدر مؤكد للجملة المتضمنة إذ هو في قوة هو رسول الله حقاً فهو مصدر مؤكد لغيره (قال: “إذا حضرت الصلاة فليؤذن أَحدكم وليؤمكمْ أَكثركم قرآناً” قال: أي عمرو بن سلمة (فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً) وقد ورد بيان سبب أكثرية قرآنيته أنه كان يتلقى الركبان الذين كانوا يفدون إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ويمرون بعمرو وأهله فكان يتلقى منهم ما يقرأونه وذلك قبل إسلام أبيه وقومه (فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري وأبو داود والنسائي).

وفيه دلالة على أن الأحق بالإمامة الأكثر قرآناً ويأتي الحديث بذلك قريباً.

وفيه أن الإمامة أفضل من الأذان لأنه لم يشترط في المؤذن شرطاً.

وتقديمه وهو ابن سبع سنين دليل لما قاله الحسن البصري والشافعي وإسحاق من أنه لا كراهة في إمامة المميز.

وكرهها مالك والثوري.

وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان والمشهور عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض.

وقال بعدم صحتها الهادي والناصر وغيرهما قياساً على المجنون قالوا: ولا حجة في قصة عمرو هذه لأنه لم يرو أن ذلك كان من أمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولا تقريره.

وأجيب بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي ولا يقرر فيه على فعل ما لا يجوز، سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نبه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالوحي على القذى الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك، وقد استدل أبو سعيد وجابر بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل.

والوفد الذين قدّموا عمراً كانوا جماعة من الصحابة قال ابن حزم: ولا نعلم لهم مخالفاً في ذلك، واحتمال أنه أمهم في نافلة يبعده سياق القصة فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم علمهم الأوقات للفرائض ثم قال لهم: “إنه يؤمكم أكثركم قرآناً” وقد أخرج أبو داود في سننه قال عمرو: “فما شهدت مشهداً في جرم ــــ اسم قبيلة ــــ إلا كنت إمامهم” وهذا يعم الفرائض والنوافل.

قلت: يحتاج من ادّعى التفرقة بين الفرض والنفل وأنه تصح إمامة الصبي في هذا دون ذلك إلى دليل.

ثم الحديث فيه دليل على القول بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل كذا في الشرح وفيه تأمل.

[رح15] ــــ وَعَنْ أبن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يَؤُمُّ القْوَمْ أَقْرَؤهُمْ لِكِتابِ الله تعالى، فإنْ كَانُوا في الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بالسّنّةِ، فَإنْ كَانُوا في السُنّةِ سَواءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فإنْ كَانُوا في الهجرة سَوَاءً فأَقْدَمُهُمْ سِلْماً ــــ وَفي روَاية سِنّاً ــــ ولا يَؤُمّنّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِهِ، ولا يَقْعُدُ في بَيْتِهِ عَلى تَكْرمَتِهِ إلّا بإذْنِهِ” رَوَاهُ مُسْلمٌ.

(وعن أبن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “يؤمُّ القوم أَقرؤهم لكتاب الله تعالى) الظاهر أن المراد أكثرهم له حفظاً وقيل أعلمهم بأحكامه والحديث الأول يناسب القول الأول (فإن كانوا في القراءَة سواءً فأَعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواءً فأَقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأَقدمهم سِلْماً) أي إسلاماً، وفي رواية “سناً” عوضاً عن سلماً (ولا يؤمن الرجلُ الرجل في سلطانهِ، ولا يقعد في بيته على تكرمته) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء: الفراش ونَحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به (إلا بإذنه” رواه مسلم).

الحديث دليل على تقديم الأقرأ على الأفقه وهومذهب أبي حنيفة وأحمد.

وذهب الهادوية إلى أنه يقدم الأفقه على الأقرأ لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض له في الصلاة أمور لا يقدر على مراعاتها إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أبا بكر على غيره مع قوله: “أقرؤكم أبيّ”، قالوا: والحديث خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن الأقرأ هو الأفقه وقد قال[اث] ابن مسعود[/اث]: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف حكمها وأمرها ونهيها.

ولا يخفى أنه يبعد هذا قوله: “فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة” فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً، والأقرأ على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة فلو أريد به ذلك لكان القسمان قسماً واحداً.

وقوله: “فأقدمهم هجرة” هو شامل لمن تقدم هجرة سواء ما كان في زمنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أو بعده كمن يهاجر في دار الكفار إلى دار الإسلام. وأما حديث “لا هجرة بعد الفتح” فالمراد من مكة إلى المدينة لأنهما جميعاً صارا دار إسلام ولعله يقال: وأولاد المهاجرين لهم حكم آبائهم في التقديم.

وقوله “سلماً” أي من تقدم إسلامه يقدم على من تأخر.

وكذا رواية “سناً” أي الأكبر في السن وقد ثبت في حديث مالك بن الحويرث “ليؤمكم أكبركم”.

ومن الذين يستحقون التقديم قريش لحديث “قدموا قريشاً”: قال الحافظ المصنف: إنه قد جمع طرقه في جزء كبير.

ومنهم الأحسن وجهاً لحديث ورد به وفيه راو ضعيف.

وأما قوله: “ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه” فهو نهي عن تقديم غير السلطان عليه والمراد ذو الولاية سواء كان السلطان الأعظم أو نائبه وظاهره وإن كان غيره أكثر قرآناً وفقهاً فيكون هذا خاصاً، وأول الحديث عام، ويلحق بالسلطان صاحب البيت لأنه ورد في صاحب البيت بخصوصه بأنه الأحق. أخرج الطبراني من حديث ابن مسعود: “لقد علمت أن من السنة أن يتقدم صاحب البيت”. قال المصنف: رجاله ثقات.

وأما إمام المسجد فإن كان عن ولاية من السلطان أو عامله فهو داخل في حكم السلطان وإن كان باتفاق من أهل المسجد فيحتمل أنه يصير بذلك أحق وأنها ولاية خاصة، وكذلك النهي عن القعود مما يختص به السلطان في منزله أو الرجل من فراش وسرير ونحوه ولا يقعد فيه أحد إلا بإذنه، ونحوه قوله:

[رح16] ــــ وَلابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَديثِ جَابِرٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ “وَلا تَؤُمّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلا أَعْرَابيٌّ مُهَاجراً، وَلَا فَاجِرٌ مؤْمِناً” وإسْنَادُهُ وَاهٍ.

(ولابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه “ولا تؤمنَّ امرأة رجلا، ولا أعرابيٌّ مهاجراً، ولا فاجرٌ مؤمناً” وإسناده واه).

فيه عبد الله بن محمد العدوي عن علي بن زيد بن جدعان، والعدوي، اتهمه وكيع بوضع الحديث، وشيخه ضعيف، وله طرق أخرى فيها عبد الملك ابن حبيب، وهو متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد.

وهو يدل على أن المرأة لا تؤم الرجل وهو مذهب الهادوية والحنفية والشافعية وغيرهم.

وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة.

وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، وحجتهم حديث أمِّ ورقة وسيأتي ويحملون هذا النهي على التنزيه أو يقولون الحديث ضعيف.

ويدل أيضاً على أنه لا يؤم الأعرابي مهاجراً ولعله محمول على الكراهة إذ كان في صدر الإسلام.

ويدل أيضاً على أنه لا يؤم الفاجر وهو المنبعث في المعاصي مؤمناً، وإلى هذا ذهبت الهادوية فاشترطوا عدالة من يصلي خلفه، وقالوا: لا تصح إمامة الفاسق.

وذهبت الشافعية والحنفية إلى صحة إمامته مستدلين بما يأتي من حديث ابن عمر وغيره، وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل برّ وفاجر إلا أنها كلها ضعيفة وقد عارضها حديث: “لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه”. ونحوه، وهي أيضاً ضعيفة، قالوا: فلما ضعفت الأحاديث من الجانبين رجعنا إلى، الأصل وهي أن من صحت صلاته صحت إمامته.

وأيّد ذلك فعل الصحابة فإنه أخرج البخاري في التاريخ عن عبد الكريم أنه قال: “أدركت عشرة من أصحاب محمد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلون خلف أئمة الجور”.

ويؤيده أيضاً حديث مسلم: “وكيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة”. فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لأنهم أخرجوها عن وقتها،وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأموراً بصلاتها خلفهم فريضة.

[رح17] ــــ وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَاربُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بالأعْنَاقِ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسائيُّ وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّان.

(وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “رصُّوا) أي في صلاة الجماعة بضم الراء والصاد المهملة من رص البناء (صُفوفكمُ) بانضمام بعضكم إلى بعض (وقاربوا بينها) أي بين الصفوف (وحاذوا) أي يساوي بعضكم بعضاً في الصف (بالأعناق” رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) تمام الحديث من سنن أبي داود “فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل في خلل الصف كأنها الحذف” بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة هي صغار الغنم.

وأخرج الشيخان وأبو داود من حديث النعمان بن بشير قال: أقبل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الناس بوجهه فقال: “أقيموا صفوفكم ثلاثاً والله لتقيمنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم” قال فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه” وأخرج[اث] أبو داود[/اث] عنه أيضاً قال: “كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسوّينا في الصفوف كما يقوّم القداح حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا: أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره فقال: “لتسونّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم” وأخرج أيضاً من حديث [اث]البراء بن عازب[/اث] رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: “لا تختلفوا فتختلف قلوبكم”.

وهذه الأحاديث والوعيد الذي فيها دالة على وجوب ذلك وهو مما تساهل فيه الناس، كما تساهلوا فيما يفيده حديث أنس عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر” أخرجه أبو داود؛ فإنك ترى الناس في المسجد يقومون للجماعة وهم لا يملؤن الصف الأول لو قاموا فيه فإذا أقيمت الصلاة يتفرقون صفوفاً على اثنين وعلى ثلاثة ونحوه. وأخرج أبو داود من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف”.

وورد في سدّ الفُرج في الصفوف أحاديث. كحديث ابن عمر “ما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها الرجل في فرجة في الصف فسدّها” أخرجه الطبراني في الأوسط، وأخرج أيضاً فيه من حديث عائشة قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من سدّ فرجة في صف رفعه الله بها درجة وبنى له بيتاً في الجنة” قال الهيثمي: فيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وثقه ابن حبان وأخرج البزار من حديث أبي جحيفة عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “من سد فرجة في الصف غفر له” قال الهيثمي: إسناده حسن ويغني عنه “رصوا صفوفكم” الحديث، إذ الفرج إنما تكون من عدم رصهم الصفوف.

[رح18] ــــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أَوْلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفوفِ النِّساء آخِرُها وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا” رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: خير صفوف الرجال أَوَّلها) أي أكثرها أجراً وهو الصف الذي يصلي الملائكة على من صلى فيه كما يأتي (وشرُّها آخرها) أقلها أجراً (وخير صفوف النساء آخرها وشرُّها أوَّلها” رواه مسلم) ورواه أيضاً البزار والطبراني في الكبير والأوسط.

والأحاديث في فضائل الصف الأول واسعة. أخرج أحمد ــــ قال الهيثمي: رجاله موثقون ــــ والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول” قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: “وعلى الثاني”. وأخرج أحمد والبزار ــــ قال[اث] الهيثمي[/اث]: برجال ثقات ــــ من حديث[اث] النعمان بن بشير[/اث] قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم استغفر للصف الأول ثلاثاً، وللثاني مرتين، وللثالث مرة”. قال الهيثمي: فيه[تض] أيوب بن عتبة[/تض] ضعف من قبل حفظه.

ثم قد ورد في ميمنة الصف الأول ومسامتة الإمام وأفضليته على الأيسر أحاديث، فأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي بردة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إن استطعت أن تكون خلف الإمام وإلا فعن يمينه” قال الهيثمي: فيه من لم أجد له ذكراً. وأخرج أيضاً في الأوسط والكبير من حديث[اث] ابن عباس[/اث]: “عليكم بالصف الأول وعليكم بالميمنة وإياكم والصف بين السواري” قال الهيثمي: فيه[تض] إسماعيل بن مسلم[/تض] المكي ضعيف.

واعلم أن الأحق بالصف الأول أولو الأحلام والنّهى، فقد أخرج البزار من حديث عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ليليني منكم أهل الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم” قال الهيثمي: فيه عاصم [تض]ابن عبيد الله العمري[/تض] والأكثر على تضعيفه واختلف في الاحتجاج به: وأخرجه مسلم والأربعة من حديث ابن مسعود بزيادة “ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق”.

وفي الباب أحاديث غيره.

وفي حديث الباب دلالة على جواز اصطفاف النساء صفوفاً، وظاهره سواء كانت صلاتهن مع الرجال أو مع النساء، وقد علل خيرية آخر صفوفهن بأنهن عند ذلك يبعدن عن الرجال وعن رؤيتهم وسماع كلامهم إلا أنها علة لا تتم إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال، وإما إذا صلين وإمامتهن امرأة فصفوفهن كصفوف الرجال أفضلها أولها.

[رح19] ــــ وعنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: “صَلّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذَاتَ لَيْلةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بِرأسي مِنْ وَرائي فَجعَلَني عَنْ يمينِهِ” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صليت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذات ليلة) هي ليلة مبيته عنده المعروفة (فقمت عن يساره فأخذ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم برأسي من ورائي فجعلني عن يمينه. متفق عليه).

دل على صحة صلاة المتنفل بالمتنفل، وعلى أن موقف الواحد مع الإمام عن يمينه، بدليل الإدارة، إذ لو كان اليسار موقفاً له لما أداره في الصلاة.

وإلى هذا ذهب الجماهير، وخالف النخعي فقال: إذا كان الإمام وواحد، قام الواحد خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه، أخرجه سعيد بن منصور، ووجه بأن الإمامة مظنة الاجتماع فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك.

قيل: ويدل على صحة صلاة من قام عن يسار الإمام لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمر ابن عباس بالإعادة، وفيه أنه يجوز أنه لم يأمره لأنه معذور بجهله، أو بأنه ما كان قد أحرم بالصلاة.

ثم قوله: “فجعلني عن يمينه” ظاهر في أنه قام مساوياً له، وفي بعض ألفاظه “فقمت إلى جنبه”.

وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يستحب أن يقف المأموم دونه قليلاً. إلا أنه قد أخرج ابن جريج قال: قلنا لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شقه، قلت: أيحاذيه حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم: قلت: بحيث أن لا يبعد حتى يكون بينهما فرجه، قال: نعم. ومثله في الموطأ عن عمر من حديث ابن مسعود أنه صف معه فقربه حتى جعله حذاءه عن يمينه.

[رح20] ــــ وعنْ أنسٍ رضيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: صَلّى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَقُمْتُ وَيَتَيِمٌ خَلْفَهُ وَأُمُّ سُليْمٍ خَلْفَنا” مُتّفَقٌ عَلَيه وَاللّفْظُ لِلْبُخَاريِّ.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: صلى رسول صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقمت ويتيم خلفه) فيه العطف على المرفوع المتصل من دون تأكيد ولا فصل وهو صحيح على مذهب الكوفيين، واسم اليتيم ضميره وهو جدّ حسين ابن عبد الله بن ضميرة (وأمّ سليم) هي أمّ أنس واسمها مليكة مصغراً (خلفنا) متفق عليه واللفظ للبخاري).

دل الحديث على صحة الجماعة في النفل.

وعلى صحة الصلاة للتعليم والتبرك كما تدل عليه القصة.

وعلى أن مقام الاثنين خلف الإمام.

وعلى أن الصغير يعتد بوقوفه ويسد الجناح وهو الظاهر من لفظ اليتيم إذ لا يتم بعد الاحتلام.

وعلى أن المرأة لا تصف مع الرجال وأنها تنفرد في الصف، وإن عدم امرأة تنضم إليها عذر في ذلك، فإن انضمت المرأة مع الرجل أجزأت صلاتها لأنه ليس في الحديث إلا تقريرها على التأخر وأنه موقفها، وليس فيه دلالة على فساد صلاتها لو صلت في غيره.

وعند الهادوية أنها تفسد عليها وعلى من خلفها وعلى من في صفها إن علموا.

وذهب أبو حنيفة إلى فساد صلاة الرجل دون المرأة ولا دليل على الفساد في الصورتين.

[رح21] ــــ وَعَنْ أَبي بِكَرَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ انْتَهى إلى النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وَهُوَ رَاكعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ، فذكر ذلك للنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: “زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ” رَوَاهُ البُخَاريُّ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ “فَرَكَعَ دُون الصَّفِّ ثُمَّ مَشى إلى الصَّفِّ”.

(وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: “زادك الله حرْصاً) أي على طلب الخير (ولا تعد”) بفتح المثناة الفوقية من العود (رواه البخاري وزاد أبو داود في “فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف”).

الحديث يدل على أن من وجد الإمام راكعاً فلا يدخل في الصلاة حتى يصل الصف لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “ولا تعد”.

وقيل: بل يدل على أنه يصح منه ذلك لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمره بالإعادة لصلاته، فدل على صحتها، قلت: لعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمره لأنه كان جاهلاً للحكم والجهل عذر.

وروى الطبراني في الأوسط من رواية عطاء عن ابن الزبير ــــ قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ــــ أنه قال: “إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة”. قال عطاء: قد رأيته يصنع ذلك. قال ابن جريج: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك.

قلت: وكأنه مبني على أن لفظ “ولا تُعِدْ” بضم المثناة الفوقية من الإعادة أي زادك الله حرصاً على طلب الخير ولا تعد صلاتك فإنها صحيحة.

وروى بسكون العين المهملة من العدو وتؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة بلفظ: أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف فلما قضى الصلاة قال: من الساعي آنفاً؟ قال أبو بكرة: فقلت: أنا، قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “زادك الله حرصاً ولا تَعْد”.

والأقرب رواية أن “لا تَعُد” من العود أي لا تعد ساعياً إلى الدخول قبل وصولك الصف فإنه ليس في الكلام ما يشعر بفساد صلاته حتى يفتيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأنه لا يعيدها بل قوله زادك الله حرصاً يشعر بإجزائها. أو “لا تعْدُ” من العدو.

[رح22] ــــ وَعَنْ وَابِصَة بْنِ مِعْبَدٍ الجُهنِيِّ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رَأَى رَجُلاً يُصَلي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ” رَوَاهُ أَحمدُ وَأَبُو دَاوَدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسّنَه وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ.

(وعن وابِصَة) بفتح الواو وكسر الموحدة فصاد مهملة وهو أبو قرصافة بكسر القاف وسكون الراء فصاد مهملة وبعد الألف فاء (ابن مِعْبد رضي الله عنه) بكسر الميم وسكون العين المهملة فدال مهملة وهو ابن مالك من بني أسد بن خزيمة الأنصاري الأسدي نزل وابصة الكوفة ثم تحول إلى الحيرة ومات بالرقة (أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وصححه ابن حبان).

فيه دلالة على بطلان صلاة من صلى خلف الصف وحده، وقد قال ببطلانها النخعي وأحمد.

وكان الشافعي يضعف هذا الحديث ويقول: لو ثبت هذا الحديث لقلت به، قال البيهقي: الاختيار أن يتوقى ذلك لثبوت الخبر المذكور.

ومن قال بعدم بطلانها استدل بحديث أبي بكرة وأنه لم يأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالإعادة، مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف منفرداً، قالوا: فيحمل الأمر بالإعادة ههنا على الندب.

قيل: والأولى أن يحمل حديث أبي بكرة على العذر وهو خشية الفوات مع انضمامه بقدر الإمكان، وهذا لغير عذر في جميع الصلاة.

“قلت”: وأحسن منه أن يقال هذا لا يعارض حديث أبي بكرة بل يوافقه وإنما لم يأمر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أبا بكرة بالإعادة لأنه كان معذوراً بجهله ويحمل أمره بالإعادة لمن صلى خلف الصف بأنه كان عالماً بالحكم ويدل على البطلان أيضاً ما تضمنه قوله:

[رح23] ــــ وَلَهُ عَنْ طَلْقٍ بن عليِّ رَضي اللَّهُ عَنْهُ: “لا صَلاةَ لِمنُفَردٍ خَلْفَ الصَّفِّ” وَزَادَ الطّبَرَانَيُّ في حديثٍ وابصةَ رَضي اللَّهُ عَنْهُ “أَلا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أو اجتْرَرَتَ رَجُلا”.

(وله) أي لابن حبان (عن طلق بن علي رضي الله عنه) الذي سلف ذكره (“لا صلاة لمنفرد خلف الصَّفِّ”) فإن النفي ظاهر في نفي الصحة (وزاد الطبراني في حديث وابصة “ألا دخلت) أيها المصلي منفرداً عن الصف (معَهُمْ) أي في الصف (أو اجْتررت رجُلا) أي من الصف فينضم إليك وتمام حديث الطبراني “إن ضاق بك المكان أعد صلاتك فإنه لا صلاة لك” وهو في مجمع الزوائد من رواية ابن عباس “إذا انتهى أحدكم إلى الصف وقد تم فليجذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه” وقال: رواه الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا بهذا الإسناد، وفيه[تض] “السري بن إبراهيم”[/تض] وهو ضعيف جداً؛ ويظهر من كلام مجمع الزوائد أن في حديث وابصة؛ السري بن إسماعيل وهو ضعيف، والشارح ذكر أن السري في رواية الطبراني التي فيها الزيادة إلا أنه قد أخرج أبو داود في المراسيل من رواية مقاتل بن حيان مرفوعاً “إذا جاء أحدكم فلم يجد موضعاً فليختلج إليه رجلاً من الصف فليقم معه فما أعظم أجر المختلج” وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر الآتي وقد تمت الصفوف بأن يجتذب إليه رجلاً يقيمه إلى جنبه”، وإسناده واه.

[رح24]ــــ وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “إذَا سَمِعْتُمْ الإقامة فَامْشُوا إلى الصلاة وَعليكُم السّكينةُ والوقَارُ وَلا تُسْرعُوا فَما أَدْركْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكمْ فَأتمُّوا”. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللفْظ للْبُخاريِّ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا سمعتم الإقامة) أي للصلاة (فامشوا إلى الصَّلاة وعليكم السكينة) قال النووي: السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث (والوقار) في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت وعدم الالتفات، وقيل معناهما واحد وذكر الثاني تأكيداً وقد نبه في رواية مسلم على الحكمة في شرعية هذا الأدب بقوله في آخر حديث أبي هريرة هذا “فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فإنه في صلاة” أي فإنه في حكم المصلي، فينبغي اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي له اجتنابه (ولا تسرعوا فما أدركْتُم) من الصلاة مع الإمام (فصلوا وما فاتكم فأتموا” متفق عليه واللفظ للبخاري).

فيه الأمر بالوقار وعدم الإسراع في الإتيان إلى الصلاة، وذلك لتكثير الخطأ فينال فضيلة ذلك فقد ثبت عند مسلم من حديث جابر “إن بكل خطوة يخطوها إلى الصلاة درجة” وعند أبي داود مرفوعاً “إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة فليقرب أحدكم أو ليبعد فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن جاء وقد صلوا بعضاً وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك”.

وقوله “فما أدركتم فصلوا” جواب شرط محذوف أي: إذا فعلتم ما أمرتم به من ترك الإسراع ونحوه فما أدركتم فصلوا.

وفيه دلالة على أن فضيلة الجماعة يدركها ولو دخل مع الإمام في أي جزء من أجزاء الصلاة ولو دون ركعة وهو قول الجمهور.

وذهب آخرون إلى أنه لا يصير مدركاً لها إلا بإدراك ركعة لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها” وسيأتي في الجمعة اشتراط إدراك ركعة ويقاس عليها غيرها.

وأجيب بأن ذلك في الأوقات لا في الجماعة وبأن الجمعة مخصوصة فلا يقاس عليها.

واستدل بحديث الباب على صحة الدخول مع الإمام في أي حالة أدركه عليها، وقد أخرج ابن أبي شيبة مرفوعاً “من وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها”.

قلت: وليس فيه دلالة على اعتداده بما أدركه مع الإمام، ولا على إحرامه في أي حالة أدركه عليها، بل فيه الأمر بالكون معه، وقد أخرج الطبراني في الكبير برجال موثقين ــــ كما قال الهيثمي ــــ عن علي وابن مسعود قالا: “من لم يدرك الركعة فلا يعتد بالسجدة” وأخرج أيضاً في الكبير ــــ قال الهيثمي أيضاً برجال موثقين ــــ من حديث زيد بن وهب قال: دخلت أنا وابن مسعود المسجد والإمام راكع فركعنا، ثم مشينا حتى استوينا بالصف فلما فرغ الإمام قمت أقضي فقال: قد أدركته.

وهذه آثار موقوفة، وفي الآخر دليل ــــ أي مأنوس ــــ بما ذهب، وهو أحد احتمالات حديث أبي بكرة وإلا فإنها آثار موقوفة ليست بأدلة على ما ذهب إليه ابن الزبير وقد تقدم.

وورد في بعض الروايات حديث الباب بلفظ “فاقضوا” عوض “أتموا” والقضاء يطلق على أداء الشيء فهو في معنى “أتموا” فلا مغايرة.

ثم قد اختلف العلماء فيما يدركه اللاحق مع إمامه هل هي أول صلاته أو آخرها؟ والحق أنها أولها وقد حققناه في حواشي ضوء النهار.

واختلف فيما إذا أدرك الإمام راكعاً فركع معه هل تسقط قراءة تلك الركعة عند من أوجب الفاتحة فيعتد بها أو لا تسقط فلا يعتد بها؟ قيل: يعتد بها لأنه قد أدرك الإمام قبل أن يقيم صلبه، وقيل: لا يعتد بها لأنه فاتته الفاتحة وقد بسطنا القول في ذلك في مسألة مستقلة وترجح عندنا الإجزاء.. ومن أدلته حديث أبي بكرة حيث ركع وهم ركوع، ثم أقره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ذلك وإنما نهاه عن العودة إلى الدخول قبل الانتهاء إلى الصف كما عرفت.

[رح25] ــــ وَعَنْ أَبيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صَلاةُ الرّجلِ مَعَ الرّجلِ أَزْكى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصلاتُهُ مَعَ الرّجُلَيْنِ أَزْكَى منْ صلاتهِ مَعَ الرّجُلِ، وَمَا كانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلى الله عَزَّ وَجَلّ” رَواهُ أَبُو داود والنسائي وصححهُ ابنُ حبان.

(وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلاة الرَّجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) أي أكثر أجراً من صلاته منفرداً (وصلاتهُ مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحبُّ إلى الله عزَّ وجلَّ” رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) وأخرجه ابن ماجه، وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم، وذكر الاختلاف فيه، وأخرجه البزار والطبراني بلفظ “صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة مائة تترى”.

وفيه دلالة على أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، ويوافقه ما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي موسى “اثنان فما فوقهما جماعة” ورواه البيهقي أيضاً من حديث أنس وفيهما ضعف.

وبوَّب البخاري “باب اثنان فما فوقهما جماعة” واستدل بحديث مالك ابن الحويرث “إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما”. وقد روى أحمد من حديث أبي سعيد: أنه دخل المسجد رجل وقد صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأصحابه الظهر فقال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ما حبسك يا فلان عن الصلاة”؟ فذكر شيئاً اعتل به؛ قال: فقام يصلي، فقال رسول اللهصَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟” فقام رجل معه. قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

[رح26] ــــ وَعَنْ أُمِّ وَرَقَة رضي اللَّهُ عَنْها “أَنّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَمَرَهَا أنْ تَؤُمَّ أهْل دارها” روَاهُ أبو داود وَصَحّحه ابْنُ خُزَيْمة.

(وعن أم ورقة رضي الله عنها) بفتح الواو والراء والقاف هي أم ورقة بنت نوفل الأنصارية، وقيل بنت عبد الله بن الحرث بن عويمر كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يزورها ويسميها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكانت تؤم أهل دارها، ولما غزا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بدراً قالت: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك ــــ الحديث ــــ وأمرها أن تؤم أهل دارها وجعل لها مؤذناً يؤذن، وكان لها غلام وجارية فدبرتهما، وفي الحديث أن الغلام والجارية قاما إليها في الليل بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا فأصبح عمر فقام في الناس فقال: من عنده من علم هذين أو من رآهما فليجيء بهما فوجدا فأمر بهما فصلبهما وكانا أول مصلوب بالمدينة (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة).

والحديث دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها، وإن كان فيهم الرجل، فإنه كان لها مؤذن وكان شيخاً كما في الرواية، والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها وجاريتها، وذهب إلى صحة ذلك أبو ثور والمزني والطبري.

وخالف في ذلك الجماهير.

وأما إمامة الرجل النساء فقط فقد روى عبد الله بن أحمد من حديث أبي بن كعب: أنه جاء إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملاً قال: “ما هو؟” قال: نسوة معي في الدار، قلن إنك تقرأ ولا نقرأ فصلّ بنا، فصليت ثمانياً والوتر، فسكت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: فرأينا أن سكوته رضا”. قال الهيثمي: في إسناده من لم يُسَمَّ قال: ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

[رح27] ــــ وعنْ أَنَسٍ رضيَ الله عنهُ “أَنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم اسْتَخْلف ابْنَ أُمِّ مَكْتوم يؤُمُّ النّاس وهُوَ أَعْمَى” رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو داوُدَ.

(وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم استخلف ابن أمّ مكتوم) وتقدم اسمه في الأذان (يؤمّ الناس وهو أعمى. رواه أحمد وأبو داود) في رواية لأبي داود أنه استخلفه مرتين وهو في الأوسط للطبراني من حديث عائشة: استخلف النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ابن أمّ مكتوم على المدينة مرتين يؤمّ الناس.

والمراد استخلافه في الصلاة وغيرها، وقد أخرجه الطبراني بلفظ في الصلاة وغيرها وإسناده حسن وقد عدّت مرات الاستخلاف له فبلغت ثلاث عشرة مرة، ذكره في الخلاصة.

والحديث دليل على صحة إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك.

28 ــــ ونَحْوُهُ لابنِ حبّانَ عَن عَائِشَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهَا.

(ونحوه) أي حديث أنس (لابن حبان عن عائشة رضي الله عنها) تقدم أنه أخرجه الطبراني في الأوسط.

[رح29] ــــ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صَلُّوا على مَنْ قالَ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قالَ لا إلهَ إلَا اللَّهُ” رواهُ الدَّارقُطْنيُّ بإسنادٍ ضَعيف.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا على من قال لا إله إلا الله) أي صلاة الجنازة (وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله” رواه [تض]الدارقطني[/تض] بإسناد ضعيف) قال في البدر المنير: هذا الحديث من جميع طرقه لا يثبت.

وهو دليل على أنه يصلي عن من قال كلمة الشهادة وإن لم يأت بالواجبات وذهب إلى هذا زيد بن علي وأحمد بن عيسى وذهب إليه أبو حنيفة إلا أنه استثنى قاطع الطريق والباغي.

وللشافعي أقوال في قاطع الطريق إذا صلب. والأصل أن من قال كلمة الشهادة فله ما للمسلمين ومنه صلاة الجنازة عليه. ويدل له حديث: الذي قتل نفسه بمشاقص فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أما أنا فلا أصلي عليه” ولم ينههم عن الصلاة عليه، ولأن عموم شرعية صلاة الجنازة لا يخص منه أحد من أهل كلمة الشهادة إلا بدليل.

فأما الصلاة خلف من قال لا إله إلا الله فقد قدّمنا الكلام في ذلك وأنه لا دليل على اشتراط العدالة وأن من صحت صلاته صحت إمامته.

[رح30] ــــ وَعَنْ عليَ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا أَتى أَحَدُكمُ الصَّلاةَ والإمَامُ عَلى حَالٍ فَلْيَصْنعْ كما يَصْنَعُ الإمامُ” رَوَاهُ التِّرمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ.

أخرجه الترمذي من حديث علي ومعاذ وفيه ضعف وانقطاع وقال: لا نعلم أحداً أسنده إلا من هذا الوجه وقد أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحابنا. الحديث. وفيه أنّ معاذاً قال: لا أراه على حال إلا كنت عليها. وبهذا يندفع الانقطاع؛ إذا الظاهر أن الراوي لعبد الرحمن غير معاذ بل جماعة من الصحابة والانقطاع إنما ادعي بين عبد الرحمن ومعاذ، قالوا: لأن عبد الرحمن لم يسمع من معاذ وقد سمع من غيره من الصحابة وقال هنا “أصحابنا” والمراد به الصحابة رضي الله عنهم.

وفي الحديث دلالة على أنه يجب على من لحق بالإمام أن ينضم إليه في أي جزء كان من أجزاء الصلاة: فإذا كان الإمام قائماً أو راكعاً، فإنه يعتد بما أدركه معه كما سلف، فإذا كان قاعداً أو ساجداً قعد بقعود وسجد بسجوده ولا يعتد بذلك، وتقدم ما يؤيده من حديث ابن أبي شيبة. “ومن وجدني قائماً أو راكعاً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها”.

وأخرج ابن خزيمة مرفوعاً عن أبي هريرة “إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئاً ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة” وأخرج أيضاً فيه مرفوعاً عن أبي هريرة: “ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الإمام صلبه فقد أدركها” وترجم له “باب ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركاً للركعة إذا ركع إمامه”.

وقوله “فليصنع كما يصنع الإمام” ليس صريحاً أنه يدخل معه بتكبيرة الإحرام بل ينضم إليه إما بها إذا كان قائماً أو راكعاً فيكبر اللاحق من القيام ثم يركع أو بالكون معه فقط ومتى قام كبر للإحرام، وغايته أنه يحتمل ذلك إلا أن شرعية تكبيرة الإحرام حال القيام للمنفرد والإمام، يقضي أن لا تجزيء إلا كذلك، وذلك أصرح من دخولها بالاحتمال والله أعلم.

(فائدة) في الأعذار في ترك الجماعة: أخرج الشيخان عن ابن عمر عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “أنه كان يأمر المنادي فينادي صلوا في رحالكم في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة في السفر”. وعن جابر: “خرجنا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في سفر فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله”. رواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه. وأخرجه الشيخان عن ابن عباس: أنه قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من ذا؟ فقد فعل ذا من هو خير مني يعني ــــ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ــــ وعند مسلم: أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه.

وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة”.

وأخرج أحمد ومسلم من حديث عائشة قالت: سمعت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافع الأخبثين”.

وأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: “من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ”.

باب صلاة المسافر والمريض

[رح1] ــــ عَنْ عائشَةَ رَضيَ اللَّهُ عنْها قالتْ: “أول ما فُرضَت الصلاةُ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّت صَلاةُ السّفَر وَأُتِمّتْ صَلاةُ الحضَر” مُتّفَقٌ عَلَيه، وللبُخاريِّ “ثم هَاجَرَ فَفُرضَتْ أرْبعاً وأُقِرّت صَلاةُ السّفَر على الأوّل” زَادَ أَحْمَدُ “إلَّا المغْربَ فإنّها وتْرُ النّهار، وَإلَّا الصُّبْحَ فإنّها تطَوَّلُ فِيها القِراءَةُ”.

(عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما فرضت الصلاة) ما عدا المغرب (ركعتين) أي حضراً وسفراً (فأقرت) أي أقر الله (صلاة السفر) بإبقائها ركعتين (وأتمت صلاة الحضر) ما عدا المغرب، يزيد في الثلاث الصلوات ركعتين، والمراد بأتمت: زيد فيها حتى كانت تامة بالنظر إلى صلاة السفر (متفق عليه، وللبخاري) وحده عن عائشة (ثم هاجر) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (ففرضت أربعاً) أي صارت أربعاً بزيادة اثنتين. (وأقرت صلاة السفر على الأول) أي على الفرض الأول (زاد أحمد: إلا المغرب) أي زاده من رواية عن عائشة بعد قولها: أول ما فرضت الصلاة أي إلا المغرب فإنها فرضت ثلاثاً (فإنها) أي المغرب (وتر النهار) ففرضت وتراً ثلاثاً من أول الأمر (وإلا الصبح فإنها تطوَّل فيها القراءة).

في هذا الحديث دليل على وجوب القصر في السفر لأن “فرضت” بمعنى وجبت، ووجوبه مذهب الهادوية والحنفية وغيرهم.

وقال الشافعي وجماعة: إنه رخصة والتمام أفضل وقالوا: فرضت بمعنى قدرت أو فرضت لمن أراد القصر. واستدلوا بقوله تعالى: {فليسَ عليكمْ جناحٌ أن تقصروا من الصلاة}. وبأنه سافر أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم معه فمنهم من يقصر ومنهم من يتم ولا يعيب بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة أخرج ذلك مسلم.

وردَّ بأن هذه أفعال صحابة لا حجة فيها، وبأنه أخرج الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر موقوفاً “صلاة السفر ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردوهما” قال الهيثمي: رجاله موثوقون، وهو توقيف إذ لا مسرح فيه للاجتهاد، وأخرج أيضاً عنه في الكبير برجال الصحيح “صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر”.

وفي قوله “السنة” دليل على رفعه كما هو معروف، قال ابن القيم في الهدى النبوي: كان يقصر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في السفر البتة.

وفي قولها “إلا المغرب” دلالة على أن شرعيتها في الأصل ثلاثاً لم تتغير.

وقولها “إنها وتر النهار” أي صلاة النهار كانت شفعاً والمغرب آخرها لوقوعها في آخر جزء من النهار فهي وتر صلاة النهار، كما أنه شرع الوتر لصلاة الليل، والوتر محبوب إلى الله تعالى كما تقدم في الحديث “إن الله وتر يحب الوتر”.

وقولها: “إلا الصبح فإنها تطوَّل فيها القراءة”. تريد أن لا يقصر في صلاتها، فإنها ركعتان حضراً وسفراً، لأنه شرع فيها تطويل القراءة ولذلك عبر عنها في الآية بقرآن الفجر لما كانت معظم أركانها لطولها فيها فعبر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على الكل.

[رح2] ــــ وَعَنْ عَائشَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهَا: “أَنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يَقْصُر في السّفَر وَيُتمُّ وَيّصُوم وَيفْطِرُ” رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ ورُوَاتُهُ ثِقاتٌ إلَّا أنّهُ مَعْلُولٌ، وَالمحْفُوظُ عَنْ عَائشةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقالَتْ: “إنّهُ لا يَشُقُّ عليَّ” أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ.

(وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقْصُر في السفر ويتم؛ ويصوم ويُفْطر) الأربعة الأفعال بالمثناة التحتية أي أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يفعل هذا وهذا (رواه الدارقطني ورواته) من طريق عطاء عن عائشة (ثقات إلا أنه معلول والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: إنه لا يشق عليّ. أخرجه البيهقي).

واستنكره أحمد فإن عروة روى عنها أنها كانت تتم وأنها تأولت كما تأول عثمان كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رواية، لم يقل عروة إنها تأولت، وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك. وأخرج أيضاً الدارقطني عن عطاء، والبيهقي عن عائشة: أنها اعتمرت معه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أتممت وقصرت. وأفطرت وصمت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليَّ.

قال ابن القيم: وقد روى “كان يقصر وتتم” الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالمثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل، ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم، وفي الصحيح عنها “إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر” فكيف يظن بها مع ذلك أنها تصلي خلاف صلاته وصلاة المسلمين معه؟

قلت: وقد أتمت عائشة بعد موته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان اهـ.

هذا وحديث الباب قد اختلف في اتصاله فإنه من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة قال الدارقطني: إنه أدرك عائشة وهو مراهق قال المصنف رحمه الله: هو كما قال ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير ولم يسمع منها وادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها واختلف قول الدارقطني في الحديث فقال في السنن: إسناده حسن؛ وقال في العلل: المرسل أشبه. هذا كلام المصنف: ونقله الشارح.

وراجعت سنن الدارقطني فرأيته ساقه وقال: إنه صحيح ثم فيه العلاء ابن زهير وقال الذهبي في الميزان: وثقه ابن معين وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات مما لا يشبه حديث الأثبات اهـ. فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات وبطل بهذا ادعاء ابن حزم جهالته فقد عرف عيناً وحال وقال ابن القيم بعد روايته لحديث عائشة هذا ما لفظه: وسمعت شيخ الإسلام يقول: هذا كذب على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أهـ. يريد رواية يَقْصر ويُتم بالمثناة التحتية وجعل ذلك من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فإنه ثبت عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأنه لم يُتم رباعية في سفر ولا صام فيه فرضاً.

[رح3] ــــ وَعن ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنَّ الله يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يكرَهُ أن تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ” رواهُ أَحمدُ وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزيْمَةَ وابْنُ حِبّان، وفي روايةٍ “كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ”.

فسرت محبة الله برضاه وكراهتُه بخلافها.

وعند أهل الأصول أن الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر والعزيمة مقابلها، والمراد بها هنا ما سهله لعباده ووسعه عند الشدة من ترك بعض الواجبات وإباحة بعض المحرمات…

والحديث دليل على أن فعل الرخصة أفضل من فعل العزيمة، كذا قيل وليس فيه على ذلك دليل، بل يدل على مساواتها للعزيمة، والحديث يوافق قوله تعالى: {يريدُ اللهُ بكمْ اليسرَ ولا يريدُ بكمْ العُسرَ}.

[رح4] ــــ وَعَنْ أَنَسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “كانَ رَسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا خرجَ مَسيرةَ ثَلاثَةِ أَمْيالٍ أَوْ فَرَاسِخَ ــــ صَلّى رَكْعَتَيْنِ” رواهُ مُسلمٌ.

المراد من قوله “إذا خرج” إذا كان قصده مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفراً طويلاً فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة.

وقوله أميال أو فراسخ شك في الراوي وليس التخيير في أصل الحديث قال الخطابي شك فيه شعبة.

قيل في حد الميل هو أن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدرك أهو رجل أم امرأة أو غير ذلك.

وقال النووي: هو ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعاً معترضة متعادلة، والأصبع ست شعيرات معترضة متعادلة.

وقيل: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الإنسان.

وقيل: هو أربعة ألاف ذراع، وقيل ألف خطوة للجمل، وقيل ثلاثة آلاف ذراع بالهاشمي وهو اثنان وثلاثون أصبعاً، وهو ذراع الهادي عليه الصلاة والسلام وهو الذراع العمري المعمول عليه في صنعاء وبلادها.

وأما الفرسخ فهو ثلاثة أميال وهو فارسي معرب.

واعلم أنه قد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة على نحو عشرين قولاً ــــ حكاها ابن المنذر ــــ.

فذهب الظاهرية إلى العمل بهذا الحديث وقالوا: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به على التحديد بالثلاثة الأميال نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر وهو الاحتياط لكن قيل إنه لم يذهب إلى التحديد بالثلاثة الفراسخ أحد. نعم يصح الاحتجاج للظاهرية بما أخرجه سعيد بن منصور من حديث أبي سعيد. “أنه كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا سافر فرسخاً يقصر الصلاة” وقد عرفت أن الفرسخ ثلاثة أميال:

وأقل ما قيل في مسافة القصر ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر موقوفاً: أنه كان يقول إذا خرجت ميلاً قصرت الصلاة. وإسناده صحيح وقد روى هذا في البحر عن داود ويلحق بهذين القولين قول الباقر والصادق وأحمد بن عيسى والهادي وغيرهم أنه يقصر في مسافة بريد فصاعداً، مستدلين بقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في حديث أبي هريرة مرفوعاً “لا يحل لامرأة تسافر بريداً إلا ومعها محرم” أخرجه أبو داود. قالوا: فسمى مسافة البريد سفراً ولا يخفى أنه لا دليل فيه، على أنه لا يسمى الأقل من هذه المسافة سفراً، وإنما هذا تحديد للسفر الذي يجب فيه المحرم ولا تلازم بين مسافة القصر ومسافة وجوب المحرم لجواز التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفاً على العباد.

وقال زيد بن علي والمؤيد وغيرهما والحنفية: بل مسافته أربعة وعشرون فرسخاً لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر مرفوعاً “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع محرم” قالوا: وسير الإبل في كل يوم ثمانية فراسخ.

وقال الشافعي، بل أربعة برد لحديث ابن عباس مرفوعاً “لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد” وسيأتي وأخرجه البيهقي بسند صحيح من فعل ابن عباس وابن عمر وبأنه روى البخاري حديث ابن عباس تعليقاً بصيغة الجزم: أنه سئل أتقصر الصلاة من مكة إلى عرفة؟ قال: “لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف” وهذه الأمكنة بين كل واحد منها وبين مكة أربعة بُرُد فما فوقها.

والأقوال متعارضة كما سمعت والأدلة متقاومة قال في زاد المعاد: ولم يحدّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأمته مسافة محددة للقصر والفطر بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل سفر؛ وأما ما يروى عنه من التحديد باليوم واليومين والثلاثة فلم يصح منها شيء البتة والله أعلم، وجواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره مذهب كثير من السلف.

[رح5] ــــ وَعَنْهُ رضيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: “خَرَجْنا معَ رسُولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم منَ المدينةِ إلى مكّةَ، فَكانَ يُصَلِّي رَكعتيْنِ ركعتيْنِ حَتى رَجَعْنَا إلى المدينَةِ” مُتّفَقٌ عَلَيهِ واللّفْظُ للبخاريِّ.

(وعنه) أي عن أنس (رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من المدينة إلى مكة فكان يصلي) أي الرباعية (ركعتين ركعتين) أي كل رباعية ركعتين (حتى رجعنا إلى المدينة: متفق عليه واللفظ للبخاري).

يحتمل أن هذا كان في سفره عام الفتح ويحتمل أنه في حجة الوداع إلا أن فيه عند أبي داود زيادة “أنهم قالوا لأنس: هل أقمتم بها شيئاً؟ قال: أقمنا عشراً” ويأتي أنهم أقاموا في الفتح زيادة على خمسة عشر يوماً أو خمسة عشر وقد صرح في حديث أبي داود أن هذا أي خمسة عشر ونحوها كان عام الفتح.

وفيه دلالة على أنه لم يتم مع إقامته في مكة، وهو كذلك كما يدل عليه الحديث الآتي:

وفيه دليل على أن نفس الخروج من البلد بنية السفر يقتضي القصر ولو لم يجاوز من البلد ميلاً ولا أقل، وأنه لا يزال يقصر حتى يدخل البلد ولو صلى وبيوتهما بمرأى منه.

[رح6] ــــ وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ الله عَنْهُمَا قالَ: “أقامَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تسعة عَشَرَ يَقْصُرُ” وفي لَفْظٍ “بمكّةَ تسْعَةَ عَشَرَ يَوْماً” رَوَاهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ لأبي داوُدَ “سَبْعَ عشرةَ” وفي أُخرى “خَمْس عشْرَةَ”.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقام النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تسعة عشر يوماً يقصر وفي لفظ) تعيين محل الإقامة وأنه (بمكة تسعة عشر يوماً. رواه البخاري وفي رواية لأبي داود) أي عن ابن عباس (سبع عشرة) بالتذكير في الرواية الأولى لأنه ذكر مميزه يوماً وهو مذكر، وبالتأنيث في رواية أبي داود لأنه حذف مميزه، وتقديره ليلة، وفي رواية لأبي داود عنه تسعة عشر كالرواية الأولى (وفي أخرى) أي لأبي داود عن ابن عباس (خمس عشرة).

[رح7] ــــ وَلَهُ عنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رَضَيَ اللَّهُ عنهما “ثَمَانيَ عَشَرَةَ”.

(وله) أي لأبي داود:

(عن عمران بن حصين رضي الله عنهما ثماني عشرة) ولفظه عند أبي داود “شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر”.

[رح8] ـــ وله عَنْ جابرٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أقامَ بتَبُوكَ عشِرينَ يَوْماً يَقْصرُ الصَّلاة” وَروَاتُهُ ثِقَاتٌ إلّا أنّهُ اخْتُلِفَ في وَصْلِهِ.

(وله) أي لأبي داود.

(عن جابر رضي الله عنه “أقام) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) ، ورواته ثقات إلا أنه اختلف في وصله” فوصله معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان عن جابر قال أبو داود: غير معمر لا يسنده فأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع.

قال المصنف رحمه الله: وقد أخرجه البيهقي بلفظ “بضع عشرة”.

واعلم أن أبا داود ترجم لباب هذه الأحاديث “باب متى يتم المسافر” ثم ساقها وفيها كلام ابن عباس “من أقام سبعة عشر قصر ومن أقام أكثر أتم”.

وقد اختلف العلماء في قدر مدّة الإقامة التي إذا عزم المسافر على إقامتها أتم فيها الصلاة على أقوال.

فقال ابن عباس وإليه ذهب الهادوية: إن أقل مدة الإقامة عشرة أيام لقول علي عليه السلام: “إذا أقمت عشراً فأتم الصلاة” أخرجه المؤيد في شرح التجريد من طرق فيها ضرار بن صرد قال المصنف في التقريب: إنه غير ثقة. قالوا: وهو توقيف.

وقالت الحنفية: خمسة عشر يوماً مستدلين بإحدى روايات ابن عباس وبقوله وقول ابن عمر: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة.

وذهبت المالكية والشافعية إلى أن أقلها أربعة أيام وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا بمنعه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا عن ثلاثة أيام في مكة فدل على أنه بالأربعة الأيام يصير مقيماً؛ وثم أقوال أخر لا دليل عليها.

وهذا كله فيمن دخل البلد عازماً على الإقامة فيها.

وأما من تردد في الإقامة ولم يعزم ففيه خلاف أيضاً.

فقالت الهادوية: يقصر إلى شهر لقول علي عليه السلام: “إنه من يقول: اليوم أخرج؛ غداً أخرج. يقصر الصلاة شهراً”.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو قول للشافعي وقال به الإمام يحيى إلى أنه يقصر أبداً إذ الأصل السفر، ولفعل ابن عمر فإنه أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وروي عن أنس بن مالك أنه أقام بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة، وعن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة.

ومنهم من قدّر ذلك بخمسة عشر وسبعة عشر وثمانية عشر على حسب ما وردت الروايات في مدة إقامته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في مكة وتبوك وأنه بعد ما يجاوز مدة ما روي عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يتم صلاته.

ولا يخفى أنه لا دليل في المدة التي قصر فيها على نفي القصر فيما زاد عليها، وإذا لم يقم دليل على تقدير المدة فالأقرب أنه لا يزال يقصر كما فعله الصحابة، لأنه لا يسمى بالبقاء مع التردد كل يوم في الإقامة والرحيل مقيماً وإن طالت المدة، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في السنن عن ابن عباس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أقام بتبوك أربعين يوماً يقصر الصلاة”. ثم قال: تفرد به الحسين بن عمارة وهو غير محتج به.

[رح9] ــــ وَعَنْ أَنَسٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: “كانَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا ارْتَحَل قَبْلَ أَنْ تَزيغَ الشّمسُ أَخّرَ الظُّهرَ إلى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُما، فإنْ زَاغَتْ الشّمْسُ قَبْلَ أنْ يَرْتَحِلَ صلى الظهْرَ ثُمَّ رَكبَ” مُتّفَقٌ عَلَيه، وفي رواية الحاكم في الأرْبعينَ بإسْنادِ الصَّحْيح: “صلى الظُّهْر والعَصْرَ ثمَّ رَكِبَ” وَلأبي نُعيم في مُسْتَخْرَجِ مُسلمٍ “كانَ إذَا كانَ في سفَرٍ فَزَالَت الشّمْسُ صلى الظهْرَ والْعَصْرَ جميعاً ثمَّ ارتَحَلَ”.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا ارتحل) في سفره (قبل أن تزيغ الشمس) أي قبل الزوال (أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر) أي وحده ولا يضم إليه العصر (ثم ركب. متفق عليه).

الحديث فيه دليل على جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر تأخيراً، ودلالة على أنه لا يجمع بينهما تقديماً، لقوله “صلى الظهر” إذ لو جاز مع التقديم لضم إليه العصر، وهذا الفعل منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يخصص أحاديث التوقيت التي مضت.

وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الهادوية وهو قول ابن عباس وابن عمر وجماعة من الصحابة، وروي عن مالك وأحمد والشافعي إلى جواز الجمع للمسافر تقديماً وتأخيراً عملاً بهذا الحديث في التأخير وبما يأتي في التقديم.

وعن الأوزاعي أنه يجوز للمسافر جمع التأخير فقط عملاً بهذا الحديث، وهو مروي عن مالك وأحمد بن حنبل واختاره أبو محمد بن حزم.

وذهب النخعي والحسن وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الجمع لا تقديماً ولا تأخيراً للمسافر وتأولوا ما ورد من جمعه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأنه جمع صوري وهو أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها وقدم العصر في أول وقتها ومثله العشاء.

ورد عليهم بأنه وإن تمشى لهم هذا في جمع التأخير لم يتم لهم في جمع التقديم الذي أفاد قوله (وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر والعصر) أي إذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الفريضتين معاً (ثم ركب) فإنها أفادت ثبوت جمع التقديم من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولا يتصوّر فيه الجمع الصوري (و) مثله الرواية التي (لأبي نعيم في مستخرج مسلم) أي في مستخرجه على صحيح مسلم (كان) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل) فقد أفادت رواية الحاكم وأبي نعيم ثبوت جمع التقديم أيضاً وهما روايتان صحيحتان كما قال المصنف إلا أنه قال ابن القيم إنه اختلف في رواية الحاكم، فمنهم من صححها ومنهم من حسنها ومنهم من قدح فيها وجعلها موضوعة وهو الحاكم فإنه حكم بوضعها، ثم ذكر كلام الحاكم في بيان وضع الحديث ثم رده ابن القيم واختار أنه ليس بموضوع، وسكوت المصنف هنا عليه وجزمه بأنه بإسناد صحيح يدل على رده لكلام الحاكم ويؤيد صحته قوله:

[رح10] ــــ وَعَنْ مُعاذٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “خَرَجْنَا معَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في غَزْوَة تَبوكَ فكان يُصَلي الظُّهْرَ والعصرَ جميعاً والمغْربَ وَالعِشَاءَ جميعاً” رَوَاهُ مُسْلمٌ.

إلا أن اللفظ محتمل لجمع التأخير لا غير أوله ولجمع التقديم، ولكن قد رواه الترمذي بلفظ “كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعاً” فهو كالتفصيل لمجمل رواية مسلم إلا أنه قال الترمذي بعد إخراجه: إنه حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره قال: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث ابن الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. اهـ.

إذا عرفت هذا فجمع التقديم في ثبوت روايته مقال إلا رواية المستخرج على صحيح مسلم فإنه لا مقال فيها.

وقد ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز جمع التأخير لثبوت الرواية به لا جمع التقديم، وهو قول النخعي ورواية عن مالك وأحمد.

ثم إنه قد اختلف في الأفضل للمسافر هل الجمع أو التوقيت فقالت الشافعية: ترك الجمع أفضل. وقال مالك: إنه مكروه، وقيل: يختص بمن له عذر.

واعلم أنه كما قال ابن القيم في الهدي النبوي: لم يكن صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يجمع راتباً في سفره كما يفعله كثير من الناس، ولا يجمع حال نزوله أيضاً، وإنما كان يجمع إذا جدّ به السير، وإذا سار عقيب الصلاة كما في أحاديث تبوك، وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة ومزدلفة لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي وشيخنا وجعله أبو حنيفة من تمام النسك وأنه سببه، وقال أحمد ومالك والشافعي: إن سبب الجمع بعرفة ومزدلفة السفر.

وهذا كله في الجمع في السفر.

وأما الجمع في الحضر فقال الشارح بعد ذكر أدلة القائلين بجوازه فيه: إنه ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز الجمع في الحضر لما تقدم من الأحاديث المبينة لأوقات الصلوات، ولما تواتر من محافظة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على أوقاتها حتى قال ابن مسعود: ما رأيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها”.

وأما حديث ابن عباس عند مسلم: أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته” فلا يصح الاحتجاج به لأنه غير معين لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم وتعيين واحد منها تحكم فوجب العدول عنه إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره وتخصيص المسافر لثبوت المخصص وهذا هو الجواب الحاسم.

وأما ما يروى من الآثار عن الصحابة والتابعين فغير حجة إذ للاجتهاد في ذلك مسرح، وقد أول بعضهم حديث ابن عباس بالجمع الصوري واستحسنه القرطبي ورجحه وجزم به ابن الماجشون والطحاوي وقواه ابن سيد الناس لما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار ــــ رواي الحديث ــــ عن أبي الشعثاء قال: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي الحديث أدرى بالمراد منه من غيره، وإن لم يجزم أبو الشعثاء بذلك.

وأقول إنما هو ظن من الراوي والذي يقال فيه: أدرى بما روى إنما يجري في تفسيره للفظ مثلاً. على أن في الدعوى نظراً، فإن قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه” يرد عمومها، نعم يتعين هذا التأويل فإنه صرح به النسائي في أصل حديث ابن عباس ولفظه: “صليت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالمدينة ثمانياً جمعاً وسبعاً جمعاً أخر الظهر وعجل العصر وآخر المغرب وعجل العشاء”. والعجب من النووي كيف ضعف هذا التأويل وغفل عن متن الحديث المروي، والمطلق في رواية يحمل على المقيد إذا كانا في قصة واحدة. كما في هذا:

والقول بأن قوله: “أراد أن لا يحرج أمته” يضعف هذا الجمع الصوري لوجود الحرج فيه مدفوع بأن ذلك أيسر من التوقيت إذ يكفي للصلاتين تأهب واحد وقصد واحد إلى المسجد ووضوء واحد بحسب الأغلب بخلاف الوقتين فالحرج في هذا الجمع لا شك أخف.

وأما قياس الحاضر على المسافر كما قيل فوهم، لأن العلة في الأصل هي السفر، وهو غير موجود في الفرع وإلا لزم مثله في القصر والفطر اهـ.

قلت: وهو كلام رصين وقد كنا ذكرنا ما يلاقيه في رسالتنا “اليواقيت في المواقيت” قبل الوقوف على كلام الشارح ــــ رحمه الله وجزاه خيراً ــــ ثم قال: واعلم أن جمع التقديم فيه خطر عظيم وهو كمن صلى صلاة قبل دخول وقتها فيكون حال الفاعل كما قال تعالى: {هم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} الآية من ابتدائها وهذه الصلاة المقدمة لا دلالة عليها بمنطوق ولا مفهوم ولا عموم ولا خصوص.

[رح11] ــــ وَعَن ابنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُما قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لا تَقْصرُوا الصَّلاةَ في أقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكّةَ إلى عُسْفَانَ” رواهُ الدارقُطْنيُّ بإسناد ضَعيف، والصّحيحُ أَنهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابنُ خُزَيمة.

فإنه من رواية عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك، نسبه الثوري إلى الكاذب، وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، وهو منقطع أيضاً لأنه لم يسمع من أبيه (والصحيح أنه موقوف كذا أخرجه ابن خزيمة) أي موقوفاً على ابن عباس وإسناده صحيح ولكن للاجتهاد فيه مسرح فيحتمل أنه من رأيه وتقدم أنه لم يثت في التحديد حديث مرفوع.

[رح12] ــــ وعنْ جابرٍ رضيَ اللَّهُ عنه قال: قالَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “خيرُ أُمّتي الذين إذا أسَاءوا اسْتغفروا وإذا أَحسنوا اسْتبشروا وإذا سافَرُوا قَصَروا وأَفْطروا”. أَخْرَجَهُ الطّبرانيُّ في الأوْسَطِ بإسْنادٍ ضعيفٍ وَهُوَ في مُرْسَلِ سعيد بنِ المُسَيَّب عَنْدَ الَبيْهَقِي مختصراً.

الحديث دليل على أن القصر والفطر أفضل للمسافر من خلافهما.

وقالت الشافعية: ترك الجمع أفضل فقياس هذا أن يقولوا التمام أفضل وقد صرحوا به أيضاً، وكأنهم لم يقولوا بهذا الحديث لضعفه. واعلم أن المصنف رحمه الله أعاد هنا حديث عمران بن حصين وحديث جابر وهما قوله:

[رح13] ــــ وعَنْ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: “كانتْ بي بَوَاسيرُ فَسَأَلْتُ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: “صَلِّ قائماً، فَإنْ لمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإنْ لَمْ تَسْتَطعْ فَعَلى جَنْبٍ” رَوَاهُ الْبُخَاريُّ.

(وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عن الصلاة) هذا لم يذكره المصنف فيما سلف في هذه الرواية (فقال: “صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنْب” رواه البخاري) هو كما قال ولم ينسبه فيما تقدم إلى أحد وقد بينا من غير البخاري وما فيه من الزيادة.

[رح14] ــــ وَعَنْ جَابرٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: عَادَ النّبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مَريضاً فَرَآهُ يُصَلي على وسادَةٍ فَرَمَى بها وقالَ: “صَلِّ عَلى الأرضِ إن اسْتَطَعْتَ، وإلا فَأَوْم إيماءً واجعلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ” رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وصحّحَ أَبو حاتم وَقْفَهُ.

زاد فيما مضى أنه رواه البيهقي بإسناد قوي وقد تقدم في آخر باب صفة الصلاة قبيل باب سجود السهو بلفظهما وشرحناهما هناك فتركنا شرحهما هنا لذلك، ثم ذكر هنا حديث عائشة وقد مر أيضاً في الحديث الرابع والثلاثين في باب صفة الصلاة بلفظه وشرحه الشارح. وقال هناك: صححه ابن خزيمة، وهنا قال: صححه الحاكم وهو:

[رح15] ــــ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا قالَت: “رَأَيتُ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي مُتَرَبِّعاً” رَواه النسائي وَصَحّحَهُ الحاكِمُ.

وهو من أحاديث صلاة المريض لا من أحاديث صلاة المسافر وقد أتى به فيما سلف.

والحديث دليل على صفة قعود المصلي إذا كان له عذر عن القيام، وفيه الخلاف الذي تقدم.

باب الجمعة

الجمعة بضم الميم وفيها الإسكان والفتح مثل همزة ولمزة، وكانت تسمى في الجاهلية العروبة، أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه دخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة”.

[رح1] ــــ عَنْ عبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَو أَبي هُريرة رضيَ الله عَنْهُمْ أَنهما سَمِعَا رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ على أعوادِ مِنْبرهِ: “لَيَنْتَهيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعات أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلى قُلُوبهمْ، ثمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الْغافِلين” رواه مسلمٌ.

(عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول على أعواد منبره) أي منبره الذي من عود، لا على الذي كان من الطين، ولا على الجذع الذي كان يستند إليه، وهذا المنبر عمل له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سنة سبع وقيل سنة ثمان، عمله له غلام امرأة من الأنصار كان نجاراً واسمه على أصح الأقوال ميمون، كان على ثلاث درج ولم يزل عليه حتى زاده مروان في زمن معاوية ست درج من أسفله، وله قصة في زيادته، وهي أن معاوية كتب إليه أن يحمله إلى دمشق فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، وقال: إنما زدت عليه لما كثر الناس ولم يزل كذلك حتى احترق المسجد النبوي سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق (“لينتهين أقوام عن ودعهم) بفتح الواو وسكون الدال المهملة وكسر العين المهملة أي تركهم (الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتماً له وتغطية لئلا يتوصل إليه، ولا يطلع عليه، شبهت القلوب بسبب إعراضهم عن الحق واستكبارهم عن قبوله وعدم نفوذ الحق إليها بالأشياء التي استوثق عليها بالختم فلا ينفذ إلى باطنها شيء، وهذه عقوبة على عدم الامتثال لأمر الله، وعدم إتيان الجمعة من باب تيسير العسرى (ثم ليكونن من الغافلين” رواه مسلم) بعد ختمه تعالى عن قلوبهم فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال وعن ترك ما يضرهم منها.

وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة والتساهل فيها.

وفيه إخبار بأن تركها من أعظم أسباب الخذلان بالكلية.

والإجماع قائم على وجوبها على الإطلاق والأكثر أنها فرض عين وقال في معالم السنن: إنها فرض كفاية عند الفقهاء.

[رح2] ــــ وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوعِ رَضيَ الله عَنْهُ قالَ: “كنا نُصَلي معَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الجُمُعةَ ثمَّ نَنْصرفُ وَلَيْسَ للحيطانِ ظِلٌّ يُستظلُّ بهِ” مُتّفقٌ عليه واللفْظُ للبخاريِّ، وفي لَفْظٍ لمسْلمٍ “كُنّا نجَمّعُ مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا زَالت الشّمسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبّعُ الْفَيْءَ”.

(وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به. متفق عليه واللفظ للبخاري في لفظ لمسلم) أي من رواية سلمة (كنا نجمّع معه) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء).

الحديث دليل على المبادرة بصلاة الجمعة عند أول زوال الشمس، والنفي في قوله “وليس للحيطان ظل” متوجه إلى القيد وهو قوله “يستظل به” لا نفي لأصل الظل حتى يكون دليلاً على أنه صلاها قبل زوال الشمس، وهذا التأويل معتبر عند الجمهور القائلين بأن وقت الجمعة هو وقت الظهر.

وذهب أحمد وإسحاق إلى صحة صلاة الجمعة قبل الزوال.

واختلف أصحاب أحمد فقال بعضهم: وقتها وقت صلاة العيد، وقيل الساعة السادسة.

وأجاز مالك الخطبة قبل الزوال دون الصلاة وحجتهم ظاهر الحديث وما بعده وأصرح منه ما أخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر: “أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس” يعني النواضح، وأخرج الدارقطني عن عبد الله بن سيدان قال: شهدت مع أبي بكر الجمعة فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره. ورواه أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: أنهم صلوا قبل الزوال.

ودلالة هذا على مذهب أحمد واضحة، والتأويل الذي سبق من الجمهور يدفعه أن صلاة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مع قراءته سورة الجمعة والمنافقون وخطبته لو كانت بعد الزوال لما ذهبوا من صلاة الجمعة إلا وللحيطان ظل يستظل به كذا في الشرح.

وحققنا في حواشي ضوء النهار أن وقتها الزوال، ويدل له أيضاً قوله:

[رح3] ــــ وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضيَ اللَّهُ عنهُما قال: “ما كُنّا نَقيلُ ولَا نَتَغَدّى إلا بَعْدَ الْجُمُعةِ” مُتّفقٌ عَلَيْهِ واللّفظ لمسلمٍ، وفي رواية “في عَهْدِ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”.

(وعن سهل بن سعد رضي الله عنه) هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك الخزرجي الساعدي الأنصاري قيل كان اسمه “حزنا” فسماه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “سهلاً” مات النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وله خمس عشرة سنة ومات بالمدينة سنة إحدى وسبعين وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة (قال: “ما كنا نقيل) من القيلولة (ولا نتغدى إلا بعد الجمعة” متفق عليه واللفظ لمسلم. وفي رواية “في عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم”).

في النهاية المقيل والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم.

فالحديث دليل على ما دل عليه الحديث الأول وهو من أدلة أحمد وإنما أتى المصنف رحمه الله بلفظ رواية “على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” لئلا يقول قائل إنه لم يصرح الراوي في الرواية الأولى أن ذلك كان من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وتقريره فدفعه بالرواية التي أثبتت أن ذلك كان على عهده، ومعلوم أنه لا يصلي الجمعة في عهده في المدينة سواه، فهو إخبار عن صلاته وليس فيه دليل على الصلاة قبل الزوال، لأنهم في المدينة ومكة لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد صلاة الظهر كما قال تعالى: {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} نعم كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسارع بصلاة الجمعة في أول وقت الزوال بخلاف الظهر فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس.

[رح4] ــــ وعن جابرٍ رضيَ اللَّهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يخطبُ قائماً، فَجَاءَتْ عيرٌ مِنَ الشّام فانفتَلَ النّاسُ إليها حتى لَمْ يَبْقَ إلا اثنا عَشَرَ رَجُلا” رَواهُ مُسْلمٌ.

(وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يخطب قائماً فجاءت عير) بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية فراء قال في النهاية: العير الإبل بأحمالها (من الشام فانفتل) بالنون الساكنة وفتح الفاء فمثناة فوقية أي انصرف (الناس إليها حتى لم يبق) أي في المسجد ــــ (إلا اثنا عشر رجلاً. رواه مسلم).

الحديث دليل على أنه يشرع في الخطبة أن يخطب قائماً.

وأنه لا يشترط لها عدد معين كما قيل إنه يشترط لها أربعون رجلاً ولا ما قيل إن أقل ما ينعقد به اثنا عشر رجلاً كما روي عن مالك لأنه لا دليل أنها لا تنعقد بأقل.

وهذه القصة هي التي نزلت فيها الآية: {وإذا رأوا تجارة} الآية:

وقال القاضي عياض: إنه روى أبو داود في مراسيله: أن خطبته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم التي انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة وظنوا أنه لا شيء عليهم في الانفضاض عن الخطبة وأنه قبل هذه القصة كان يصلي قبل الخطبة.

قال القاضي: وهذا أشبه بحال أصحابه والمظنون بهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد انقضاء الصلاة.

[رح5] ــــ وَعَنْ ابن عمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهُما قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً مِنْ صَلاةِ الجُمُعةِ وغيْرهَا فلْيضفْ إليها أُخرى وَقَد تمّتْ صَلاتُهُ” رواه النّسائيُّ وابنُ مَاجَهْ والدَّارَقُطْنيُّ واللفظُ لهُ، وإسنادُهُ صحيحٌ لكنْ قوَّى أَبو حاتمٍ إرسالَهُ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها) أي من سائر الصلوات (فليضف إليها أُخرى) في الجمعة أو غيرها يضيف إليها ما بقي من ركعة وأكثر (وقد تمت صلاته” رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني واللفظ له وإسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله) الحديث أخرجوه من حديث بقية حدثني يونس بن يزيد عن سالم عن أبيه ــــ الحديث ــــ قال أبو داود والدارقطني: تفرّد به بقية عن يونس، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: هذا خطأ في المتن والإسناد وإنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً “من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها” وأمّا قوله: “من صلاة الجمعة” فوهم وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقاً عن أبي هريرة ومن ثلاثة طرق عن ابن عمر وفي جميعها مقال.

وفي الحديث دلالة على أن الجمعة تصح للاحق وإن لم يدرك من الخطبة شيئاً وإلى هذا ذهب زيد بن علي والمؤيد والشافعي وأبو حنيفة.

وذهبت الهادوية إلى أن إدراك شيء من الخطبة شرط لا تصح الجمعة بدونه.

وهذا الحديث حجة عليهم وإن كان فيه مقال لكن كثرة طرقه يقوّي بعضها بعضاً مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاث طرق أحدها من حديث أبي هريرة وقال فيها: على شرط الشيخين، ثم الأصل عدم الشرط حتى يقوم عليه دليل.

[رح6] ــــ وَعَنْ جَابرِ بن سَمُرةَ رضي الله عنهُما: “أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يخطُبُ قائماً، ثم يجلسُ، ثمَّ يقومُ فَيَخْطبُ قائماً، فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنهُ كانَ يخطُبُ جالساً فَقَدْ كَذَبَ” أَخرجهُ مُسلمٌ.

الحديث دليل أنه يشرع القيام حال الخطبتين والفصل بينهما بالجلوس.

وقد اختلف العلماء هل هو واجب أو سنة فقال أبو حنيفة: إن القيام والقعود سنة.

وذهب مالك إلى أن القيام واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة.

وذهب الشافعي وغيره إلى أن الخطبة لا تكون إلا من قيام لمن أطاقه واحتجوا بمواظبته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ذلك حتى قال جابر: فمن أنبأك إلى آخره. وبما روي أن كعب بن عجرة لما دخل المسجد وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعداً فأنكر عليه وتلا عليه (وتركوك قائماً) وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إماماً يؤم المسلمين يخطب وهو جالس يقول ذلك مرتين.

وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان وأوّل من جلس على المنبر معاوية، وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه. وهذا إبانة للعذر فإنه مع العذر في حكم المتفق على جواز القعود في الخطبة.

وأما حديث أبي سعيد الذي أخرجه البخاري: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله.

فقد أجاب عنه الشافعي أنه كان في غير جمعة.

وهذه الأدلة تقضي بشرعية القيام والقعود المذكورين في الخطبة.

وأما الوجوب وكونه شرطاً في صحتها فلا دلالة عليه في اللفظ إلا أنه قد ينضم إليه دليل وجوب التأسي به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وقد قال: “صلوا كما رأيتموني أصلي”.

وفعله في الجمعة في الخطبتين وتقديمها على الصلاة مبين لآية الجمعة فما واظب عليه فهو واجب وما لم يواظب عليه كان في الترك دليل على عدم الوجوب فإن صح أن قعوده في حديث أبي سعيد كان في خطبة الجمعة كان الأقوى القول الأوّل وإن لم يثبت ذلك فالقول الثاني.

“فائدة” تسليم الخطيب على المنبر على الناس فيه حديث أخرجه الأثرم بسنده عن الشعبي: “كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال السلام عليكم”. الحديث، وهو مرسل. وأخرج ابن عدي: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر ثم صعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد”. إلا أنه ضعفه ابن عدي[تض] بعيسى بن عبد الله الأنصاري[/تض] وضعفه به ابن حبان.

[رح7] ــــ وَعَنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضيَ الله عَنْهُما قال: “كان رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا خطب احمَرَّت عَيْناه، وَعَلا صَوْتُهُ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتى كأنهُ مُنذرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبّحَكم وَمَسّاكمْ” ويقولُ: “أَمّا بَعْدُ فإنّ خَيْرَ الحديث كِتابُ اللَّهِ، وَخَيرَ الْهَدي هُدَى محمّد، وشَرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ” رواهُ مُسلمٌ، وفي روايةٍ لهُ: “كانت خطبَةُ النّبيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَوْمَ الْجُمْعَة يَحْمَدُ الله ويُثني عَليه ثمَّ يقولُ عَلى أَثر ذلك وَقد عَلا صَوتُهُ”. وفي رواية لهُ: “مَنْ يَهْده الله فلا مُضلَّ لهُ، وَمَنْ يُضلِل فلا هاديَ لهُ” وللنسائي: “وكلَّ ضَلالة في النّار”.

(وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم” ويقول: “أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهُدى هدَى محمد) قال النووي: ضبطناه في مسلم بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما وفسره الهروي على رواية الفتح بالطريق أي أحسن الطريق طريق محمد. وعلى رواية الضم معناه الدلالة والإرسال وهو الذي يضاف إلى الرسل وإلى القرآن قال تعالى: {وإنك لتهدي} (الشورى: 52) {إن هذا القران يهدي} (الإسراء: 9) وقد يضاف إليه تعالى وهو بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة {إنك لا تهدي من أحببت} (القصص: 56) الآية (وشر الأمور محدثاتها) المراد بالمحدثات ما لم يكن ثابتاً بشرع من الله ولا من رسوله (وكل بدعة ضلالةٌ”) البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، والمراد بها هنا: ما عمل من دون أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة (رواه مسلم).

وقد قسم العلماء البدعة على خمسة أقسام: واجبة ــــ كحفظ العلوم بالتدوين والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة، ومندوبة ــــ كبناء المدارس، ومباحة ــــ كالتوسعة في ألوان الطعام وفاخر الثياب، ومحرّمة ومكروهة وهما ظاهران؛ فقوله: “كل بدعة ضلالة” عام مخصوص.

وفي الحديث دليل على أنه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته ويجزل كلامه ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب ويأتي بقوله: أما بعد وقد جمع البخاري باباً في استحبابها وذكر فيه جملة من الأحاديث وقد جمع الروايات التي فيها ذكر “أما بعد” لبعض المحدثين وأخرجها على اثنين وثلاثين صحابياً وظاهره أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يلازمها في جميع خطبه وذلك بعد حمد الله والثناء والتشهد كما تفيده الرواية المشار إليها بقوله: “وفي رواية له” أي لمسلم عن جابر بن عبد الله “كانت خطبة النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته” حذف المقول اتكالا على ما تقدم وهو قوله: “أما بعد فإن خير الحديث” إلى آخر ما تقدم.

ولم يذكر الشهادة اختصاراً لثبوتها في غير هذه الرواية فقد ثبت أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء” وفي دلائل النبوة للبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعاً حكاية عن الله عز وجل “وجعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي” وكان يذكر في تشهد نفسه باسمه العلم (وفي رواية له) أي لمسلم عن جابر (“من يهده الله فلا مضلَّ له ومن يضلل فلا هادي له”) أي أنه يأتي بهذه الألفاظ بعد “أما بعد” (وللنسائي) أي عن جابر (“وكل ضلالة في النار”) أي بعد قوله “كل بدعة ضلالة” كما هو في النسائي واختصره المصنف والمراد صاحبها.

وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين، ويذكر معالم الشرائع في الخطبة، والجنة والنار والمعاد ويأمر بتقوى الله ويحذر من غضبه ويرغب في موجبات رضاه.

وقد ورد قراءة آية في حديث مسلم: كان لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القران ويذكر الناس ويحذر” وظاهره محافظته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ما ذكر في الخطبة، ووجوب ذلك لأن فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” وذهب إلى هذا الشافعي.

وقالت الهادوية: لا يجب في الخطبة إلا الحمد والصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الخطبتين جميعاً.

وقال أبو حنيفة: يكفي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقال مالك: لا يجزيء إلا ما سمي خطبة.

[رح8] ــــ وَعَنْ عَمّار بن ياسرٍ رضيَ اللَّهُ عَنهُما قالَ: سمعْتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: “إن طولَ صَلاة الرَّجل وَقِصَر خُطْبَتِهِ مَئِنّةٌ من فِقْهِهِ” رواهُ مُسلمٌ.

(وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أي علامة (مِنْ فِقْهِهِ”) أي مما يعرف به فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مَئِنة له (رواه مسلم).

وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة ولذلك كان من تمام هذا الحديث “فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان لسحراً”.

فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة وإفادة المعاني الكثيرة ووقوعه في مجازه من الترغيب والترهيب ونحو ذلك، ولا يقدر عليه إلا من فقه في المعاني وتناسق دلالتها فإنه يتمكن من الإتيان بجوامع الكلم، وكان ذلك من خصائصه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فإنه أوتي جوامع الكلم.

والمراد من طول الصلاة طول الذي لا يدخل فاعله تحت النهي.

وقد كان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي الجمعة بالجمعة والمنافقون وذلك طول بالنسبة إلى خطبته وليس بالتطويل المنهي عنه.

[رح9] ــــ وَعَنْ أُمِّ هشامٍ بنتِ حارثةً رضيَ اللَّهُ عَنْهُما قالت: “ما أَخَذْتُ (ق وَالْقرْآن المجيد) إلّا عَنْ لِسَانِ رسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرَؤها كلَّ جُمُعةٍ على المنبر إذا خَطَبَ النّاسَ” رَوَاهُ مُسلمٌ.

(وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنهما) هي الأنصارية روى عنها حبيب بن عبد الرحمن بن يساف، قال أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: أم هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ولم يذكر اسمها، وذكرها المصنف في التقريب ولم يسمعها أيضاً وإنما قال: صحابية مشهورة (قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس: رواه مسلم).

فيه دليل على مشروعية قراءة سورة “ق” في الخطبة كل جمعة.

قال العلماء: وسبب اختياره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة.

وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة كما سبق وقد قام الإجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، وكانت محافظته على هذه السورة اختياراً منه لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير.

وفيه دلالة على ترديد الوعظ في الخطبة.

[رح10] ــــ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عَنْهُما قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “مَنْ تكلّم يوْمَ الجُمُعةِ والإمامُ يخْطُبُ فَهُو كمَثل الحمار يحملُ أَسفاراً، والذي يقول لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ” رَواهُ أَحمدُ بإسنادٍ لا بأس بهِ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له: أَنصت ليست له جمعة” رواه أحمد بإسناد لا بأس به) وله شاهد قوي في جامع حماد مرسل (وهو) أي حديث ابن عباس (يفسر) الحديث.

[رح11] ــــ عن أَبي هُريرَة رضي اللَّهُ عنْهُ في الصّحيحيّنِ مَرْفوعاً “إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ”.

في قوله “يوم الجمعة” دلالة على أن خطبة غير الجمعة ليست مثلها ينهى عن الكلام حالها.

وقوله “والإمام يخطب” دليل على أنه يختص النهي بحال الخطبة، وفيه رد على من قال إنه ينهى من حال خروج الإمام.

وأما الكلام عند جلوسه بين الخطبتين فهو غير خاطب فلا ينهى عن الكلام حاله. وقيل هو وقت يسير يشبه بالسكوت للتنفس فهو في حكم الخاطب.

وإنما شبه بالحمار يحمل أسفاراً لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع وقد تكلف المشقة وأتعب نفسه في حضور الجمعة، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه.

وفي قوله “ليست له جمعة” دليل على أنه لا صلاة له فإن المراد بالجمعة الصلاة إلا أنها تجزئة إجماعاً فلا بد من تأويل هذا بأنه نفي للفضيلة التي يحوزها من أنصت وهو كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو داود وابن خزيمة بلفظ “من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً” قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأته الصلاة وحرم فضيلة الجماعة.

وقد احتج بالحديث من قال بحرمة الكلام حال الخطبة وهم الهادوية وأبو حنيفة ومالك ورواية عن الشافعي فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر وملاحظة وجه الشبه يدل على قبح ذلك، وكذلك نسبته إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة، وما ذاك إلا ما لحق المتكلم من الوزر الذي يقال الفضيلة فيصير محبطاً لها.

وذهب القاسم وابنا الهادي وأحد قولي أحمد والشافعي إلى التفرقة بين من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها.

ونقل ابن عبد البر الإجماع على وجوب الإنصات على من يسمع خطبة الجمعة إلا عن قليل من التابعين.

وقوله: “إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت” تأكيد في النهي عن الكلام لأنه إذا عد من اللغو وهو أمر بمعروف فأولى غيره، فعلى هذا يجب عليه أن يأمره بالإشارة إن أمكن ذلك.

والمراد بالإنصات قيل: من مكالمة الناس فيجوز على هذا الذكر وقراءة القرآن، والأظهر أن النهي شامل للجميع، ومن فرق فعليه الدليل، فمثل جواب التحية والصلاة على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عند ذكره عند من يقول بوجوبها قد تعارض فيه عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما، وتخصيص أحدهما لعموم الآخر تحكم من دون مرجح.

واختلفوا في معنى قوله “لغوت” والأقرب ما قاله ابن المنير: أن اللغو ما لا يحسن، وقيل بطلت فضيلة جمعتك وصارت ظهراً.

[رح12] ــــ وَعَنْ جابرٍ رضي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “دَخَلَ رَجُلٌ يَوْم الجُمُعةِ والنّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يخطُبُ فَقَالَ: “صَلّيْتَ؟” قالَ: لا، قالَ: “قُمْ فَصَلِّ ركْعَتَيْن” مُتّفقٌ عليه.

الرجل هو سليك الغطفاني سماه في رواية مسلم، وقيل غيره وحذفت همزة الاستفهام من قوله “صليت” وأصله أصليت وفي مسلم قال له: “أصليت” وقد ثبت في بعض طرق البخاري. وسليك بضم السين المهملة بعد اللام مثناة تحتية مصغر. الغطفاني بفتح الغين المعجمة فطاء مهملة بعدها فاء.

وقوله: “صل ركعتين” وعند البخاري وصفهما بخفيفتين، وعند مسلم “وتجوز فيهما” وبوَّب البخاري لذلك بقوله “باب من جاء والإمام يخطب يصلي ركعتين خفيفتين”.

وفي الحديث دليل أن تحية المسجد تصلى حال الخطبة، وقد ذهب إلى هذه طائفة من الآل والفقهاء والمحدثين، ويخفف ليفرغ لسماع الخطبة.

وذهب جماعة من السلف والخلف إلى عدم شرعيتهما حال الخطبة، والحديث هذا حجة عليهم، وقد تأولوه بأحد عشر تأويلا كلها مردودة سردها المصنف في فتح الباري بردودها ونقل ذلك الشارح رحمه الله في الشرح، واستدلوا بقوله تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} ولا دليل في ذلك، لأن هذا خاص وذلك عام، ولأن الخطبة ليست قرآناً وبأنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى الرجل أن يقول لصاحبه والخطيب يخطب أنصت وهو أمر بمعروف وجوابه: أن هذا أمر الشارع وهذا أمر الشارع، فلا تعارض بين أمريه، بل القاعد ينصت والداخل يركع التحية وبإطباق أهل المدينة خلفاً عن سلف، على منع النافلة حال الخطبة.

وهذا الدليل للمالكية وجوابه أنه ليس إجماعهم حجة ولو أجمعوا كما عرف في الأصول على أنه لا يتم دعوى إجماعهم، فقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وصححه أن أبا سعيد أتى ومروان يخطب فصلاهما فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يأمر بهما.

وأما حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير مرفوعاً بلفظ: “إذا دخل أحدكم المسجد والإمام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام” ففيه أيوب بن نهيك متروك وضعفه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطىء.

وقد أخذ من الحديث أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام، وأجيب عنه بأنه هذا الذي صدر منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من جملة الأوامر التي شرعت لها الخطبة، وأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بها دليل على وجوبها. وإليه ذهب البعض.

وأما من دخل الحرم في غير حال الخطبة فإنه يشرع له الطواف فإنه تحته أو لأنه في الأغلب لا يعقد إلا بعد صلاة ركعتي الطواف.

وأما صلاتها قبل صلاة العيد فإن كانت صلاة العيد في جبانة غير مسبلة فلا يشرع لها التحية مطلقاً وإن كانت في مسجد فتشرع.

وأما كونه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما خرج إلى صلاته لم يصل قبلها شيئاً فذلك لأنه حال قدومه اشتغل بالدخول في صلاة العيد ولأنه كان يصليها في الجبانة ولم يصلها إلا مرة واحدة في مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلا دليل فيه على أنها لا تشرع لغيره ولو كانت العيد في مسجد.

[رح13] ــــ وعن ابْنِ عبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما: “أَنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يقرأُ في صَلاة الجُمُعة سورةَ الجّمُعة والمنَافقين” رواهُ مُسْلِمٌ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة) في الأولى (والمنافقين) في الثانية أي بعد الفاتحة فيها لما علم من غيره (رواه مسلم).

وإنما خصهما بهما لما في سورة الجمعة من الحث على حضورها والسعي إليها وبيان فضيلة بعثته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وذكر الأربع الحكم في بعثته من أنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة والحث على ذكر الله. ولما في سورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على التوبة ودعائهم إلى طلب الاستغفار من رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأن المنافقين يكثر اجتماعهم في صلاتها، ولما في آخرها من الوعظ والحث على الصدقة.

[رح14] ــــ ولَهُ عَنِ النُعْمانِ بن بشير رضيَ اللَّهُ عنْهُ “كانَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأَ في الْعِيديْنِ وفي الجُمُعَةِ بـ (سَبّحْ اسْم رَبِّك الأعلى) و (هَلْ أَتاكَ حديثُ الغَاشِيةِ).

(وله) أي لمسلم (عن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ) أي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (في العيدين) الفطر والأضحى أي في صلاتهما (وفي الجمعة) أي في صلاتها (بسبح اسم ربك الأعلى) أي في الركعة الأولى بعد الفاتحة ({وهل أتاك حديث الغاشية}) أي في الثانية بعدها وكأنه كان يقرأ ما ذكره ابن عباس تارة وما ذكره النعمان تارة، وفي سور سبح والغاشية من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ما يناسب قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة، وقد ورد في العيدين أنه كان يقرأ بقاف واقتربت.

[رح 51/624] ـ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى لله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمَعَةِ، ثُم قَالَ: “مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ”. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التَّرْمِذِيَّ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.

(وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: صلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم العيد) في يوم الجمعة، (ثم رخص في الجمعة) أي في صلاتها، (ثم قال: من شاء أن يصلي) أي الجمعة (فليصل) هذا بيان لقوله رخص، وإعلام بأنه كان الترخيص بهذا اللفظ، (رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة).

وأخرج أيضاً أبو داود من حديث أبي هريرة أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون”. وأخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي صالح، وفي إسناده بقية وصحح الدارقطني وغيره إرساله، وفي الباب عن ابن الزبير من حديث عطاء: “أنه ترك ذلك، وأنه سأل ابن عباس فقال: أصاب السنة”.

والحديث دليل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها وتركها وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها، وإلى هذا ذهب الهادي وجماعة إلا في حق الإمام وثلاثة معه. وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها لا تصير رخصة مستدلين بأن دليل وجوبها عام لجميع الأيام، وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما في أسانيدها من المقال.

قلت: حديث زيد بن أرقم قد صححه ابن خزيمة ولم يطعن غيره فيه فهو يصلح للتخصيص، فإنه يخص العام بالآحاد، وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع لظاهر قوله: “من شاء أن يصلي فليصل”. ولفعل ابن الزبير فإنه صلى بهم في يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة، قال عطاء: ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، قال: وكان ابن عباس في الطائف، فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال: أصاب السنة وعنده أيضاً أنه يسقط فرض الظهر ولا يصلي إلى العصير”. وأخرج أبو داود عن ابن الزبير: “أنه قال عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر”. وعلى القول بأن الجمعة الأصل في يومها والظهر بدل فهو يقتضي صحة هذا القول لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل.

وظاهر الحديث أيضاً حيث رخص لهم في الجمعة ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقدير إسقاط الجمعة للظهر يدل على ذلك كما قاله الشارح، وأيد الشارح مذهب ابن الزبير.

قلت: ولا يخفى أن عطاءاً أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله، بل في قول عطاء أنهم صلوا وحدانا أي الظهر ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه، ولا يقال: أن مراده صلوا الجمعة وحدانا فإنها لا تصح إلا جماعة إجماعاً، ثم القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة والظاهر بدل عنها قول مرجوح بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء والجمعة متأخر فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعاً فهي البدل عنه، وقد حققناه في رسالة مستقلة.

[رح 61/724] ـ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمْعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً” رواه مسلم) الحديث دليل على شرعية أربع ركعات بعد الجمعة والأمر بها وإن كان ظهره الوجوب، إلا أنه أخرجه عنه ما وقع في لفظه من رواية ابن الصباح: “من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً” أخرجه مسلم فدل على أن ذلك ليس بواجب والأربع أفضل من الاثنتين لوقوع الأمر بذلك وكثرة فعله لها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، قال في الهدي النبوي: وكان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا صلى الجمعة دخل منزله وصلى ركعتين سنتها، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعاً، قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعاً وإن صلى في بيته صلى ركعتين.

قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر: “أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً، وإذا صلى في بيته صلي ركعتين”، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته.

[رح 71/824] ـ وَعَنَ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أنَّ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ لَهُ: “إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمْعَة فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوح تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لا نَصِلَ صَلاةً بِصَلاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه) هو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي في الأشهر ولد في الثانية من الهجرة وحضر الحجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع سنين (أن معاوية قال: إذا صليت الجمعة فلا تصلها) بفتح حرف المضارعة عن الوصل (بصلاة حتى تتكلم أو تخرج) أي من المسجد (فإن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) أن وما بعده بدل أو عطف بيان من ذلك (رواه مسلم) فيه مشروعية فصل النافلة عن الفريضة وأن لا توصل بها، وظاهر النهي التحريم وليس خاصاً بصلاة الجمعة، لأنه استدل الراوي على تخصيصخ بذكر صلاة الجمعة بحديث يعمها وغيرها.

قيل: والحكمة في ذلك لئلا يشتبه الفرض بالنافلة، وقد ورد أن ذلك هلكة. وقد ذكر العلماء أنه يستحب التحول للنافلة من موضع الفريضة والأفضل أن يتحول إلى بيته، فإن فعل النوافل في البيوت أفضل، وإلا فإلى موضع في المسجد أو غيره، وفيه تكثير لمواضع السجود، وقد أخرج أبو داود من حديث أبو هريرة مرفوعاً: “أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني السبحة”. ولم يضعفه أبو داود، وقال البخاري في صحيحه: ويذكر عن أبي هريرة يرفعه: “لا يتطوع الإمام في مكانه”. ولم يصح النهي.

[رح 81/924] ـ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمْعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ: غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمْعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ”. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من اغتسل) أي للجمعة لحديث: “إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل” أو مطلقاً، (ثم أتى الجمعة) أي الموضع الذي تقام فيه كما يدل له قوله: (فصلى) من النوافل (قدر له ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل) أي زيادة (ثلاثة أيام. رواه مسلم).

فيه دلالة على أنه لا بد في إحرازه لما ذكر من الأجر من الاغتسال إلا أن في رواية لمسلم: “من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة”. وفي هذه الرواية بيان أن غسل الجمعة ليس بواجب وأنه لا بد من النافلة حسبما يمكنه فإنه لم يقدرها بحد فيتم له هذا الأجر ولو اقتصر على تحية المسجد.

وقوله: “أنصت” من الإنصات وهو السكوت وهو غير الاستماع، إذ هو الإصغاء لسماع الشيء، ولذا قال تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} (الأعراف: 204) وتقدم الكلام على الإنصات هل يجب أو لا.

وفيه دلالة على أن النهي عن الكلام إنما هو حال الخطبة لا بعد الفراغ منها ولو قبل الصلاة فإنه لا نهي عنه كما دلت عليه “حتى”.

وقوله “غفر له ما بينه وبين الجمعة” أي ما بين صلاتها وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان أي غفرت له الخطايا الكائنة فيما بينهما.

“وفضل ثلاثة أيام” وغفرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبع حتى تكون عشرة.

وهل المغفور الكبائر أو الصغائر؟ الجمهور على الآخر وأن الكبائر لا يغفرها إلا التوبة.

[رح19] ــــ وعنهُ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقال: “فِيهِ سَاعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلم وَهُوَ قائم يصلي يَسْأَلُ اللَّهُ عَزّ وَجَلَّ شَيْئاً إلا أَعْطاهُ إياهُ. وأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ “وهيَ سَاعةٌ خَفِيفَةٌ”.

(وعنه) أي أبي هريرة (رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذكر يوم الجمعة فقال: “فيه ساعةٌ لا يوافِقُها عبْدٌ مُسْلمٌ وهوَ قائمٌ) جملة حالية أو صفة لعبد والواو لتأكيد لصوق الصفة (يُصَلي) حال ثانية (يسأَلُ الله عزَّ وجلَّ) حال ثالثة (شيئاً إلا أَعطاهُ إياهُ” وأشار) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (بيده يقللها) يحقر وقتها (متفق عليه وفي رواية لمسلم “وهي ساعةٌ خفيفة”) هو الذي أفاده لفظ يقللها في الأولى وفيه إبهام الساعة ويأتي تعيينها.

ومعنى “قائم” أي مقيم لها متلبس بأركانها لا بمعنى حال القيام فقط وهذه الجملة ثابتة في رواية جماعة من الحفاظ وأسقطت في رواية آخرين. وحكي عن بعض العلماء أنه كان يأمر بحذفها من الحديث وكأنه استشكل الصلاة، إذ وقت تلك الساعة إذا كان من بعد العصر فهو وقت كراهة للصلاة وكذا إذا كان من حال جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه، وقد تأولت هذه الجملة بأن المراد منتظراً للصلاة؛ والمنتظر للصلاة في صلاة كما ثبت في الحديث، وإنما قلنا إن المشير بيده هو النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لما في رواية مالك “فأشار النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم” وقيل المشير بعض الرواة.

وأما كيفية الإشارة فهو أنه وضع أنملته على بطن الوسطى أو الخنصر يبين قلتها. وقد أطلق السؤال هنا وقيده في غيره كما عند ابن ماجه “ما لم يسأل الله إثماً” وعند أحمد “ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم”.

[رح20] ــــ وعنْ أبي بُرْدَةَ عن أبيهِ رضي اللَّهُ عنْهُما قال: سَمِعْتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقُولُ: “هِيَ ما بَيْن أَنْ يجلسَ الإمام إلى أَنْ تُقْضى الصَّلاةُ” رواهُ مُسلم وَرَجّح الدَّارَقُطْنيُّ أَنّهُ من قوْلِ أَبي بُرْدةَ.

(وعن أبي برْدة) بضم الموحدة وسكون الراء ودال مهملة هو عامر ابن عبد الله بن قيس، وعبد الله هو أبو موسى الأشعري، وأبو بردة من التابعين المشهورين سمع أباه وعلياً عليه السلام وابن عمر وغيرهم (عن أبيه) أبي موسى الأشعري (قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: “هي) أي ساعة الجمعة (ما بين أن يجلس الإمام) أي على المنبر (إلى أن تُقْضَ الصَّلاة” رواه مسلم ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة).

وقد اختلف العلماء في هذه الساعة وذكر المصنف في فتح الباري عن العلماء ثلاثة وأربعين قولاً وسيشير إليها وسردها الشارح رحمه الله في الشرح، وهذا المروي عن أبي موسى أحدها ورجحه مسلم على ما روى عنه البيهقي وقال: هو أجود شيء في هذا الباب وأصحه وقال به البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب.

قال المصنف: وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين بل تكون في أثنائه لقوله “يقللها” وقوله “خفيفة”.

وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيها فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً وانتهاؤها انتهاء الصلاة.

وأما قوله: إنه رجح الدارقطني أن الحديث من قوله أبي بردة فقد يجاب عنه بأنه لا يكون إلا مرفوعاً فإنه لا مسرح للاجتهاد في تعيين أوقات العبادات ويأتي ما أعله به الدارقطني قريباً.

21 ــــ وفي حديث عَبدِ اللَّهِ بْن سَلَامٍ رضيَ الله عنه عَنْد ابْنِ مَاجَهْ.

(وفي حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه) هو أبو يوسف بن سلام من بني قينقاع إسرائيليّ من ولد يوسف بن يعقوب عليه السلام وهو أحد الأحبار وأحد من شهد له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالجنة روى عنه ابناه يوسف ومحمد وأنس بن مالك وغيرهم مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وسلام بتخفيف اللام قال المبرد: لم يكن في العرب سلام بالتخفيف غيره (عند ابن ماجه) لفظه فيه عن عبد الله بن سلام قال: قلت: ورسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جالس: إنا لنجد في كتاب الله ــــ يعني التوراة ــــ في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله عز وجل شيئاً إلا قضى الله له حاجته، قال عبد الله: فأشار أي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو بعض ساعة قلت: صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: “هي آخر ساعة من ساعات النهار” قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: “إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة” انتهى.

[رح22] ــــ وَجَابرٍ رضي اللَّهُ عنه عِنْد أبي دَاوُدَ وللنسائي: “أَنّها مَا بينَ صَلاةِ العصر إلى غُروب الشّمس” وَقَد اختُلفَ فيها عَلى أَكْثرَ منْ أَرْبعين قوْلاً أَملَيْتُها في شرح البُخاريِّ.

قوله “أنها” بفتح الهمزة مبتدأ خبره ما تقدم من قوله في حديث عبد الله ابن سلام إلى آخره، ورجح أحمد بن حنبل هذا القول رواه عنه الترمذي وقال أحمد: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البر: هو أثبت شيء في هذا الباب، روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: “أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة” ورجحه إسحاق وغيره، وحكي أنه نص الشافعي.

وقد استشكل هذا فإنه ترجيح لغير ما في الصحيح على ما فيه، والمعروف من علوم الحديث وغيرها أن ما في الصحيحين أو في أحدهما مقدم على غيره والجواب أن ذلك حيث لم يكن حديث الصحيحين أو أحدهما مما انتقده الحفاظ كحديث أبي موسى هذا الذي في مسلم فإنه قد أعل بالانقطاع والاضطر: أما الأول فلأنه من رواية مخرمة بن بكير وقد صرح أنه لم يسمع من أبيه فليس على شرط مسلم، وأما الثاني فلأن أهل الكوفة أخرجوه عن أبي بردة غير مرفوع، وأبو بردة كوفي وأهل بلدته أعلم بحديثه من بكير فلو كان مرفوعاً عند أبي بردة لم يقفوه عليه ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب.

وجمع ابن القيم بين حديث أبي موسى وابن سلام بأن الساعة تنحصر في أحد الوقتين وسبقه إلى هذا أحمد بن حنبل (وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولاً أمليتها في شرح البخاري) تقدمت الإشارة إلى هذا، قال الخطابي: اختلف فيها على قولين فقيل: قد رفعت، وهو محكي عن بعض الصحابة. وقيل: هي باقية واختلف في تعيينها، ثم سرد الأقوال ولم يبلغ بها المصنف من العدد وقد اقتصر المصنف هاهنا على قولين كأنهما الأرجح عنده دليلاً.

وفي الحديث بيان فضيله الجمعة لاختصاصها بهذه الساعة.

[رح23] ــــ وَعَن جابرٍ رضيَ الله عنه قال: “مَضَت السُّنّةُ أَنَّ في كلِّ أَرْبَعين فَصَاعداً جُمُعة” رواهُ الدارَقُطْنيُّ بإسنادٍ ضعيف.

(وعن جابر رضي الله عنه) هو ابن عبد الله (قال: مضت السنة أن في كل أربعين فصاعداً جمعة. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف).

وذلك أنه من رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن، وعبد العزيز قال فيه أحمد: اضرب على أحاديثه فإنها كذب أو موضوعة، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج به وفي الباب أحاديث لا أصل لها، وقال عبد الحق: لا يثبت في العدد حديث؛ وقد اختلف العلماء في النصاب الذين بهم تقوم الجمعة.

فذهب إلى وجوبها على الأربعين لا على من دونهم عمر بن عبد العزيز والشافعي وفي كون الإمام أحدهم وجهان عند الشافعية.

وذهب أبو حنيفة والمؤيد وأبو طالب إلى أنها تنعقد بثلاثة مع الإمام وهو أقل عدد تنعقد به فلا تجب إذا لم يتم هذا القدر مستدلين بقوله تعالى: {فاسعوا} قالوا: والخطاب للجماعة بعد النداء للجمعة وأقل الجمع ثلاثة فدل على وجوب السعي على الجمعة للجمعة بعد النداء لها والنداء لا بدّ له من مناد فكانوا ثلاثة مع الإمام ولا دليل على اشتراط ما زاد على ذلك، واعترض بأنه لا يلزم من خطاب الجماعة فعلهم لها مجتمعين وقد صرح في البحر بهذا، واعترض به أهل المذهب لما استدلوا به للمذهب ونقضه بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة} {وجاهدوا} فإنه لا يلزم إيتاء الزكاة في جماعة.

قلت: والحق أن شرطية أي شيء في أي عبادة لا يكون إلا عن دليل ولا دليل هنا على تعين عدد لا من الكتاب ولا من السنة وإذا قد علم أنها لا تكون صلاتها إلا جماعة كما قد ورد بذلك حديث أبي موسى عند ابن ماجة وابن عدي وحديث أبي أمامة عند أحمد والطبراني، والاثنان أقل ما تتم به الجماعة لحديث “الإثنان جماعة” فتتم بهم في الأظهر، وقد سرد الشارح الخلاف والأقوال في كمية العدد المعتبر في صلاة الجمعة فبلغت أربعة عشر قولاً وذكر ما تشبث به كل قائل من الدليل على ما ادعاه بما لا ينهض حجة على الشرطية.

ثم قال: والذي نقل حال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه كان يصليها في جمع كثير غير موقوف على عدد يدل على أن المعتبر وهو الجمع الذي يحصل به الشعار ولا يكون إلا في كثرة يغيظ بها المنافق ويكيد بها الجاحد ويسر بها المصدق، والآية الكريمة دالة على الأمر بالجماعة فلو وقف على أقل ما دلت عليه لم تنعقد. قلت: قد كتبنا رسالة في شروط الجمعة التي ذكروها ووسعنا فيها المقال والاستدلال سميناها: اللمعة في تحقيق شرائط الجمعة.

[رح24] ــــ وَعَن سَمُرة بنِ جُنْدبٍ رضي الله عنه “أَنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ يَسْتَغْفِرُ” للمؤمنينَ والمؤمنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ” رَوَاهُ الْبَزَّارُ بإسْنادٍ لَيِّنٍ.

قلت: قال البزار: لا نعلمه عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا بهذا الإسناد وفي إسناده[تض] البزار يوسف بن خالد السمتي[/تض] وهو ضعيف ورواه الطبراني في الكبير إلا أنه بزيادة “والمسلمين والمسلمات”.

وفيه دليل على مشروعية ذلك للخطيب لأنها موضع الدعاء، وقد ذهب إلى وجوب دعاء الخطيب لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات أبو طالب والإمام يحيى، وكأنهم يقولون إن مواظبته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم دليل الوجوب كما يفيده “كان يستغفر”.

وقال غيرهم: يندب ولا يجب لعدم الدليل على الوجوب قال الشارح: والأول أظهر.

[رح25] ــــ وَعَنْ جابر بنِ سَمُرة رضي اللَّهُ عنهما “أنَّ النّبيَ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانَ في الخُطْبة، يقرأُ آياتٍ مِن القرآن ويُذكِّرُ النّاس” رَواهُ أبو داود وأَصْلُهُ في مُسْلمٍ.

كأنه يريد ما تقدم من حديث أمّ هشام بنت حارثة: أنها قالت ما أخذت “ق والقرآن المجيد” إلا من لسان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرؤها كل جمعة على المنبر” وروى الطبراني في الأوسط من حديث علي عليه السلام: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يقرأ على المنبر (قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) وفيه رجل مجهول وبقية رجاله موثقون وأخرج الطبراني فيه أيضاً من حديث جابر: “أنه خطب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقرأ في خطبته آخر الزمر فتحرّك المنبر مرتين”. وفي رواته ضعيفان.

[رح26] ــــ وَعَنْ طَارقِ بن شِهَابٍ رضي الله عنهُ أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: “الجُمُعةُ حقٌّ وَاجبٌ على كل مُسْلمٍ في جماعةٍ إلا أَربعةً: مملُوكٌ وامرأَةٌ وَصَبيٌّ وَمريض” رواهُ أَبو داود وقالَ: لمْ يَسْمَعْ طارقٌ مِنَ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وأَخرجهُ الحاكمُ منْ روايةِ طارقٍ المذكور عَنْ أَبي موسى.

(وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه) ابن عبد شمس الأحمسي البجلي الكوفي أدرك الجاهلية ورأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وليس له منه سماع وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثاً وثلاثين أو أربعاً وثلاثين غزوة وسرية ومات سنة اثنتين وثمانين (أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “الجمعة حق واجبٌ على كلِّ مُسْلمٍ في جماعةٍ إلا أربعة مملُوكٌ وامرأةٌ وصبيٌّ ومريضٌ” رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) إلا أنه في سنن أبي داود بلفظ “عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض” بلفظ “أو” وكذا ساقه المصنف في التلخيص ثم قال أبو داود: طارق قد رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو من أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولم يسمع منه شيئاً. انتهى (وأخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور عن أبي موسى) يريد المصنف أنه بهذا صار موصولاً. وفي الباب عن تميم الداري وابن عمر ومولى لابن الزبير رواه البيهقي، وحديث تميم فيه أربعة أنفس ضعفاء على الولاء قاله ابن القطان، وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ “ليس على مسافر جمعة” وفيه أيضاً من حديث أبي هريرة مرفوعاً “خمسة لا جمعة عليهم المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية”.

[رح27] ــــ وَعن ابْن عُمَرَ رضي الله عَنْهُمَا قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “لَيْسَ على مُسافر جُمْعَةٌ” رواه الطبراني بإسناد ضعيف).

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “ليس على مُسافر جمْعَةٌ” رواه الطبراين بإسناد ضعيف) ولم يذكر المصنف تضعيفه في التلخيص، ولا بيّن وجه ضعفه.

وإذا عرفت هذا فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة أنفس: الصبي وهو متفق على أنه لا جمعة عليه، والمملوك وهو متفق عليه إلا عند داود فقال بوجوبها عليه لدخوله تحت عموم {يا أيّها الذينَ امنوا إذا نوديَ للصلاةِ} فإنه تقرر في الأصول دخول العبيد في الخطاب وأجيب عنه بأنه خصصته الأحاديث وإن كان فيه مقال فإنه يقوي بعضها بعضاً.

والمرأة وهو مجمع على عدم وجوبها عليها، وقال الشافعي: يستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج، ورواية البحر عنه أنه يقول بالوجوب عليهنّ خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية.

والمريض فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به.

والمسافر لا يجب عليه حضورها وهو يحتمل أن يراد به مباشر السفر وأما النازل فيجب عليه ولو نزل بمقدار الصلاة وإلى هذا ذهب جماعة من الآل وغيرهم. وقيل: لا تجب عليه لأنه داخل في لفظ المسافر وإليه ذهب جماعة من الآل أيضاً، وهو الأقرب لأن أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه ولذا لم ينقل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع لأنه كان مسافراً.

وكذلك العيد تسقط صلاته عن المسافر ولذا لم يرو أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى صلاة العيد في حجته تلك وقد وهم ابن حزم فقال: إنه صلاها في حجته وغلّطه العلماء.

السادس أهل البادية وفي النهاية: أن البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل القرى والمدن. وفي شرح العمدة أن حكم أهل القرى حكم أهل البادية ذكره في شرح حديث “لا يبيع حاضر لباد”.

[رح28] ــــ وعَنْ عبد الله بن مَسْعودٍ رضي الله عنْهُ قالَ: “كانَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذَا اسْتَوى على المِنْبر اسْتَقْبلْناهُ بِوُجُوهِنا” رواه الترمذيُّ بإسناد ضَعيف، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حديث البَراءِ عنْدَ ابن خزَيْمَةَ.

(وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. رواه الترمذي بإسناد ضعيف) لأن فيه[تض] محمد بن الفضل بن عطية[/تض] وهو ضعيف تفرد به وضعفه به الدارقطني وابن عدي وغيرهما (وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة) لم يذكره الشارح ولا رأيته في التلخيص.

والحديث يدل على أن استقبال الناس الخطيب مواجهين له أمر مستمر وهو في حكم المجمع عليه، جزم بوجوبه أبو الطيب من الشافعية، وللهادوية احتمالان فيما إذا تقدم بعض المستمعين على الإمام ولم يواجهوه يصح أو لا يصح. ونص صاحب الأثمار أنه يجب على العدد الذين تنعقد لهم الجمعة المواجهة دون غيرهم.

[رح29] ــــ وَعَنِ الحَكمِ بنِ حَزْنٍ رضيَ الله عَنْهُ قالَ: “شَهِدنا الجُمُعةَ مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَقَامَ مُتوكئاً عَلى عصاً أَوْ قَوْسٍ” رواهُ أبو داود.

(وعن الحكم بن حَزْن رضي الله عنه) بفتح المهملة وسكون الزاي فنون. والحكم قال ابن عبد البر: إنه أسلم عام الفتح وقيل يوم اليمامة وأبوه حزن ابن أبي وهب المخزومي (قال “شهدنا الجمعة مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقام متوكئاً على عصا أو قَوْس. رواه أبو داود) تمامه في السنن “فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات ثم قال: “أيها الناس إنكم لن تطيقوا ــــ أو لن تفعلوا ــــ كل ما أمرتم به ولكن سَدِّدوا ويَسّروا” وفي رواية “وأبشروا” وإسناده حسن وصححه ابن السكن وله شاهد عند أبي داود من حديث البراء: “أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خطب يعتمد على عنزة له”. والعنزة مثل نصف الرمح أو أكبر فيها سنان مثل سنان الرمح.

وفي الحديث دليل على أنه يندب للخطيب الاعتماد على سيف أو نحوه وقت خطبته والحكمة أن في ذلك ربطاً للقلب ولبعد يديه عن العبث فإن لم يجد ما يعتمد عليه أرسل يديه أو وضع اليمنى على اليسرى أو على جانب المنبر ويكره دق المنبر بالسيف إذ لم يؤثر فهو بدعة.

باب صلاة الخوف

[رح1] ــــ عَنْ صَالح بنِ خَوَّات رضي الله عنه عَمّن صّلى معَ رسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَوْمَ ذاتِ الرِّقاع صلاة الخوف “أَنَّ طائفةً صَلّتْ مَعَهُ وطائفَةً وجاه الْعَدُوّ فَصَلى بالذين مَعَهُ ركْعةً ثمَّ ثَبَتَ قائماً وأَتمُّوا لأنْفُسِهم، ثم انْصرَفُوا فصفوا وجاهَ الْعدُوِّ، وجاءَت الطائفة الأخْرَى فَصَلى بهمُ الرَّكْعَةَ التي بَقِيَتْ ثمَّ ثَبَتَ جالساً وأَتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ ثمَّ سَلّم بهمْ” مُتفق عليْهِ وهذا لفْظُ مُسْلم، ووقَعَ في المعْرفة لابن مَنْدَه عَنْ صَالح بن خوَّاتٍ عن أَبيهِ.

(عن صالح بن خوّات رضي الله عنه) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو فمثناة فوقية الأنصاري المدني تابعي مشهور سمع جماعة من الصحابة (عمن صلى مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) في صحيح مسلم عن صالح بن خوات ابن جبير عن سهل بن أبي حثمة، فصرح بمن حدثه في رواية. وفي رواية أبهمه كما هنا (يوم ذات الرِّقاع) بكسر الراء فقاف مخففة آخره عين مهملة هو مكان من نجد بأرض غطفان. سميت الغزوة بذلك لأن أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق كما في صحيح البخاري من حديث أبي موسى وكانت في جمادى الأولى في السنة الرابعة من الهجرة (صلاة الخوف أن طائفة) من أصحابه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (صفت معه وطائفة وجاه) بكسر الواو فجيم مواجهة (العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا) في مسلم فصفوا بالفاء (وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. متفق عليه وهذا لفظ مسلم ووقع في المعرفة) كتاب (لابن منده) بفتح الميم وسكون النون فدال مهملة إمام كبير من أئمة الحديث (عن صالح بن خوات عن أبيه) أي خوات وهو صحابي فذكر المبهم أنه أبوه، وفي مسلم أنه من ذكرناه.

واعلم أن هذه الغزوة كانت في الرابعة كما ذكرناه وهو الذي قاله ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي وتلقاه الناس منهم. قال ابن القيم: وهو مشكل جداً فإنه قد صح أن المشركين حبسوا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهنّ جميعاً وذلك قبل نزول صلاة الخوف. والخندق بعد ذات الرقاع سنة خمس، قال: والظاهر أن أول صلاة صلاها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم للخوف بعسفان، ولا خلاف بينهم أن عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان وقد تبين لنا وهم أهل السير انتهى.

ومن يحتج بتقديم شرعيتها على الخندق على رواية أهل السير يقول: إنها لا تصلى صلاة الخوف في الحضر ولذا لم يصلها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم الخندق.

وهذه الصفة التي ذكرت في الحديث في كيفية صلاتها واضحة وقد ذهب إليها جماعة من الصحابة ومن الآل من بعدهم.

واشترط الشافعي أن يكون العدو في غير جهة القبلة.

وهذا في الثنائية وإن كانت ثلاثية انتظر في التشهد الأول وتتم الطائفة الركعة الثالثة، وكذلك في الرباعية إن قلنا إنها تصلى صلاة الخوف في الحضر وينتظر في التشهد أيضاً.

وظاهر القرآن مطابق لما دل عليه هذا الحديث الجليل لقوله (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فيصلوا معك) وهذه الكيفية أقرب إلى موافقة المعتاد من الصلاة في تقليل الأفعال المنافية للصلاة والمتابعة للإمام…

[رح2] ــــ وعنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهُمَا قالَ: “غَزَوْتُ معَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قِبَلَ نجدٍ فَوازَيْنَا العْدُوَّ فصافَفْنَاهُمْ، فقامَ رَسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي بنا، فَقَامَت طائفةٌ مَعَهُ وأَقبلَت طائفةٌ على العدوّ، وَرَكَعَ بمنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدتَيْن ثمَّ انصرفوا مكانَ الطّائفةِ التي لَمْ تُصَليِّ فجاؤوا فَرَكَعَ بهم ركْعةً وَسَجَدَ سَجْدتْين ثمَّ سلّمَ، فَقَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمْ فركَعَ لنَفْسه رَكْعةً وسَجَدَ سَجْدتَيْنِ” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وهذا لفْظُ البُخاريِّ.

(وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قِبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (نجد) نجد: كل ما ارتفع من بلاد العرب (فوازينا) بالزاي بعدها مثناة تحتية قابلنا (العدو فصاففناهم فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فصلى بنا) في المغازي من البخاري أنها صلاة العصر ثم لفظ البخاري “فصلى لنا” باللام قال المصنف في الفتح: أي لأجلنا ولم يذكر أن فيه رواية بالموحدة وفيه “يصلي” بالفعل المضارع (فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا) أي الذين صلوا معه، ولم يكونوا أتوا بالركعة الثانية ولا سلموا من صلاتهم (مكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. متفق عليه وهذا لفظ البخاري).

قال المصنف: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا ويحتمل أنهم أتموا في حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا استلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود بلفظ “ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا” انتهى.

والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد حتى لو كانوا ثلاثة جاز للإمام أن يصلي بواحد والثالث يحرس ثم يصلي مع الإمام وهذا أقل ما يحصل به جماعة الخوف.

وظاهر الحديث أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتت الطائفة الأولى بعدها، وقد ذهب إلى هذه الكيفية أبو حنيفة ومحمد.

[رح3] ــــ وعن جابر رضيَ الله عَنْهُ قالَ: “شَهِدْتُ مَعَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاة الخوفَ فَصَفّنَا صَفّين: صَفٌّ خَلْفَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم والعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلة، فَكَبّرَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وكبّرْنا جميعاً، ثمَّ ركَعَ وركَعْنَا جميعاً، ثمَّ رَفَعَ رأسَهُ مِن الرُّكوع وَرَفَعْنا جميعاً، ثمَّ انحدَرَ بالسُّجُود والصَّفُّ الذي يليه وقام الصَّفُّ المؤخّرُ في مخر العدوِّ، فلما قضى السجودَ قام الصف الذي يليه” فَذَكر الحديث، وفي روايةٍ: “ثمَّ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ الصَّف الأولُ فلمّا قامُوا سَجَدَ الصفُّ الثّاني ثُمَّ تأَخّرَ الصفُّ الأوّلُ وَتَقَدَمَ الصفُّ الثّاني” فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وفي آخره “ثمَّ سلّمَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وَسلّمْنَا جميعاً” رواهُ مُسْلمٌ.

(وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاة الخوف فصففنا صفين: صفٌّ خلف رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم والعدوُّ بيننا وبين القبلة فكبر النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وكبرنا جميعاً ثم ركع وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه) أي انحدر الصف الذي يليه وهو عطف على الضمير المتصل من دون تأكيد لأنه وقد وقع الفصل (وأقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى السجود وقام الصف الذي يليه فذكر الحديث) تمامه “انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام والصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وسلمنا جميعاً، قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم” انتهى لفظ مسلم.

قوله (وفي رواية) هي في مسلم عن جابر وفيها تعيين القوم الذين حاربوهم ولفظها “غزونا مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قوماً من جهينة فقاتلونا قتالاً شديداً فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذلك فذكر لنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: وقالوا: إنها ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من “الأولاد” فلما حضرت العصر ــــ إلى أن قال: ثم سجد وسجد معه الصف الأول فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فذكر مثله) قال: “فقاموا مقام الأول فكبر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني فلما سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعاً” (وفي أواخره: ثم سلم النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وسلمنا جميعاً. رواه مسلم).

الحديث دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه يخالف ما إذا لم يكن كذلك فإنها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعاً في الصلاة. وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط، فيتابعون الإمام في القيام والركوع، ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام ثم يسجدون عند قيام الصف الأول. ويتقدم المؤخر إلى محل الصف المقدم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من الطائفتين المتابعة في سجدتين.

والحديث يدل أنها لا تكون الحراسة إلا حال السجود فقط دون حال الركوع لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو.

وهذه الكيفية لا توافق ظاهر الآية ولا توافق الرواية الأولى عن صالح ابن خوات ولا رواية ابن عمر إلا أنه قد يقال: إنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال.

4 ــــ ولأبي داودَ عَنْ أَبي عَيّاشٍ الزُّرقيِّ رضي الله عنه مِثلَهُ، وزادَ: “إنّها كانت بعُسْفَانَ”.

(ولأبي داود عن أبي عياش الزرقي مثله) أي مثل رواية جابر هذه (وزاد) تعيين محل الصلاة (أنها كانت بعسفان) بضم العين المهملة وسكون السين المهملة ففاء آخره نون وهو موضع على مرحلتين من مكة كما في القاموس.

[رح5] ــــ وللنّسائيّ مِنْ وَجْهِ آخرَ عَنْ جابرٍ رضيَ الله عنهُ “أَنَّ النبيّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صَلى بطائِفةٍ مِنْ أَصْحابه ركعتينِ ثمَّ صلى بآخرين رَكْعتين ثمَّ سلّمَ”.

(وللنسائي من وجه آخر) غير الوجه الذي أخرجه منه مسلم (عن جابر رضي الله عنه أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم) فصلى بإحداهما فرضاً وبالأخرى نفلاً له.

وعمل بهذا الحسن البصري، وادعى الطحاوي أنه منسوخ بناء منه على أنه لا يصح أن يصلي المفترض خلف المتنفل، ولا دليل على النسخ.

6 ــــ ومِثْلُهُ لأبي داودَ عَنْ أَبي بكْرَةَ رضي اللَّهُ عنه.

(ومثله لأبي داود عن أبي بكرة) وقال أبو داود: وكذلك في المغرب يكون للإمام ست ركعات وللقوم ثلاث ثلاث.

[رح7] ــــ وعَنْ حُذيفة رضيَ اللَّهُ عنه: “أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الخوفِ بهؤلاءِ ركْعَةً وهؤلاءِ ركْعَةً ولمْ يَقْضُوا” رَوَاهُ أَحْمدُ وأَبو داودَ والنسائي وصحّحهُ ابنُ حبان.

8 ــــ ومِثْلُهُ عِنْدَ ابنِ خُزَيْمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله عَنْهُما.

وهذه الصلاة بهذه الكيفية صلاها حذيفة بطبرستان وكان الأمير سعيد ابن العاص فقال: أيكم صلى مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاة الخوف قال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا.

وأخرج أبو داود عن ابن عمر وعن زيد بن ثابت: قال زيد: فكانت للقوم ركعة ركعة وللنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ركعتين. وأخرج عن ابن عباس: قال: فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.

وأخذ بهذا عطاء وطاوس والحسن وغيرهم فقالوا: يصلي في شدة الخوف ركعة يوميء إيماء.

وإن إسحاق يقول: تجزئك عند المسايفة ركعة واحدة تومىء لها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة فإن لم فتكبيرة لأنها ذكر الله”.

[رح9] ــــ وعن ابن عُمَر رضي الله عنهما قال: قالَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “صلاة الخوف ركعةٌ على أيِّ وجهٍ كان” رواهُ البزَّارُ بإسناد ضَعيف.

وأخرج النسائي: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلاها بذي قرد بهذه الكيفية. وقال المصنف: قد صححه ابن حبان وغيره. وأما الشافعي فقال: لا يثبت.

والحديث دليل على أن صلاة الخوف ركعة واحدة في حق الإمام والمأموم وقد قال به الثوري وجماعة، وقال به من الصحابة أبو هريرة وأبو موسى.

واعلم أنه ذكر المصنف في هذا الكتاب خمس كيفيات لصلاة الخوف وفي سنن أبي داود ثماني كيفيات منها هذه الخمس وزاد ثلاثاً.

وقال المصنف في فتح الباري: قد روي في صلاة الخوف كيفيات كثيرة ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر لقوة الإسناد وموافقة الأصول في أن المؤتم لا تتم صلاته قبل الإمام.

وقال ابن حزم: صح منها أربعة عشر وجهاً.

وقال ابن العربي: فيها روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة.

وقال النووي: نحوه في شرح مسلم ولم يبينها.

قال الحافظ: وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي وزاد وجهاً فصارت سبع عشرة ولكن يمكن أن تتداخل.

وقال في الهدي النبوي: صلاها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عشر مرات. وقال ابن العربي: صلاها أربعاً وعشرين مرة.

وقال الخطابي: صلاها النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرّى ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة فهي على اختلاف صورتها متفقة المعنى انتهى.

[رح10] ــــ وعَنْهُ رضي اللَّهُ عنهُ مَرْفوعاً “لَيْسَ في صَلاةِ الخوفِ سَهْوٌ” أَخرجَهُ الدَّارقُطني بإسناد ضَعيف.

وهو مع هذا موقوف قيل ولم يقل به أحد من العلماء.

واعلم أنه قد شرط في صلاة الخوف شروط منها:

السفر فاشترطه جماعة لقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} الآية ولأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يصلها في الحضر وقال زيد بن علي والناصر والحنفية والشافعية: لا يشترط لقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} بناء على أنه معطوف على قوله: {وإذا ضربتم في الأرض} فهو غير داخل في التقييد بالضرب في الأرض ولعل الأوّلين يجعلونه مقيداً بالضرب في الأرض وأن التقدير وإذا كنت فيهم مع هذه الحالة التي هي الضرب في الأرض والكلام مستوفى في كتب التفسير.

ومنها: أن يكون آخر الوقت لأنها بدل من صلاة الأمن لا تجزيء إلا عند اليأس من المبدل منه وهذه قاعدة للقائلين بذلك وهم الهادوية. وغيرهم يقول: تجزيء أوّل الوقت لعموم أدلة الأوقات.

ومنها: حمل السلاح حال الصلاة، اشترطه داود فلا تصح الصلاة إلا بحمله ولا دليل على اشتراطه. وأوجبه الشافعي والناصر للأمر به في الآية ولهم في السلاح تفاصيل معروفة.

ومنها: ألا يكون القتال محرّماً سواء كان واجباً عيناً أو كفاية.

ومنها: أن يكون المصلي مطلوباً للعدوّ لا طالباً. لأنه إذا كان طالباً أمكنه أن يأتي بالصلاة تامّة، أو يكون خاشياً لكرّ العدو عليه. وهذه الشرائط مستوفاة في الفروع مأخوذة من أحوال شرعيتها وليست بظاهرة في الشرطية.

واعلم أن شرعية هذه الصلاة من أعظم الأدلة على عظم شأن الجماعة.

باب صلاة العيدين

[رح1] ــــ عَنْ عَائشةَ رضي اللَّهُ عنها قالت: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “الفطرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النّاسُ والأضحى يَوْمَ يُضَحِّي النّاس” رواهُ التِّرمذيُّ.

وقال الترمذي بعد سياقه: هذا حديث حسن غريب. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث أن معنى هذا: الفطر والصوم مع الجماعة ومعظم الناس بلفظه:

فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية. وقد أخرج الترمذي مثل هذا الحديث عن أبي هريرة وقال: حديث حسن. وفي معناه حديث ابن عباس وقد قال له كريب: إنه صام أهل الشام ومعاوية برؤية الهلال يوم الجمعة بالشام وقدم المدينة آخر الشهر وأخبر ابن عباس بذلك فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه قال: قلت: أولا تكتفي برؤية معاوية والناس؟ قال: لا هكذا أمرنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

وظاهر الحديث أن كريباً ممن رآه وأنه أمره ابن عباس أن يتم صومه وإن كان متيقناً أنه يوم عيد عنده.

وذهب إلى هذا محمد بن الحسن وقال: يجب موافقة الناس وإن خالف يقين نفسه وكذا في الحج لأنه ورد “وعرفتكم يوم تعرفون”.

وخالفه الجمهور وقالوا: إنه يجب عليه العمل في نفسه بما تيقنه وحملوا الحديث على عدم معرفته بما يخالف الناس فإنه إذا انكشف بعد الخطأ فقد أجزأه ما فعل. قالوا: وتتأخر الأيام في حق من التبس عليه وعمل بالأصل وتأولوا حديث ابن عباس بأنه يحتمل أنه لم يقل برؤية أهل الشام لاختلاف المطالع في الشام والحجاز، أو أنه لما كان المخبر واحداً لم يعمل بشهادته، وليس فيه أنه أمر كريباً بالعمل بخلاف يقين نفسه فإنما أخبر عن أهل المدينة وأنهم لا يعملون بذلك لأحد الأمرين.

[رح2] ــــ وَعَنْ أَبي عُميْر بنِ أَنسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُما عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ من أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم “أَنَّ رَكْباً جاءُوا إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يشهدون أَنّهُمْ رأَوُا الهِلالَ بالأمْسِ فأَمَرَهُم أَنْ يُفْطروا وإذا أَصْبحُوا أَنْ يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهُمْ” رواهُ أَحْمَدُ وأَبُو داودَ وهذا لَفْظُهُ وإسنَادُهُ صحيحٌ.

(وعن أبي عمير) هو أبو عمير (ابن أنس بن مالك رضي الله عنهما) الأنصاري يقال: إن اسمه عبد الله وهو من صغار التابعين روى عن جماعة من الصحابة وعمّر بعد أبيه زماناً طويلاً (عن عمومةٍ له من أصحاب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن ركباً جاءوا إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم) النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم. رواه أحمد وأبو داود وهذا لفظه وإسناده صحيح) وأخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم. وقول ابن عبد البر إن أبا عمير مجهول مردود بأنه قد عرفه من صحح له.

الحديث دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام القراءة للفاتحة، وغيرها، لمن لا يحسن ذلك، وظاهره: أنه لا يجب عليه تعلم القران ليقرأ به في الصلاة، فإن معنى لا أستطيع: لا أحفظ الان منه شيئاً، فلم يأمره بحفظه، وأمره بهذه الألفاظ، مع أنه يمكنه حفظ الفاتحة، كما يحفظ هذه. وقد تقدم في حديث المسيء صلاته.

والحديث دليل على أن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني حيث انكشف العيد بعد خروج وقت الصلاة.

وظاهر الحديث الإطلاق بالنظر إلى وقت الصلاة، وأنه وإن كان وقتها باقياً حيث لم يكن ذلك معلوماً من أول اليوم، وقد ذهب إلى العمل به الهادي والقاسم وأبو حنيفة لكن شرط أن لا يعلم إلا وقد خرج وقتها فإنها تقضى في اليوم الثاني فقط في الوقت الذي تؤدى فيه في يومها، قال أبو طالب: بشرط أن يترك اللبس كما ورد في الحديث، وغيره يعمم العذر سواء كان للبس أو لمطر وهو مصرح به في كتب الحنفية قياساً لغير اللبس عليه.

ثم ظاهر الحديث أنها أداء لا قضاء.

وذهب مالك أنها لا تقضى مطلقاً كما لا تقضى في يومها.

وللشافعية تفاصيل أخر ذكرها في الشرح وهذا الحديث ورد في عيد الإفطار وقاسوا عليه الأضحى وفي الترك للبس وقاسوا عليه سائر الأعذار وفي القياس نظر إذا لم يتعين معرفة الجامع والله أعلم.

[رح3] ــــ وَعَنْ أَنَسٍ رَضي اللَّهُ عنهُ قالَ: “كانَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا يغْدُو يوْمَ الفِطْر حتى يأكُلَ تَمَراتِ” أَخْرَجَهُ البخاريُّ. وفي روايةٍ مُعَلّقةٍ ووصلها أَحْمَدُ “وَيَأكُلُهُنَّ أفراداً”.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يغدو) أي يخرج وقت الغداة (يوم الفطر) أي إلى المصلى (حتى يأكل تمرات. أخرجه البخاري، وفي رواية معلقة) أي للبخاري علقها عن أنس (ووصلها أحمد “ويأكلهن أفراداً”) وأخرجه البخاري في تاريخه وابن حبان والحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: حتى يأكل تمرات ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أقل من ذلك أو أكثر وتراً.

والحديث يدل على مداومته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ذلك.

قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن لايظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل لما وقع وجوب الفطر عقيب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله.

قال ابن قدامة: ولا نعلم في استحباب تعجيل الأكل في هذا اليوم قبل الصلاة خلافاً.

قال المصنف في الفتح: والحكمة في استحباب التمر ما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم، أو لأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به المنام ويرقق القلب ومن ثمة استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقاً.

قال المهلب: وأما جعلهن وتراً فللإشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان يفعل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في جميع أموره تبركاً بذلك.

[رح4] ــــ وعَن ابْنِ بُرَيْدةَ عَنْ أَبيهِ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما قال: “كانَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا يخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حتى يطْعَمَ ولا يَطْعَمُ يَوْمَ الأضحى حتّى يُصَلي” رَواهُ أَحْمَدُ والترمذي وصحّحه ابْنُ حِبّان.

(وعن ابن بريدة رضي الله عنه) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية ودال مهملة (عن أبيه) هو بريدة بن الحصيب تقدم، واسم ابن بريدة: عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها ثقة من الثالثة قاله المصنف في التقريب (قال: كان النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي. رواه أحمد) وزاد فيه: فيأكل من أضحيته (والترمذي وصححه ابن حبان) وأخرجه أيضاً ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان وفي رواية البيهقي زيادة: وكان إذا رجع أكل من كبد أضحيته. قال الترمذي: وفي الباب عن علي وأنس، ورواه الترمذي أيضاً عن ابن عمر وفيها ضعف.

والحديث دليل على شرعية الأكل يوم الفطر قبل الصلاة وتأخيره يوم الأضحى إلى ما بعد الصلاة.

والحكمة فيه هو أنه لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي كان الأهم الابتداء بأكلها شكراً لله على ما أنعم به من شرعية النسكية الجامعة لخير الدنيا وثواب الآخرة.

[رح5] ــــ وَعَن أُمِّ عطيّة رضيَ الله عَنْهَا قالت: “أُمِرْنا أَنْ نُخْرِجَ الْعواتِقَ والحُيّضَ في العيديْنِ، يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدعْوَةَ المسْلمينَ، ويعْتَزلُ الحُيّضُ المصلى” مُتّفقٌ علَيه.

(وعن أم عطية رضي الله عنها) هي الأنصارية اسمها نسيبة بنت الحرث وقيل بنت كعب كانت تغزو مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كثيراً تداوي الجرحى وتمرض المرضى، تعدّ في أهل البصرة، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت لأنها شهدت غسل بنت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فحكمت ذلك وأتقنت، فحديثها أصل في غسل الميت، ويأتي حديثها هذا في كتاب الجنائز (قالت: أُمرنا) مبني للمجهول للعلم بالآمر، وأنه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وفي رواية للبخاري: “أمرنا نبينا” (أن نُخْرج) أي إلى المصلى (العواتق) البنات الأبكار البالغات والمقاربات للبلوغ (والحيض) هو أعم من الأول من وجه (في العيدين يشهدن الخير) هو الدخول في فضيلة الصلاة لغير الحيض (ودعوة المسلمين) تعم الجميع (ويعتزل الحيض المصلى. متفق عليه) لكن لفظه عند البخاري: “أمرنا أن نخرج العواتق ذوات الخدور ــــ أو قال: العواتق وذوات الخدور فيعتزلن الحيض المصلى”. ولفظ مسلم: “أَمرنا يعني النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن نخرج العواتق وذوات الخدور وأَمرَ الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين”.

فهذا اللفظ الذي أتى به المصنف ليس لفظ أحدهما.

والحديث دليل على وجوب إخراجهن. وفيه أقوال ثلاثة.

“الأول” أنه واجب وبه قال الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعلي. ويؤيد الوجوب ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عباس: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يخرج نساءه وبناته في العيدين”. وهو ظاهر في استمرار ذلك منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو عام لمن كانت ذات هيئة وغيرها وصريح في الشواب وفي العجائز بالأولى.

“والثاني” سنة وحمل الأمر بخروجهن على الندب قاله جماعة وقواه الشارح مستدلاً بأنه علل خروجهن بشهود الخير ودعوة المسلمين قال: ولو كان واجباً لما علل بذلك ولكان خروجهن لأداء الواجب عليهنّ لامتثال الأمر “قلت”: وفيه تأمل فإنه قد يعلل الواجب بما فيه من العوائد ولا يعلل بأدائه.

وفي كلام الشافعي في الأم التفرقة بين ذوات الهيئات والعجائز فإنه قال: أحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئات من النساء الصلاة وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحباباً.

و “الثالث” أنه منسوخ قال الطحاوي: إن ذلك كان في صدر الإسلام للاحتياج في خروجهنّ لتكثير السواد فيكون فيه إرهاب للعدو ثم نسخ. وتعقب أنه نسخ بمجرد الدعوى ويدفعه أن ابن عباس شهد خروجهنّ وهو صغير وكان ذلك بعد فتح مكة، ولا حاجة إليهنّ لقوة الإسلام حينئذ، ويدفعه أنه علل في حديث أم عطية حضورهنّ لشهادتهنّ الخير ودعوة المسلمين. ويدفعه أنه أفتت به أم عطية بعد وفاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بمدة ولم يخالفها أحد من الصحابة.

وأما قول عائشة: “لو رأى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما أحدث النساء لمنعهنّ عن المساجد): فهو لا يدل على تحريم خروجهنّ ولا على نسخ الأمر به بل فيه دليل على أنهنّ لا يمنعن لأنه لم يمنعهنّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بل أمر بإخراجهنّ فليس لنا أن نمنع ما أمر به.

[رح6] ــــ وعن ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: “كانَ رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وَأَبُو بكر وعُمَرُ يصلونَ العِيديْنِ قَبْلَ الخُطْبةِ” مُتّفقٌ عليه.

فيه دليل على أن ذلك هو الأمر الذي داوم عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وخليفتاه واستمروا على ذلك.

وظاهره وجوب تقديم الصلاة على الخطبة، ونقل الإجماع على عدم وجوب الخطبة في العيدين، ومستنده ما أخرجه النسائي وابن ماجه وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم العيد فلما قضى صلاته قال: “إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب” فكانت غير واجبة فلو قدمها لم تشرع إعادتها وإن كان فاعلاً خلاف السنة.

وقد اختلف من أول من خطب قبل الصلاة؟ ففي مسلم أنه مروان، وقيل: سبقه إلى ذلك عثمان كما رواه ابن المنذر بسند صحيح إلى الحسن البصري قال: “أول من خطب قبل الصلاة عثمان”. أي صلاة العيد.

وأما مروان فإنه إنما قدم الخطبة لأنه قال لما أنكر عليه أبو سعيد: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، قيل إنهم كانوا يتعمدون ترك استماع الخطبة لما فيها من سب من لا يستحق السب والإفراط في مدح بعض الناس.

وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية… وعلى كل تقدير فإنه بدعة مخالف لهديه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وقد اعتذر لعثمان بأنه كثر الناس في المدينة وتناءت البيوت فكان يقدم الخطبة ليدرك من بعد منزله الصلاة وهو رأي مخالف لهديه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

[رح7] ــــ وعن ابْنِ عَبّاسٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُما “أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صَلى يَوْمَ العيدِ رَكْعَتَيْنِ لمْ يُصَل قَبْلَهُمَا ولا بَعْدهُما” أَخْرجَهُ السّبْعة.

هو دليل على أن صلاة العيد ركعتان وهو إجماع فيمن صلى مع الإمام في الجبانة وأما إذا فاتته صلاة الإمام فصلى وحده فكذلك عند الأكثر.

وذهب أحمد والثوري إلى أنه يصلي أربعاً.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود “من فاتته صلاة العيد مع الإمام فليصل أربعاً” وهو إسناد صحيح.

وقال إسحاق: إن صلاها في الجبانة فركعتين وإلا فأربعاً.

وقال أبو حنيفة: إذا قضى صلاة العيد فهو مخير بين اثنتين وأربع.

وصلاة العيد مجمع على شرعيتها مختلف فيها على أقوال ثلاثة.

(الأول) وجوبها عيناً عند الهادي وأبي حنيفة وهو الظاهر من مداومته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم والخلفاء من بعده وأمره بإخراج النساء، وكذلك ما سلف من حديث أمرهم بالغدوّ إلى مصلاهم، فالأمر أصله الوجوب، ومن الأدلة قوله تعالى: {فصلِ لربك وانحر} على من يقول المراد به صلاة النحر، وكذلك قوله تعالى: {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى} (الأعلى: 41، 51) فسرها الأكثر بزكاة الفطر وصلاة عيده.

الثاني:أنها فرض كفاية لأنها شعار وتسقط بقيام البعض به كالجهاد ذهب إليه أبو طالب وآخرون.

الثالث: أنها سنة مؤكدة ومواظبته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عليها دليل تأكيد سنيتها وهو قول زيد بن عليّ وجماعة قالوا: لقوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “خمس صلوات كتبهن الله على العباد” وأجيب بأنه استدلال بمفهوم العدد، وبأنه يحتمل كتبهن كل يوم وليلة. وفي قوله: “لم يصل قبلها ولا بعدها”. دليل على عدم شرعة النافلة قبلها ولا بعدها لأنه إذا لم يفعل ذلك ولا أمر به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فليس بمشروع في حقه فلا يكون مشروعاً في حقنا ويأتي حديث أبي سعيد فإن فيه الدلالة على ترك ذلك إلا أنه يأتي في حديث سعيد: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يصلي بعد العيد ركعتين في بيته”. وصححه الحاكم فالمراد بقوله هنا ولا بعدها أي في المصلي.

[رح 8/854] ـ وَعَنْهُ رَضِيَ الله عَنْهُ: “أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الْعِيدَ بِلا أَذَانٍ، وَلا إِقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.

(وعنه) أي ابن عباس (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة. أخرجه أبو داود وأصله في البخاري) وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن المسيب: “أن أول من أحدث الأذان لصلاة العيد معاوية”، ومثله رواه الشافعي عن الثقة وزاد “وأخذ به الحجاج حين أمر على المدينة”، وروى ابن المنذر: “أن أول من أحدثه زياد بالبصرة”، وقيل: أول من أحدثة مروان، وقال ابن أبي حبيب: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير وأقام أيضاً، وقد روى الشافعي عن الثقة عن الزهري: “أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يأمر المؤذن في العيد أن يقول الصلاة جامعة”. قال في الشرح: وهذا مرسل يعتضد بالقياس على الكسوف لثبوت ذلك فيه، قلت: وفيه تأمل:.

[رح 9/954] ـ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئاً، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ”. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

(وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. رواه ابن ماجه بإسناد حسن) وأخرجه الحاكم وأحمد، وروى الترمذي عن ابن عمر نحوه وصححه وهو عند أحمد والحاكم، وله طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط لكن فيه جابر الجعفي وهو متروك، والحديث يدل على أنه شرع صلاة ركعتين بعد العيد في المنزل، وقد عارضه حديث ابن عمر عند أحمد مرفوعاً: “لا صلاة يوم العيد لا قبلها ولا بعدها” والجمع بينهما بأن المراد لا صلاة في الجبانة.

[رح 01/064] ـ وَعَنْهُ قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْء يَبْدَأُ بِهِ الصَّلاةَ، ثُمّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ ـ وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ ـ فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ”. مُتَّفَقَ عَلَيْهِ.

(وعنه) أي أبي سعيد (قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم. متفق عليه) فيه دليل على شرعية الخروج إلى المصلى والمتبادر منه الخروج إلى موضع غير مسجده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو كذلك فإن مصلاه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم محل معروف بينه وبين باب مسجده ألف ذراع، قاله عمر ابن شبة في أخبار المدينة.

وفي الحديث دلالة على تقديم الصلاة على الخطبة وتقدم، وعلى أنه لا نفل قبلها وفي قوله: “يقوم مقابل الناس” دليل على أنه لم يكن في مصلاه منبر، وقد أخرج ابن حبان في رواية: “خطب يوم عيد على راحلته”. وقد ذكر البخاري في تمام روايته عن أبي سعيد: “أن أول من اتخذ المنبر في مصلى العيد مروان”. وأن كان قد روى عمر بن شبة: “أن من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان فعله مرة ثم تركه حتى أعاده مروان”، وكأن أبا سعيد لم يطلع على ذلك. وفيه دليل على مشروعية خطبة العيد وأنها كخطب الجمع أمر ووعظ وليس فيه أنها خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد بينهما ولعله لم يثبت ذلك من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وإنما صنعه الناس قياساً على الجمعة.

[رح 11/164] ـ وَعَنْ عَمْروِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جِدِّهِ رَضِيَ الله عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ نَّبِيُّ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى وَخَمْسٌ فِي الأُخْرَى، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتْيِهِمَا”. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ.

(وعن عمرو بن شعيب) هو أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع أباه وابن المسيب وطاوساً، وروي عنه الزهري وجماعة، ولم يخرج الشيخان حديثه وضمير أبيه وجده إن كان معنا أن أباه شعيباً روى عن جده محمد أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: كذا فيكون مرسلاً، لأن جده محمداً لم يدرك النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وإن كان الضمير الذي في أبيه عائداً إلى شعيب والضمير في جده إلى عبد الله فيراد أن شعيباً روى عن جده عبد الله فشعيب لم يدرك جده عبد الله، فلهذه العِلَّة لم يخرجا حديثه، وقال الذهبي: قد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله، وقد احتج به أرباب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، (عن أبيه عن جده قال: قال نبي الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “التكبير في الفطر” أي في صلاة عيد الفطر (سبع في الأولى) أي في الركعة الأولى، (وخمس في الأخيرة) أي الركعة الأخرى، و (القراءة) الحمد وسورة (بعدهما” أخرجه أبو داود ونقل الترمذي عن البخاري تصحيحه) ، وأخرجه أخمد وعليّ بن المديني، وصححاه، وقد رووه من حديث عائشة وسعد القرظي وابن عباس وابن عمر وكثير بن عبد الله، والكل فيه ضعفاء، وقد روي عن عليّ عليه السلام وابن عباس موقوفاً، قال ابن رشد: إنما صاروا إلى الأخذ بأقوال الصحابة في هذه المسألة لأنه لم يثبت فيها عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم شيء.

قلت: وروي العقيلي عن أحمد بن حنبل أنه قال: ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح. هذا والحديث دليل على أنه يكبر في الأولى من ركعتي العيد سبعاً، ويحتمل أنها بتكبيرة الافتتاح وأنها من غيرها والأوضح أنها من دونها وفيها خلاف، وقال في الهدي النبوي: إن تكبيرة الافتتاح منها إلا أنه لم يأت بدليل، وفي الثانية خمساً وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم وخالف آخرون فقالوا: خمس في الأولى وأربع في الثانية، وقيل: ثلاث في الأولى وثلاث في الثانية، وقيل: ست في الأولى وخمس في الثانية.

قلت: والأقرب العمل بحديث الباب، فإنه وإن كان كل طرقه واهية، فإنه يشد بعضها بعضاً ولأن ما عداه من الأقوال ليس فيها سنة يعمل بها، وفي الحديث دليل على أن القراءة بعد التكبير في الركعتين، وبه قال الشافعي ومالك وذهب الهادي إلى أن القراءة قبلها فيهما واستدل له في البحر بما لا يتم دليلاً وذهب الباقر وأبو حنيفة إلى أنه يقدم التكبير في الأولى ويؤخر في الثانية ليوالي بين القراءتين. واعلم أن قول المصنف أنه نقل الترمذي عن البخاري تصحيحه.

وقال في تلخيص الحبير: إنه قال البخاري والترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب، فلا أدري من أي نقله عن الترمذي فإن الترمذي لم يخرج في سننه رواية عمرو بن شعيب أصلاً بل أخرج رواية كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وقال: حديث جد كثير أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وقال: وفي الباب عن عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو ولم يذكر عن البخاري شيئاً، وقد وقع البيهقي في السنن الكبرى هذا الوهم بعينه إلا أنه ذكره بعد روايته لحديث كثير فقال: قال أبو عيسى: سألت محمداً يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصح منه قال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا الباب هو صحيح أيضاً، انتهى كلام البيهقي.

ولم نجد في الترمذي شيئاً مما ذكره، وقد نبه في تنقيح الأنظار على شيء من هذا، وقال: والعجب أن ابن النحوي ذكر في خلاصته عن البيهقي أن الترمذي قال: سألت محمداً عنه إلخ، وبهذا يعرف أن المصنف قلد في النقل عن الترمذي عن البخاري الحافظ البيهقي، ولهذا لم ينسب حديث عمرو بن شعيب إلا إلى أبي دادو، والأولى العمل بحديث عمرو لما عرفت، وأنه أشفى شيء في الباب، وكان صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يسكت بين كل تكبيرتين سكتة لطيفة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرتين ولكن ذكر الخلال عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن مسعود “أن بين كل تكبيرتين قدر كلمتين” وهو موقوف. وفيه[تض] سليمان بن أرقم[/تض] ضعيف، وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة.

[رح12] ــــ وعنْ أَبي واقِدٍ الليثيِّ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: “كانَ النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَقْرَأُ في الْفِطْر والأضحى بقاف واقْتَرَبَتْ” أَخْرجهُ مُسْلمٌ.

(وعن أبي واقد) بقاف ومهملة اسم فاعل من وقد اسمه: الحارث بن عوف الليثي قديم الإسلام قيل إنه شهد بدراً، وقيل إنه من مسلمة الفتح، والأول أصح. عداده في أهل المدينة، وجاور بمكة، ومات بها سنة ثمان وستين (الليثي رضي الله عنه قال: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقرأ في الفطر والأضحى بـ “قاف”) أي في الأولى بعد الفاتحة (واقتربت) أي في الثانية بعدها (أخرجه مسلم).

فيه دليل على أن القراءة بهما في صلاة العيد سنة، وقد سلف أنه يقرأ فيهما بسبح والغاشية. والظاهر أنه كان يقرأ هذا تارة وهذا تارة، وقد ذهب إلى سُنية ذلك الشافعي ومالك.

[رح13] ــــ وَعَنْ جابرٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “كانَ رسولُ اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إذا كانَ يوْمُ الْعيدِ خَالَفَ الطّريقَ” أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ.

يعني أنه يرجع من مصلاه من جهة غير الجهة التي خرج منها إليه.

قال الترمذي: أخذ بهذا بعض أهل العلم واستحبه للإمام وبه يقول الشافعي انتهى. وقال به أكثر أهل العلم، ويكون مشروعاً للإمام والمأموم الذي أشار إليه بقوله:

14 ــــ وَلأبي دَاوُدَ عن ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهما نَحْوُهُ.

ولفظه في السنن عن ابن عمر “أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق أخرى”.

وفيه دليل أيضاً على ما دل عليه حديث جابر. واختلف في وجه الحكمة في ذلك. فقيل: ليسلم على أهل الطريقين: وقيل: لينال بركته الفريقان: وقيل: ليقضي حاجة من له حاجة فيهما وقيل: ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله ومقام شعائره، وقيل: لتكثر شهادة البقاع فإن الذاهب إلى المسجد أو المصلى إحدى خطواته ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة حتى يرجع إلى منزله وقيل: وهو الأصح أنه لذلك كله من الحكم التي لا يخلو فعله عنها وكان ابن عمر مع شدة تحريه للسنة يكبر من بيته إلى المصلى.

[رح15] ــــ وَعَنْ أَنَسٍ رَضَي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَدمَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم المدينة وَلهُم يَوْمان يَلْعبُون فيهما فقَالَ: “قَدْ أَبْدلَكمُ الله بِهِمَا خَيْراً منهما: يومَ الأضحْى ويوْمَ الْفِطْر” أَخْرَجَهُ أَبو داوُد والنسائي بإسنْادٍ صحيح.

الحديث يدل على أنه قال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذلك عقيب قدومه المدينة كما تقتضيه الفاء.

والذي في كتب السير أن أول عيد شرع في الإسلام عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.

وفيه دليل على أن إظهار السرور في العيدين مندوب، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده، إذ في إبدال عيد الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقتين (قلت): هكذا في الشرح ومراده من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور ولا شاغل عن طاعة.

وأما التوسعة على العيال في الأعياد بما حصل لهم من ترويح البدن وبسط النفس من كلف العبادة فهو مشروع.

وقد استنبط بعضهم كراهية الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم، وبالغ في ذلك الشيخ الكبير أبو حفص البستي من الحنفية وقال: من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم فقد كفر بالله.

[رح16] ــــ وعَنْ علي رَضيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: “مِنَ السُّنّةِ أَنْ تَخْرُج إلى العِيدِ مَاشياً” رواهُ التّرْمِذيُّ وحَسّنهُ.

تمامه من الترمذي “وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج”.

قال أبو عيسى: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج.

قال أبو عيسى: ويستحب أن لا يركب إلا من عذر انتهى.

ولم أجد فيه أنه حسّنه ولا أظن أنه يحسّنه لأنه رواه من طريق الحارث الأعور وللمحدثين فيه مقال.

وقد أخرج الزهري مرسلاً: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما ركب في عيد ولا جنازة. وكان ابن عمر يخرج إلى العيد ماشياً ويعود ماشياً.

وتقييد الأكل بقبل الخروج بعيد الفطر لما مر من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، وروى ابن ماجه من حديث أبي رافع وغيره: “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً”. ولكنه بوب البخاري في الصحيح عن المضى والركوب إلى العيد فقال: “باب المضي والركوب إلى العيد” فسوى بينهما كأنه لما رأى من عدم صحة الحديث فرجع إلى الأصل في التوسعة.

[رح17] ــــ وعنْ أبي هُرَيرة رضيَ اللَّهُ عَنْهُ: “أَنّهُمْ أصَابُهم مطَرٌ في يَوْم عيدٍ فصَلى بهمُ النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صَلاةَ الْعيدِ في المسجدِ” رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ بإسْنادٍ لَيِّن.

لأن في إسناده رجلاً مجهولاً، ورواه ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف.

وقد اختلف العلماء على قولين هل الأفضل في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة أو الصلاة في مسجد البلد إذا كان واسعاً؟

الثاني قول الشافعي أنه إذا كان مسجد البلد واسعاً صلوا فيه ولا يخرجون فكلامه يقضي أن العلة في الخروج طلب الاجتماع، ولذا أمر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإخراج العواتق وذات الخدور، فإذا حصل ذلك في المسجد فهو أفضل ولذلك فإن أهل مكة لا يخرجون لسعة مسجدها وضيق أطرافها وإلى هذا ذهب الإمام يحيى وجماعة قالوا: الصلاة في المسجد أفضل.

والقول الأول للهادوية ومالك أن الخروج إلى الجبانة أفضل ولو اتسع المسجد للناس. وحجتهم محافظته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ذلك ولم يصل في المسجد إلا لعذر المطر ولا يحافظ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا على الأفضل ولقول عليّ عليه السلام فإنه روي أنه خرج إلى الجبانة لصلاة العيد وقال: “لولا أنه السنة لصليت في المسجد، واستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد” قالوا: فإن كان في الجبانة مسجد مكشوف فالصلاة فيه أفضل وإن كان مسقوفاً ففيه تردد.

(فائدة) التكبير في العيدين مشروع عند الجماهير، فأما تكبير عيد الإفطار فأوجبه الناصر لقوله تعالى: {ولتكبِّروا الله على ما هداكم} والأكثر أنه سنة، ووقته مجهول مختلف فيه على قولين.

فعند الأكثر أنه من عند خروج الإمام للصلاة إلى مبتدأ الخطبة، وذكر فيه البيهقي حديثين وضعفهما، لكن قال الحاكم: هذه سنة تداولها أئمة الحديث وقد صحت به الرواية عن ابن عمر وغيره من الصحابة.

والثاني للناصر أنه من مغرب أول ليلة من شوال إلى عصر يومها خلف كل صلاة.

وعند الشافعي إلى خروج الإمام أو حتى يصلي أو حتى يفرغ من الخطبة. أقوال عنه.

وأما صفته ففي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى سلمان “أنه كان يعلمهم التكبير ويقول: كبروا الله أكبر الله أكبر كبيراً أو قال كثيراً اللهم أنت أعلى وأجل من أن تكون لك صاحبة أو يكون لك ولد أو يكون لك شريك في الملك أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيراً اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا”.

وأما تكبير عيد النحر فأوجبه أيضاً الناصر لقوله تعالى: {واذكروا الله في ايام معدودات} ولقوله {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم} ووافقه المنصور بالله.

وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة للرجال والنساء ومنهم من خصه بالرجال.

وأما وقته فظاهر الآية الكريمة والآثار عن الصحابة أنه لا يختص بوقت دون وقت، إلا أنه اختلف العلماء فمنهم من خصه بعقيب الصلاة مطلقاً، ومنهم من خصه بعقيب الفرائض دون النوافل، ومنهم من خصه بالجماعة دون الفرادى، وبالمؤداة دون المقضية وبالمقيم دون المسافر، وبالأمصار دون القرى.

وأما ابتداؤه وانتهاؤه ففيه خلاف أيضاً فقيل في الأول من صبح يوم عرفة، وقيل من ظهره، وقيل من عصره.

وفي الثاني إلى ظهر ثالثه، وقيل إلى آخر أيام التشريق، وقيل إلى ظهره، وقيل إلى عصره، ولم يثبت عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ذلك حديث واضح، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود “أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى”، أخرجهما ابن المنذر.

وأما صفته فأصح ما ورد فيه ما رواه عبد الرازق عن سلمان بسند صحيح “قال: كبروا الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيراً” وقد روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي ليلى وقول الشافعي وزاد فيه “ولله الحمد” وفي الشرح صفات كثيرة واستحسانات عن عدة من الأئمة، وهو يدل على التوسعة في الأمر وإطلاق الآية يقتضي ذلك.

واعلم أنه لا فرق بين تكبير عيد الإفطار وعيد النحر في مشروعية التكبير لاستواء الأدلة في ذلك وإن كان المعروف عند الناس إنما هو تكبير عيد النحر.

وقد ورد الأمر في الآية بالذكر في الأيام المعدودات والأيام المعلومات، وللعلماء قولان.

منهم من يقول هما مختلفان، فالأيام المعدودات أيام التشريق والمعلومات أيام العشر ذكره البخاري عن ابن عباس تعليقاً ووصله غيره، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس”إن المعلومات: التي قبل أيام التروية ويوم عرفة. والمعدودات: أيام التشريق” وإسناده صحيح وظاهره إدخال يوم العيد في أيام التشريق. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أيضاً “إن المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده” ورجحه الطحاوي لقوله {ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} فإنها تشعر بأن المراد أيام النحر انتهى.

وهذا لا يمنع تسمية أيام العشر معلومات ولا أيام التشريق معدودات بل تسمية التشريق معدودات متفق عليه لقوله تعالى: {واذكروا الله في ايام معدودات} وقد ذكر البخاري عن أبي هريرة وابن عمر تعليقاً: أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. وذكر البغوي والبيهقي ذلك. قال الطحاوي: كان مشايخنا يقولون بذلك أيام العشر جميعها.

(فائدة ثانية) يندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب في يوم العيد ويزيد في الأضحى الضحية بأسمن ما يجد لما أخرجه الحاكم من حديث الحسن السبط قال: “أمرنا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد: البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وأن نظهر التكبير والسكينة والوقار”. قال الحاكم بعد إخراجه من طريق إسحاق بن بزرج: لولا جهالة إسحاق هذا لحكمت للحديث بالصحة (قلت): ليس بمجهول فقد ضعفه الأزدي ووثقه ابن حبان. ذكره في التلخيص.

باب صلاة الكسوف

[رح1] ــــ عَنِ المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ رضي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: انْكَسَفتِ الشمْسُ عَلى عَهْد رَسُولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَوْمَ مَاتَ إبْراهيم (فقال الناس: انكسَفَتِ الشّمْسُ لموْتِ إبرَاهيم) فَقَالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: “إنَّ الشّمسَ وَالْقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آيات الله لا ينْكَسِفَانِ لموْتِ أَحَدٍ ولا لحياتِهِ فإذا رَأَيْتُموهُما فادعُوا الله وصَلُّوا حَتى تَنْكَشِفَ” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفي رواية لِلْبُخاريِّ “حَتى تَنْجَلي”.

(عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم مات إبراهيم) أي ابنه عليه السلام وموته في العاشرة من الهجرة: وقال أبو داود: في ربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه وقيل: في الرابعة (فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم) (فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي رادّاً عليهم (“إنّ الشمس والقمرَ آيتان مِنْ آيات الله لا ينكسفان لمَوْتِ أَحدٍ ولا لِحياته فإذا رَأَيْتُموهما فادعُوا الله وصلُّوا) هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري “فصلوا وادعوا الله” (حتى تَنكشف”) ليس هذا اللفظ في البخاري بل هو في مسلم (متفق عليه) يقال كسفت الشمس: بفتح الكاف وتضم نادراً وانكسفت وخسفت بفتح الخاء وتضم نادراً وانخسفت.

واختلف العلماء في اللفظين هلا يستعملان في الشمس والقمر، أو يختص كل لفظ بواحد منهما، وقد ثبت في القرآن نسبة الخسوف إلى القمر، وورد في الحديث خسفت الشمس كما ثبت في نسبة الكسوف إليهما وثبت استعمالهما منسوبين إليهما فيقال فيهما: الشمس والقمر ينخسفان، وينكسفان إنما الذي لم يرد في الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة الانفراد، وعلى هذا يدل استعمال الفقهاء فإنهم يخصون الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر: واختاره ثعلب، وقال الجوهري: إنه أفصح، وقيل يقال بهما في كل منهما.

والكسوف: لغة التغير إلى السواد، والخسوف النقصان، وفي ذلك أقوال أخر.

وإنما قالوا إنها كسفت لموت إبراهيم لأنها كسفت في غير يوم كسوفها المعتاد، فإن كسوفها في العاشر أو الرابع لا يكاد يتفق فلذا قالوا: إنما هو لأجل هذا الخطب العظيم، فردّ عليهم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ذلك وأخبرهم أنهما علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته على تخويف عباده من بأسه وسطوته.

والحديث مأخوذ في قوله تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}.

وفي قوله “لحياته” مع أنهم لم يدعوا ذلك بيان أنه لا فرق بين الأمرين فكما أنكم لا تقولون بكسوفهما لحياة أحد كذلك لا يكسفان لموته، أو كأن المراد من حياته صحته من مرضه ونحوه، ثم ذكر القمر مع أن الكلام خاص بكسوف الشمس زيادة في الإفادة والبيان، أن حكم النيِّرين واحد في ذلك.

ثم أرشد العباد إلى ما يشرع عند رؤية ذلك من الصلاة والدعاء ويأتي صفة الصلاة.

والأمر دليل الوجوب إلا أنه حمله الجمهور على أنه سنة مؤكدة لانحصار الواجبات في الخمس الصلوات.

وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، ونقل عن أبي حنيفة أنه أوجبها.

وجعل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم غاية وقت الدعاء والصلاة انكشاف الكسوف، فدل على أنها تفوت الصلاة بالانجلاء، فإذا انجلت وهو في الصلاة فلا يتمها، بل يقتصر على ما فعل إلا أن في رواية لمسلم: “فسلم وقد انجلت”، فدل أنه يتم الصلاة وإن كان قد حصل الانجلاء، ويؤيده القياس على سائر الصلوات فإنها تقيد بركعة كما سلف، فإذا أتى بركعة أتمها.

وفيه دليل على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت كان من الأوقات، وإليه ذهب الجمهور.

وعند أحمد وأبي حنيفة ما عدا أوقات الكراهة (وفي رواية للبخاري) أي عن المغيرة (حتى تنجلي) عوض قوله تنكشف والمعنى واحد.

[رح2] ــــ وَلِلْبُخَاري مِنْ حديثِ أَبي بَكْرَةَ رضي اللَّهُ عَنْهُ “فَصَلُّوا وادعُوا حَتى يُكْشَفَ مَا بكمُ”.

هو أول حديث ساقه البخاري في باب الكسوف ولفظه “يكشف” والمراد يرتفع ما حل بكم من كسوف الشمس أو القمر.

[رح3] ــــ وَعَنْ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عَنْهَا: “أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جَهَرَ في صَلاةِ الْكُسُوف بقرَاءَتِهِ فَصَلى أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ في رَكْعتين وَأَرْبَعَ سَجَدَاتَ” مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وفي روايةٍ لَهُ “فَبَعَثَ مُنادياً يُنَادي الصَّلاةُ جَامعةٌ”.

(وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم جهر في صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات) أي ركوعات بدليل قولها (في ركعتين وأربع سجدات. متفق عليه وهذا لفظ مسلم).

الحديث دل على شرعية الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، والمراد كسوف الشمس لما أخرجه أحمد بلفظ “خسفت الشمس” وقال: “ثم قرأ فجهر بالقراءة” وقد أخرج الجهر أيضاً الترمذي والطحاوي والدارقطني، وقد أخرج ابن خزيمة وغيره من عليّ عليه السلام مرفوعاً الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وفي ذلك أقوال أربعة.

(الأول) أنه يجهر بالقراءة مطلقاً في كسوف الشمس والقمر لهذا الحديث وغيره، وهو إن كان وارداً في كسوف الشمس، فالقمر مثله لجمعة صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بينهما في الحكم حيث قال: “فإذا رأيتموهما” أي كاسفتين “فصلوا وادعوا” والأصل استواؤهما في كيفية الصلاة، ونحوهما وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي حنيفة وابن خزيمة وابن المنذر وآخرين.

(والثاني) يسرّ مطلقاً لحديث ابن عباس “أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة”. فلو جهر لم يقدره بما ذكر وقد علق البخاري عن ابن عباس: أنه قام بجنب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً. ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية فيضعف القول بأنه يحتمل أن ابن عباس كان بعيداً منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلم يسمع جهره بالقراءة.

(الثالث) أنه يخير فيهما بين الجهر والإسرار لثبوت الأمرين عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كما عرفت من أدلة القولين.

(الرابع) أنه يسر في الشمس ويجهر في القمر وهو لمن عدا الحنفية من الأربعة عملاً بحديث ابن عباس وقياساً على الصلوات الخمس. وما تقدم من دليل أهل الجهر مطلقاً أنهض مما قالوه.

وقد أفاد حديث الباب أن صفة صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وفي كل ركعة سجدتان ويأتي في شرح الحديث الرابع الخلاف في ذلك (وفي رواية) أي لمسلم عن عائشة (فبعث) أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (منادياً ينادي: الصلاةَ جامعةً) بنصب الصلاة وجامعة فالأول على أنه مفعول فعل محذوف أي أحضروا، والثاني على الحال ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر وفيه تقادير أخر.

وهو دليل على مشروعية الإعلام بهذا اللفظ للاجتماع لها ولم يرد الأمر بهذا اللفظ عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا في هذه الصلاة.

[رح4] ــــ وعَن ابْنِ عَبّاسٍ رضي الله عَنْهمُا قالَ: “انخَسَفَتْ الشّمْسُ على عَهْدِ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فَصَلى رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فَقَامَ قِيَاماً طَويلاً نحْواً مِنْ قراءةِ سُورَةِ الْبَقرةِ، ثمَّ ركَعَ رُكُوعاً طَويلاً، ثَمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِياماً طويلاً وَهُو دُونَ الْقيامِ الأوَّل، ثمَّ ركَعَ ركوعاً طويلاً وهو دون الرُّكوع الأوَّل ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ قَام قياماً طويلاً وهُوَ دونَ القِيَام الأوَّل، ثمَّ ركع رُكُوعاً طويلاً وهُو دُون الرُّكوع الأول، ثمَّ رفعَ فقَامَ قياماً طويلاً وهُوَ دونَ القيام الأوَّلِ، ثمَّ ركعَ رُكُوعاً طَويلاً وَهُوَ دونَ الركوع الأوَّل، ثمَّ رفَعَ رَأسَهُ ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ انْصرفَ وَقَدْ تَجَلّت الشمسُ فَخَطَبَ النّاسَ” مُتّفقٌ عَلَيْه واللفظ للبُخاريِّ، وفي رواية لمُسلمٍ “صلى حين كَسَفَت الشّمسُ ثَمَاني ركَعَاتٍ في أربعِ سَجَدَاتٍ”.

قوله “فصلى” ظاهر الفاء التعقيب.

واعلم أن صلاة الكسوف رويت على وجوه كثيرة ذكرها الشيخان وأبو داود وغيرهم وهي سنة باتفاق العلماء. وفي دعوى الاتفاق نظر لأنه صرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، وحكى عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة وتقدم عن أبي حنيفة إيجابها.

ومذهب الشافعي وجماعة أنها تسنّ في جماعة، وقال آخرون: فرادى وحجة الأولين الأحاديث الصحيحة من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لها جماعة.

ثم اختلفوا في صفتها. فالجمهور أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان والسجود سجدتان كغيرها وهذه الكيفية ذهب إليها مالك والشافعي والليث وآخرون.

وفي قوله: “نحواً من قراءة سورة البقرة” دليل على أنه يقرأ فيها القرآن، قال النووي: اتفق العلماء أنه يقرأ في القيام الأول من أول ركعة الفاتحة واختلفوا في القيام الثاني ومذهبنا ومالك أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها.

وفيه دليل على شرعية طول الركوع، قال المصنف: لم أر في شيء من الطريق بيان ما قاله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فيه إلا أن العلماء اتفقوا أنه لا قراءة فيه وإنما المشروع فيه الذكر من تسبيح وتكبير وغيرهما.

وفي قوله “وهو دون الأول “دلالة على أن القيام الذي يعقبه السجود لا تطويل فيه وأنه دون الأول وإن كان قد وقع في رواية مسلم في حديث جابر “أنه أطال ذلك” لكن قال النووي: إنها شاذة فلا يعمل بها.

ونقل القاضي إجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال الذي يلي السجود وتأول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة زيادة الطمأنينة.

ولم يذكر في هذه الرواية طول السجود ولكنه قد ثبتت إطالته في رواية أبي موسى عند البخاري وحديث ابن عمرو عند مسلم.

قال النووي: قال المحققون من أصحابنا وهو المنصوص للشافعي: أنه يطول للأحاديث الصحيحة بذلك، فأخرج أبو داود والنسائي من حديث سمرة “كان أطول ما يسجد في صلاة قط” وفي رواية مسلم من حديث جابر “وسجوده نحواً من ركوعه” وبه جزم أهل العلم بالحديث.

ويقول عقيب كل ركوع: سمع الله لمن حمده ثم يقول عقيبه: ربنا لك الحمد إلى آخره.

ويطول الجلوس بين السجدتين فقد وقع في رواية مسلم لحديث جابر إطالة الاعتدال بين السجدتين، قال المصنف: لم أقف عليه في شيء من الطرق إلا في هذا، وَنَقْلُ الغزالي الاتفاق على عدم إطالته مردودٌ.

وفي قوله: “ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول” دليل على إطالة القيام في الركعة الثانية ولكنه دون القيام في الركعة الأولى وقد ورد في رواية أبي داود عن عروة “أنه قرأ آل عمران”.

قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية بقيامها وركوعها.

واختلف في القيام الأول من الثانية وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أن يكونان سواء؟ قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله: “وهو دون القيام الأول” هل المراد به الأول من الثانية أو يرجع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله.

وفي قوله: “فخطب الناس” دليل على شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف، وإلى استحبابها ذهب الشافعي وأكثر أئمة الحديث.

وعن الحنفية: لا خطبة في الكسوف لأنها لم تنقل، وتُعُقِّب بالأحاديث المصرحة بالخطبة. والقول بأن الذي فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يقصد به الخطبة بل قصد الرد على ما اعتقد أن الكسوف بسبب موت أحد مُتَعَقّبٌ بأن رواية البخاري، “فحمد الله وأثنى عليه” وفي رواية “شهد أنه عبده ورسوله” وفي رواية للبخاري “أنه ذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك” وهذه مقاصد الخطبة، وفي لفظ مسلم من حديث فاطمة عن أسماء قالت: “فخطب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ما من شيء لم أكن أُريته إلا وقد أُريته في مقامي هذا حتى الجنة والنار وإنه قد أوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريباً أو مثل فتنة المسيح الدجال ــــ لا أدري أي ذلك قالت أسماء ــــ فيؤتى أحدكم فيقال ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن ــــ لا أدري أي ذلك قالت أسماء ــــ فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا ثلاث مرات ثم يقال: نم قد كنا نعلم أنك تؤمن به فنم صالحاً” وفي مسلم رواية أخرى في الخطبة بألفاظ فيها زيادة (وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عباس (صلى) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (حين كَسَفت الشمس ثماني ركعات) أي ركوعات (في أربع سجدات) في ركعتين لأن كل ركعة لها سجدتان والمراد أنه ركع في كل ركعة أربع ركوعات فيحصل في الركعتين ثمان ركوعات وإلى هذه الصفة ذهبت طائفة.

5 ــــ وَعَنْ عَليٍّ رضي اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ ذلكَ.

(وعن علي رضي الله عنه) أي وأخرج مسلم عنه (مثل ذلك) أي مثل رواية ابن عباس.

6 ــــ وَلَهُ عَنْ جابرٍ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ “صلى سِتَّ رَكَعَاتٍ بأَرْبع سَجَداتِ”.

(وله) أي لمسلم (عن جابر) بن عبد الله (صلى) أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ست ركعات بأربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان.

[رح7] ــــ ولأبي دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بن كَعْبٍ رضي اللَّهُ عنْهُ “صلى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكعاتٍ وَسَجَدَ سَجْدتَيْنِ، وَفَعَل في الثّانية مثل ذلك”.

(ولأبي داود عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه صلى) أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فركع خمس ركعات) أي ركوعات في كل ركعة (وسجد سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك) ركع خمس ركوعات وسجد سجدتين.

إذا عرفت هذه الأحاديث فقد يحصل من مجموعها أن صلاة الكسوف ركعتان اتفاقاً إنما اختلف في كمية الركوعات في كل ركعة فحصل من مجموع الروايات التي ساقها المصنف أربع صور.

(الأولى) ركعتان في كل ركعة ركوعان وبهذا أخذ الشافعي ومالك والليث وأحمد وغيرهم وعليها دل حديث عائشة وجابر وابن عباس وابن عمرو، قال ابن عبد البر: هو أصح ما في الباب وباقي الروايات معللة ضعيفة.

(والثانية) ركعتان أيضاً في كل ركعة أربع ركوعات وهي التي أفادتها رواية مسلم عن ابن عباس وعلي عليه السلام.

(والثالثة) ركعتان أيضاً في كل ركعة ثلاث ركوعات وعليها دل حديث جابر.

(والرابعة) ركعتان أيضاً يركع في كل واحدة خمس ركوعات.

ولما اختلفت الروايات اختلف العلماء فالجمهور أخذوا بالأولى لما عرفت من كلام ابن عبد البر، وقال النووي في شرح مسلم: إنه أخذ بكل نوع بعض الصحابة.

وقال جماعة من المحققين: إنه مخير بين الأنواع فأيهما فعل فقد أحسن، وهو مبني على أنه تعدد الكسوف وأنه فعل هذا تارة وهذا أخرى، ولكن التحقيق أن كل الروايات حكاية عن واقعة واحدة هي صلاته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم وفاة إبراهيم، ولهذا عول الآخرون على إعلال الأحاديث التي حكت الصور الثلاث، قال ابن القيم: كبار الأئمة لا يصححون التعدد لذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي ويرونه غلطاً، وذهبت الحنفية إلى أنها تصلي ركعتين كسائر النوافل.

[رح8] ــــ وَعَن ابن عَبّاسٍ رَضيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: مَا هَبّتْ الرِّيحُ قَطُّ إلّا جَثَا النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على رُكْبَتَيْه وقال: “اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عذاباً” رَوَاهُ الشّافعيُّ والطّبرانيُّ.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما هبت الريح قط إلا جثا) بالجيم والمثلثة (النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على ركبتيه) أي برك عليهما وهي قعدة المخافة لا يفعلها في الغالب إلا الخائف (وقال: “اللهمَّ اجعلْها رَحْمة ولا تجعلْها عذاباً” رواه الشافعي والطبراني).

الريح: اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة ويأتي بالعذاب وقد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعاً “الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها”.

وقد ورد في تمام حديث ابن عباس: “اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً”. وهو يدل أن المفرد يختص بالعذاب والجمع بالرحمة، قال ابن عباس: في كتاب الله {إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً}.. {وأرسلنا عليهم الريح العقيم}.. {وأرسلنا الرياح لواقح}.. {وأنه يرسل الرياح مبشرات} رواه الشافعي في الدعوات الكبير. وهو بيان أنها جاءت مجموعة في الرحمة، ومفردة في العذاب، فاستشكل ما في الحديث من طلب أن تكون رحمة، وأجيب: بأن المراد لا تهلكنا بهذه الريح لأنهم لو هلكوا بهذه الريح لم تهب عليهم ريح أخرى فتكون ريحاً لا رياحاً.

[رح9] ــــ وعَنْهُ رضيَ اللَّهُ عنه صلى في زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ وأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وقالَ: “هَكذا صَلاةُ الآياتِ” رَواهُ الْبَيْهقيُّ وَذَكَرَ الشافِعيُّ عَنْ عليَ رضيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَهُ دونَ آخرهِ.

(وعنه) أي ابن عباس (رضي الله عنهما صلى في زلزلة ست ركعات) أي ركوعات (وأربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات (وقال: هكذا صلاة الآيات. رواه البيهقي. وذكر الشافعي عن علي مثله دون آخره) وهو قوله: “هكذا صلاة الآيات” أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الحارث أنه كان في زلزلة في البصرة، ورواه ابن أبي شيبة من هذا الوجه مختصراً: أن ابن عباس صلى بهم في زلزلةٍ أربعَ سجدات ركع فيها ستاً. وظاهر اللفظ أنه صلى بهم جماعة وإلى هذا ذهب القاسم من الآل وقال: يصلي للأفزاع مثل صلاة الكسوف وإن شاء ركعتين ووافقه على ذلك أحمد بن حنبل ولكن قال: كصلاة الكسوف (قلت): لكن في كتب الحنابلة أنه يصلي صلاة الكسوف ركعتين إذا شاء.

وذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يسنّ التجميع وأما صلاة المنفرد فحسن، قال: لأنه لم يرو أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر بالتجميع إلا في الكسوفين.

باب صلاة الاستسقاء

أي طلب سقاية الله تعالى عند حدوث الجدب: أخرج ابن ماجه من حديث ابن عمر: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: “لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء”.

[رح1] ــــ عن ابن عبّاسٍ رضي اللَّهُ عَنْهُما قالَ: خرَجَ النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مُتواضعاً مُتبذِّلا مُتخشِّعاً مُترسِّلاً مُتضَرِّعاً فَصَلّى ركْعتين كما يُصلي في العيد لَمْ يخْطُبْ خُطبتكم هذه” رواهُ الخمْسةُ، وَصَحّحهُ الترمذيُّ وأَبو عَوَانة وابنُ حِبّان.

(وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) أي من المدينة (متواضعاً متبذلاً) بالمثناة الفوقية فذال معجمة أي أنه لابس ثياب البذلة، والمراد ترك الزينة وحسن الهيئة تواضعاً وإظهاراً للحاجة (متخشعاً) الخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن (مترسلاً) من الترسل في المشي وهو التأني وعدم العجلة (متضرعاً) لفظ أبي داود “متبذلاً متواضعاً متضرعاً” والتضرع التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة كما في النهاية (فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه) لفظ أبي داود “ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد” فأفاد لفظه أن الصلاة كانت بعد الدعاء واللفظ الذي أتى به المصنف غير صريح في ذلك (رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان) وأخرجه الحاكم والبيهقي والآل والدارقطني.

والحديث دليل على شرعية الصلاة للاستسقاء وإليه ذهب الآل.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي للاستسقاء وإنما شرع الدعاء فقط.

ثم اختلف القائلون بشرعية الصلاة فقال جماعة: إنها كصلاة العيد في تكبيرها وقراءتها وهو المنصوص للشافعي عملاً بظاهر لفظ ابن عباس.

وقال آخرون: بل يصلي ركعتين لا صفة لهما زائدة على ذلك وإليه ذهب جماعة من الآل ويروى عن علي عليه السلام وبه قال مالك مستدلين بما أخرجه البخاري من حديث عباد بن تميم أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى بهم ركعتين. وكما يفيده حديث عائشة الآتي قريباً وتأولوا حديث ابن عباس بأن المراد التشبيه في العدد لا في الصفة، ويبعده أنه قد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس: أنه يكبر فيها سبعاً وخمساً كالعيدين ويقرأ بسبح وهل أتاك. وإن كان في إسناده مقال فإنه يؤيده حديث الباب.

وأما أبو حنيفة فاستدل بما أخرجه أبو داود والترمذي: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم استسقى عند أحجار الزيت بالدعاء. وأخرج عوانة في صحيحه، أنه شكا إليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قوم القحط فقال: “اجثوا على الركب وقولوا: يا رب يا رب”.

وأجيب عنه بأنه ثبت صلاة ركعتين وثبت تركها في بعض الأحيان لبيان الجواز.

وقد عدّ في الهدي النبوي أنواع استسقائه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم.

(فالأول) خروجه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى المصلى وصلاته وخطبته.

(والثاني) يوم الجمعة على المنبر أثناء الخطبة.

(والثالث) استسقاؤه على منبر المدينة استسقى مجرداً في غير الجمعة ولم يحفظ عنه فيه صلاة.

(الرابع) أنه استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل.

(الخامس) أنه استسقى عند أحجار الزيت قريباً من الزوراء وهي خارج باب المسجد.

(السادس) أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، وأغيث صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة استسقى فيها.

واختلف في الخطبة في الاستسقاء؛ فذهب الهادي إلى أنه لا يخطب فيه لقول ابن عباس “لم يخطب” إلا أنه لا يخفى أنه ينفي الخطبة المشابهة لخطبتهم وذكر ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم وقد زاد في رواية أبي داود: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رقى المنبر. والظاهر أنه لا يرقاه إلا للخطبة.

وذهب آخرون إلى أنه يخطب فيها كالجمعة لحديث عائشة الآتي وحديث ابن عباس.

ثم اختلفوا هل يخطب قبل الصلاة أو بعدها؟ فذهب الناصر وجماعة إلى الأول.

وذهب الشافعي وآخرون إلى الثاني مستدلين بحديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجه وأبي عوانة والبيهقي: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم خرج للاستسقاء فصلى ركعتين ثم خطب. واستدل الأوّلون بحديث ابن عباس وقد قدمنا لفظه.

وجمع بين الحديثين بأن الذي بدأ به هو الدعاء، فعبر بعض عن الدعاء بالخطبة واقتصر على ذلك ولم يرو في الخطبة بعدها، والراوي لتقديم الصلاة على الخطبة اقتصر على ذلك ولم يروا الدعاء قبلها وهذا جمع بين الروايتين.

وأما ما يدعو به فيتحرى ما ورد عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من ذلك وقد أبان الألفاظ التي دعا بها صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:

[رح2] ــــ وعن عائشةَ رضيَ الله عنْها قالت: شَكا النّاس إلى رسُول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قُحُوط المطر فأَمَرَ بمنْبر فَوُضِعَ لَهُ بالمُصلى وَوَعَد النّاس يَوْماً يخْرُجُون فيه، قالت عائشة: فَخَرَجَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حين بدا حاجِبُ الشّمس فَقَعَد على المنبر فَكَبّر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وحمد الله عزَّ وجل ثمَّ قالَ: “إنكمُ شَكَوْتمْ جدْبَ دياركُم وقدْ أَمركُمُ الله أَن تَدْعُوهُ وَوَعدكُم أَن يَسْتجيب لَكُم” ثمَّ قالَ: “الحمْدُ لله ربِّ العالمينَ، الرَّحمن الرَّحيم، مَلِك يَوْمِ الدينِ، لا إله إلّا اللَّهُ يَفْعَلُ ما يُريدُ، اللهُمّ أَنْتَ الله لا إله إلّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغنيُّ ونَحْنُ الْفُقَراءُ، أَنزل عَلَيْنا الْغَيْثَ واجْعَلْ مَا أَنْزلْتَ عَلَيْنَا قُوَّةً وبلاغاً إلى حين” ثمَّ رَفَعَ يدَيْهِ فلَمْ يزَلْ حتّى رُئيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثمَّ حَوَّلَ إلى الناس ظَهْرَهُ وقَلَبَ رداءَه وهو رافعُ يديْهِ، ثمَّ أَقْبلَ على النّاس ونزَلَ فَصَلى رَكعتَيْنِ، فَأَنْشأَ اللَّهُ سَحَابةً فَرَعَدَتْ وبرقَتْ ثمَّ أَمْطرتْ. رواهُ أبو داودَ وقال غريبٌ وإسنَادُهُ جَيِّدٌ.

(وعن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قحوط المطر) وهو مصدر كالحقط (فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه قالت عائشة:) عينه لهم (فخرج رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر) قال ابن القيم: إن صح وإلا ففي القلب منه شيء (فكبر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وحمد الله عز وجل ثم قال: “إنكُمْ شَكَوْتم جَدْب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم فَقَد أَمركُمُ اللَّهُ أن تدعوهُ” قال تعالى: {ادعوني استجب لكم} ووعدكم أن يستجيب لكم كما الآية الأولى وفي قوله {وإذا سألك عبادي عني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداعِ إذا دعاني} (ثمَّ قالَ: {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم}

فيه دليل على عدم افتتاح الخطبة بالبسملة بل بالحمدلة ولم تأت رواية عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه افتتح الخطبة بغير التحميد (مالك يوم الدين لا إلَه إلا الله يفعل ما يريد اللَّهم أنت الله لا إلَه إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة بلاغاً إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل) في سنن أبي داود، “في الرفع” (حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهر) فاستقبل القِبْلة (وقلب) في سنن أبي داود، “وحول” (رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل على الناس) توجه إليهم بعد تحويل ظهره عنهم، (ونزل) أي عن المنبر (فصلى ركعتين فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت) تمامه في سنن أبي داود بإذن الله فلم يأت باب مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، وقال: “أشهد أن الله على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله” (رواه أبو داود، وقال: غريب وإسناده جيد) هو من تمام قول أبي داود ثم قال أبو داود: “أهل المدينة يقرءون ملك يوم الدين، وإن هذا الحديث حُجَّة لهم”، وفي قوله: “وعد الناس” ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا من المظالم ونحوها ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقاً إلا أنه مع حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات “إن الله حرم قوماً من بني إسرائيل السقيا بعد خروجهم لأنه كان فيهم عاص واحد”، ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم قبل فيشرع إخراج أهل الذمة ويعتزلون المصلي.

وفي الحديث دليل على شرعية رفع اليدين عند الدعاء، ولكنه يبالغ في رفعهما في الاستسقاء حتى يساوي بهما وجهه ولا يجاوز بهما رأسه. وقد ثبت رفع اليدين عند الدعاء في عدة أحاديث وصنف المنذري في ذلك جزءاً، وقال النووي: قد جمعت فيها نحواً من ثلاثين حديثاً من الصحيحين أو أحدهما وذكرها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، وأما حديث أنس في نفي رفع اليدين في غير الاستسقاء، فالمراد به نفي المبالغة لا نفي أصل الرفع. وأما كيفية قلب الرداء فيأتي عن البخاري جعل اليمين على الشمال وزاد ابن ماجه وابن خزيمة “وجعل الشمال على اليمين”، وفي رواية لأبي داود “جعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر عاتقه الأيمن”، وفي رواية لأبي داود “أنه كان عليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها ويجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه” ويشرع للناس أن يحولوا معه لما أخرجه أحمد بلفظ: “وحول الناس معه”، وقال الليث وأبو يوسف: إنه يختص التحويل بالإمام، وقال بعضهم: لا تحول النساء. وأما وقت التحويل فعند استقباله القِبْلة ولمسلم: “أنه لما أراد أن يدعو استقبل القِبْلة وحول رداءه” ومثله في البخاري.

وفي الحديث دليل على أن صلاة الاستسقاء ركعتان وهو قول الجمهور وقال الهادي: أربع بتسليمتين ووجه قوله بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم استسقى في الجمعة كما في قصة الأعرابي والجمعة بالخطبتين بمنزلة أربع ركعات ولا يخفى ما فيه، وقد ثبت من فعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الركعتان كما عرفت من هذا الحديث والذي قبله ولما ذهبت الحنفية إلى أنه لا يشرع التحويل، وقد أفاده هذا الحديث الماضي زاد المصنف تقوية الاستدلاً على ثبوت التحويل بقوله:

[رح 3/973] ـ وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي الصَّحْيحِ مِنَ حَدِيثِ عَبْدِ الله بِنِ زَيدٍ، وَفِيْهِ: “فَتَوَّجه إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقَرَاءَةِ”.

(وقصة التحويل في الصحيح) أي صحيح البخاري (من حديث عبد الله بن زيد) أي المازني وليس هو راوي الأذان كما وهم فيه بعض الحفاظ ولفظه في البخاري “فاستقبل القِبْلة وقلب رداءه” (وفيه) أي في حديث عبد الله بن زيد (فتوجه) أي النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (إلى القِبْلة يدعو) في البخاري بعد يدعو، “وحول رداءه”، وفي لفظ “قلب رداءه” (ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) ، قال البخاري: قال سفيان: وأخبرني المسعودي عن أبي بكر قال: “جعل اليمين على الشمال” انتهى. زاد ابن خزيمة “والشمال على اليمين”، وقد اختلف في حكمة التحويل، فأشار المصنف إليه بإيراد الحديث:

[رح 4/084] ـ وَلِلدَّارَقُطْنِي مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: “وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوّلَ الْقَحْطُ”.

وهو قوله: (وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر) هو محمد بن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب سمع أباه زين العابدين وجابر بن عبد الله، وروى عنه ابنه جعفر الصادق وغيره. ولد سنة ست وخمسين ومات سنة سبع عشرة ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن بالبقيع في البقعة التي دفن فيها أبوه وعم أبيه الحسن بن عليّ بن أبي الطالب وسمي الباقر لأنه تبقر في العلم أي توسع فيه انتهى من جامع الأصول، (وحول رداءه ليتحول القحط) وقال ابن العربي: هو أمارة بينه وبين ربه، قيل: له حول رداءك ليتحول للتفاؤل، قال: لأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، وقال المصنف: إنه ورد في التفاؤل حديث رجاله ثقات.

قال المصنف في الفتح: إنه أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جار فوصله لأن محمد بن عليّ لقي جابراً، وروي عنه إلا أنه قال: إنه رجح الدارقطني إرساله، ثم قال: وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن وقوله: في الحديث الأول: “جهر فيهما بالقراءة” في بعض روايات البخاري “يجهر”، ونقل ابن بطال أنه مجمع عليه أي على الجهر في صلاة الاستسقاء وأخذ منه بعضهم أنها لا تصلي إلا في النهار ولو كانت تصلي في الليل لأسر فيها نهاراً ولجهر فيها ليلاً وفي هذا الأخذ بعد لا يحفى.

[رح 5/184] ـ وَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ الله عَزَّ وَجَلَّ يُغِيِثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: “اللَّهُمّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا”، فَذَكَرَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ الدُّعَارُ بِإِمْسَاكِهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

(وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُبل فادع الله عز وجل يغيثنا فرفع يديه) زاد البخاري في رواية “ورفع الناس أيديهم” (ثم قال: “اللهم أغِثنا) وفي البخاري أسقنا (اللهمَّ أَغِثْنا”) فذكر الحديث (وفيه الدعاء بإمساكها) أي السحاب عن الإمطار (متفق عليه) تمامه من مسلم: قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا قال: فرفع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يديه ثم قال: “اللهم حَوَالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر” قال فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك: فسألت أنس بن مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. انتهى. قال المصنف: لم أقف على تسميته في حديث أنس.

وهلاك الأموال يعم المواشي والأطيان. وانقطاع السبل عبارة عن عدم السفر لضعف الإبل بسبب عدم المرعى والأقوات أو لأنه لما نفد ما عند الناس من الطعام لم يجدوا ما يحملونه إلى الأسواق.

وقوله “يُغيثنا” يحتمل فتح حرف المضارعة على أنه من غاث إما من الغيث أو الغوث ويحتمل ضمه على أنه من الإغاثة ويرجح هذا قوله: “اللهم أغثنا”.

وفيه دلالة على أنه يدعى إذا كثر المطر وقد بوب له البخاري “باب الدعاء إذا كثر المطر” وذكر الحديث.

وأخرج الشافعي في مسنده وهو مرسل من حديث المطلب بن حنطب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول عند المطر “اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا”.

[رح6] ــــ وَعَنْهُ رضيَ الله عنْهُ أَنَّ عُمَرَ رضيَ الله عنْهُ كانَ إذا قُحِطُوا اسْتسْقى بالعباس بنِ عبد الْمُطّلب وقالَ: “اللّهُمَّ إنّا كُنّا نتوسل إليكَ بنبيّنا فَتَسْقينا، وَإنّا نَتَوسّلُ إليْكَ بِعَمِّ نبيّنا فاسقِنَا، فَيُسْقَوْنَ” رواهُ البُخاريُّ.

(وعن أنس رضي الله عنه أن عمر كان إذا قُحِطوا) بضم القاف وكسر المهملة أي أصابهم القحط (استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال) أي عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. رواه البخاري) وأما العباس رضي الله عنه فإنه قال: “اللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب ولم ينكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث؛ فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض” أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب، وأخرجه أيضاً من حديث ابن عمر أن عمر استسقى بالعباس عام الرمادة وذكر الحديث، وذكر الباذري أن عام الرمادة كان سنة ثماني عشرة، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جداً من عدم المطر.

وفي هذه القصة دليل على الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت النبوة.

وفيه فضيلة العباس وتواضع عمر ومعرفته لحق أهل البيت رضي الله عنهم.

[رح7] ــــ وعنْهُ رضيَ الله عنه قالَ: أَصَابنا ونَحْنُ مَعَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مَطَرٌ، قال فَحَسَرَ ثوْبهُ حتى أَصابه مِن المطر وقال: “إنهُ حديث عَهْدٍ بربّه” رَوَاهُ مُسْلمٌ.

(وعن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مطر قال: فحسر ثوبه) أي كشف بعضه عن بدنه (حتى أصابه من المطر وقال: “إنهُ حديثُ عَهْدٍ بربِّهِ” رواه مسلم) وبوّب له البخاري فقال: “باب من يمطر حتى يتحادر عن لحيته” وساق حديث أنس بطوله.

وقوله: “حديث عهد بربه” أي بإيجاد ربه إياه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله لها فيتبرك بها وهو دليل على استحباب ذلك.

[رح8] ــــ وَعَنْ عائشة رضيَ الله عنها أَنَّ رسُولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان إذا رأَى المَطَرَ قال: “اللّهُمَّ صَيِّباً نافعاً” أَخرجاه.

(وعن عائشة رضي الله عنها أ